باراسيتامول

الجزاء من جنس العمــــــــــــــــل

باراسيتامول

بعيدا عن الموناليزا و الجيوكوندا و ضربة الفرشاة و الطابلوه، تنبأ ليوناردو دافينشي ذات يوم بأن يجتاح الذين لا يملكون ديارَ المالكين و يحيلونهم مجردَ أرقام على خارطة الأشياء.

اليوم تمشي الأمور في هذا الاتجاه، و الذين يمسكون بعنان الحقائق الهاربة يدركون ذلك بكل وضوح، و يتصرفون على هدي نوره و ضيائه.

قال لنا ديغول في سالف العصر و الأوان أن البحر الأبيض المتوسط هو في نهاية المطاف حوض مائي عربي، و لهذا تشترك ضفتاه، الشمالية و الجنوبية، فيما يمكن أن نسميه ” حماقة البحر الأبيض المتوسط ”، حيث العجلة و التسرع و الاندفاع خصال لا نظير لها في مكان آخر، يضاف إلى هذا ضعف الحجة، فتتولى المعاصم و السواعد و الأصابع و الإشارات البهيمية مهمة إتمام رقعة الإقناع.

فرنسا مثلا تشترك معنا في حماقة الحوض المتوسطي، و لهذا لم أستغرب ما اقترفته أياديها الآثمة في حق هيبة الجزائر، من خلال وزيرها للإشهار كما يقول سعد بوعقبة، و لكن الحقيقة الغائرة في أعماق المحيط تقول أنها مهددة بشفرة دافينشي قبل نبوءته، حيث ستتحول إلى دولة ملامحها عربية إسلامية بفضل الأجيال المتعاقبة من الجزائريين و المغاربة عموما الذين يحملون جنسيتها و ولدوا على أرضها و بقوا يحملون أكياس السراب فوق ظهورهم، و يصرون على حملها، لأن حضارة بلاد الغال لا تحترم تاريخ أجدادهم، و لهذا ينتقمون منها بترويج السراب الذي يحسبه الظمآن ماء، فجدّهم الأول شارك في بناء سد مأرب، و جدهم الثاني نحت من الخشب عرش بلقيس، و جدهم الثالث كان بطلا في حرب المائة سنة، أما جدهم الأخير فقد كان رئيس البنائين و المهندسين الذي صمموا و شيدوا قوس النصر و الشانيلزيه، و بالتالي فهم نتاج سلالة مجد متوارث كابرا عن كابر.

اليوم تعود إلينا الأم فافا بلغة طبولها التاريخية الجوفاء، من نابليون بونابرت إلى  لويس فيليب و ماري أنطوانيت، حيث ثغاء البسكويت يتغلب على صرير المعدة، و حذاء الإهانة يدوس كل صوت للكرامة الإنسانية، و لكن لا يجب أن نتوه عن حقيقتنا و نحن نذرف دموع التماسيح على ” السنتورة الجزائرية ” التي أنزلها أحفاد شارلمان، ففيما سبق لم تكن الأخيرة مستقرة أعلى البطن لأننا أصحاب ” نيف ” بل لأننا أكياس نذالة تطبق التوجيهات و النصائح و الإرشادات التي تصيح في وجوهنا ” شدوا الحزام ” أو ” فكوا الحزام ” على رأي عادل إمام في ” شاهد ما شفش حاجة ”.

كان الحزام مشدودا أو مفكوكا تحضيرا لعهد التقشف الذي أوصلنا إليه خبراء الفقر و فقهاء الإفلاس، و بالتالي فبمجرد أن غادرنا أرض السغب امتلأت البطون الخاوية و هوت الأغلال الجلدية أرضا، لأنها علامة قهر و ليست رمزا لسؤدد أو شهامة.

ما وقع لرأس منظومة الإشهار لدينا يستفز كل شيء فينا، فلا ينتظر الآخرون منا أن نحقن أنفسنا بلقاح الحياد، و لكن دعونا في نفس الوقت نذكر المتباكين على الأطلال و قادة جوق الشرف أننا نحن من أوصلنا أنفسنا إلى هذا المصير، بفضل فتح الجزائر سوقا رائجة لبالوعات باريس، متجاوزين جميع المحاذير، و فاتحين المجال لعنقاء السياسة كي تتعامل مع كل شريف بمنطق ثقافة السجون و المنافي و الأقبية و طرد الآخر، و حرق بيته و تجريف حقله و ترميد جذوره و محو آثاره ثم دفعه إلى أعالي البحار أو باطن الأرض، بعد أن تحيط عنقه بالطوق كيلا يهرب و تضع على فمه كمامة كيلا يعض…

ضيعنا صوت الحق فينا فكان هذا جزاؤنا، و قديما قالوا : الجزاء من جنس العمل.

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق