باراسيتامول

خزان الوقود الساقط

باراسيتامول

هل تعلم ما معنى أن يهتف مجرم ” يحيا العدل ”، و ما معنى أن يعود الموتى من البرزخ.

هذا معناه أن عصر الكهنوت يعود و هو ” شبه جثة ” ليطمئن الرعايا على أنه لا يزال فاعلا و أن مؤسساته لا تزال تحمي القاتل و الفاسد، و تدرج هذه الجرائم في خانة الأعمال الوطنية.

كنا نظن أن الكهنوت مات و انتهى، و إذا به يعود إلينا بثوب البريء ليحدثنا بلغة تليق ببراءة كاهن لا تزال أسرار معبده سارية المفعول.

أقدم المحميات السياسية تعود لتقف في وجه الشمس، و لتعيد النهار إلى الكهف و تفتح المجال واسعا لغسق لا يزول ملكه.

أربعون سنة تمر على المسيرة الخضراء التي قام بها الملك الراحل الحسن الثاني، شيء لا يعني المغرب وحده، بل معناه من جهة أخرى أربعة عقود من الرهان على القضايا الخاسرة التي تبين بعد سقوط بن علي أنها مجهولة لدى التوانسة فضلا عن العرب و الناس أجمعين.

المبعوث الأممي الأسبق ” إريك يانسن ” قال بصريح العبارة : لا يمكن أن تقوم دويلة على هذه الأرض….أقرأ عبارة كريستوفر روس، فلا أكاد أفهم شيئا، و أعيد قراءتها فأتحسر على سنوات الفرص الضائعة و الأموال المهدورة فيما لا طائل منه، فمتى نتوقف عن العبث.

يقول كريستوفر روس : ” أنا هنا للبحث معكم في سبل استئناف المفاوضات مع المغرب، وليس من حقي أن أمنع أي مغربي من التحرك في بلاده طولا وعرضا “؛ قال هذا عندما طلب منه الموتورون سياسيا أن يمنع الملك المغربي من زيارة مدينة العيون بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء.

يأتي هذا في الوقت الذي يطالب فيه فرحات مهني بفتح سفارة لحكومته المزعومة بالعاصمة المغربية الرباط، و بالتالي تزداد متاعب البلد في ظل غياب تام لرؤية اقتصادية أو سياسية حكيمة تجنب الوطن المزالق.

و وسط ركام المسيرة الخضراء و رهانات القضايا الخاسرة و خرجات المهرجين من أبناء جلدتنا، ينفرد قانون مالية أسود شرس بالتهام 14 مليون فقير في الجزائر، لا صوت لهم و لا نصير و لا محام و لا مدافع و لا مخيمات في تندوف تأويهم و لا ملكا مبجلا يطالب بضمهم إلى رعاياه، و لا تجار أوهام يشكلون حكومات تمثلهم.

ما يقع اليوم ينطق بلسان مرض اجتماعي مستفحل، وحيال مرض كهذا، تنعدم الحاجة إلى البراهين وإلى الدقّة، ويصير كلّ ما يعزّز الوعي التآمريّ مرغوباً ومطلوباً، سواء صدرَ هذا عن  كاتب أو  مسؤل أو ” شيخ منصر ”.

حرائق باريس لا تزيد في شيء عن حرائق الجزائر و سوريا و العراق و فلسطين، ففي كل هذه الزوايا و الربوع هناك أرواح بشرية تزهق دون وجه حق، و تحت مسميات شتى و بطرق عديدة و مختلفة، و سواء عندي السلاح الناري أو السياسات الاقتصادية العرجاء فالكل يشتغل لحساب ” عزرائيل ” و يجعل عمر الأبرياء قصيرا.

لم تعد أوروبا هي العالم الذي يداوي جراحنا، كما هي فيينا بالنسبة للبرادعي، الذي أتحفنا بعبارة ملفتة و هو يعانق خريف النمسا البارد، مشبها الوطن العربي بخزان الوقود البائس، و من الأمانة أن ننقلها حرفيا لأنها تختصر المأساة و الملهاة العربية في كلمات قليلة لكنها قوية، حيث يقول : تخيّلت العالم العربي كله وكأنه خزان وقود أسفل الصاروخ، بعدما ينتهي دوره ينفصل عنه فيتهاوى ساقطاً، بينما الصاروخ يشق غمار الفضاء صاعداً أعلى فأعلى، فيما يستمر خزان الوقود في السقوط أكثر فأكثر. نحن خزان الوقود، والصاروخ هو بقية العالم المتحضر المتمتع بالتقنية والحداثة ”، قالها بحزن وهو يرسم بيده الصاروخ وخزان الوقود الساقط.

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق