أما بعد...

تكلم حتى أراك بقلم/ رئيسة التحرير روزالسوف

“تكلم حتى أراك” عبارة متداولة بين الناس ، يقال أنها أًخذت عن  الفيلسوف اليوناني الشهير “سقراط “.. ووقائع هذه الحادثة كما جاء في الأثر، تعود الى أنه في إحدى المرات قام تلاميذ سقراط  بسؤاله فأجابهم جميعا إلا واحدا ، فانتظر أن يطرح عليه سؤالا ، ولكنه لم يفعل ، فالتفت إليه سقراط  وقال له : ” تكلم يا هذا حتى أراك”! .. ومن هذه الواقعة ، اختار الصحفي  والأديب الكبير أنيس منصور  إجابة سقراط ، لتكون عنوانا لأحد كتبه المعروفة..  ..وانطلقت الأقلام والتوصيفات لتجعل من هذه العبارة حكمة وكلاما مأثورا، يقال كلما أريد معرفة المستوى الثقافي والفكري لأي شخص قد يظهر عليه من خلال الشكل بأنه نابغة ، ولكنه عندما يتكلم يحدث العكس ، فيظهر الفارق النشاز بين شكله وقوله، فيقولون له في هذه الحالة ما قاله سقراط..

الكثير من الحكماء يلتزمون الصمت في المواقف المحرجة، ليبدو صمتهم أعمق وأقوى من أي كلام..  لاحظت ذلك في بعض البرامج التلفزيونية ، عندما  تعمد أحد الضيوف مرة استفزاز الاعلامي الكبير عبد الباري عطوان ، فما كان من هذا الأخير الا  أن ألتزم عدم الرد وابتسم دونما انفعال ، ليؤكد بأنه أكبر من أن يرد فينزلق  وتأتي السقطة على أجله المهني ، وتنهيه بكليمات…

نفس الموقف حصل مع الاعلامي القدير سامي كليب عندما تعرض لوابل من الاتهامات في برنامجه “لعبة الأمم” من طرف أحد المتدخلين ، فما كان من الاعلامي اللبناني الحكيم الا أن أنهي مداخلة الضيف المتحرش به بابتسامة رائعة قائلا: “والله ما أعرفت شو اللي بيرضيك ، ولا شو اللي عملتو حتى يصير معي هيك” وختمها بضربة اعلامية قاضية :”على العموم، أنا بأعتذر منك، شو ماكان  ” ..

المعتوهون أو الانفعاليون أو الاندفاعيون وحدهم من تكون أفعالهم أو ردود أفعالهم متهورة ، يختبؤون وراء الصمت الرهيب أحيانا، فيظن الناس أنهم حكماء عصرهم، ولكن ما تلبث أن تظهر حقيقتهم الصادمة ، في ثنايا  أقوالهم أو ردود أفعالهم الانتحارية ، وفي هذه الحالة ينطبق عليهم المثل القائل: سكتوا دهرا ونطقوا كفرا..

ما يحصل اليوم بين من يسمون أنفسهم نخبا سياسية في الجزائر مؤشرا على أننا نسير نحو الهاوية،  بعدما كنا نظن يوما أن السلطة في الجزائر لازالت تحتفظ بشعرة معاوية ما بين الموالاة والمعارضة ، وأن هناك سياسيين يعرفون الحد الأدنى من الاحترام، الا أن موقعة “باسم الله” عرت واقعنا السياسي، وبرزت فيه الاشكالية الخطيرة التي يعاني منها الحوار السياسي في الجزائر ومنطق “البوعريفة”، فبدل من أن يرقى حوارنا الى لغة التجرد ومناقشة الموضوع ، يلجأ البعض الى التهكم والقذف العلني ، وهذا ليس جديدا بالمناسبة ، ولا أعتقد أن هذا الأسلوب له علاقة بالسياسة التي ترتكز أساسا على الحنكة والحكمة وطول النفس وتسمية الأشياء بمسمياتها..

اشعر بحزن شديد عندما أجد نفسي في بلد بحجم الجزائر ، يتكلم نخبها بلغة ساقطة وبمستوى أقل من الضعيف ، فيجب أن يعي هؤلاء أن الجزائر أكبر بتاريخها وأمجادها من هذه المنزلقات.. فإما أن يقولوا خيرا أو ليرحلوا…

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق