B الواجهةتحقيقات

كابوس تحويل العملة الصعبة بالجزائر يتواصل صرافو “بور سعيد” يتحدون الدولة

العملة الصعبة الأورو اليورو

صمتت عليهم أجهزة الدولة الرقابية مدة ربع قرن، ولما طاردهم الأمن ، عادوا إلى ممارسة النشاط غير القانوني لصرف العملة الصعبة بشوارع بور سعيد وسط الجزائر العاصمة ، بصور أخرى، في ظاهرة تنخر اقتصاد البلاد، كشفت عن معضلة كبيرة تواجه السواح ، المستثمرين الأجانب والمواطنين في تحويل العملات عبر القنوات الرسمية.     

بسوق “السكوار” غير الشرعي لبيع العملة الصعبة، الواقع بساحة بور سعيد وسط الجزائر العاصمة، تجتمع مفارقات وأسرار يكتنزها تجار العملة الصعبة وتعكس تناقضات حكومة أخفقت في تطوير نظام البنوك والمصارف، بعد عقود من نشاط غير شرعي يمتهنه العشرات من الجزائريين ، رغم اعتماد الجزائر قانون النقد والقرض لسنة 1990 الذي ينقل البلاد نحو اعتماد نظام اقتصاد السوق وينظم قنوات صرف العملة غير أن الوضعية معقدة لم تجد حلا.

وعلى امتداد قارعة الطريق اتخذ هؤلاء التجار الموقع سوقا لمزاولة نشاطهم في بيع وشراء العملة الصعبة. والغريب أنها تقع على بعد أمتار معدودة من مقر المجلس الشعبي.

مجرد عمال

 و بجولة بالسوق غير الشرعي ونظرا للحيطة الكبيرة التي يتخذها هؤلاء التجار، كان لا بد من الادعاء بأننا نريد شراء العملة الصعبة وهو مفتاح دفعهم للتقرب منا ، إذ لم يكن من الصعوبة إيجاد مرادنا لصرف عملة الدولار الأمريكي، رغم أن الأمر تم بحذر من (مراد. ع) ذي الخامسة والثلاثين سنة لدى سؤال حول سعر الدولار مقابل الدينار الجزائري، فالوضع صار يتم بشكل علني لكن بأخذ احتياط أكثر خوفا من اعتقاله من أجهزة الأمن الذين داهموا المكان قبل أسابيع والقوا القبض على تجار العملة. رد مراد بعد أن اطمأن لدى إظهارنا بضعة أوراق من فئة الخمسين دولار، كم تريد التحويل؟، انه يساوي (144 دينارا جزائريا للدولار الواحد). لكن الغريب تقربه من شخص آخر يشتغل تحت إمرته اتخذ من مدخل عمارة لتوفير مرادنا ، ليعرض تقديم رقم هاتفه النقال للاتصال به مجددا في حال طلبنا صرف العملة إذ عبر عن خشيته من مداهمة الشرطة للسوق مرة أخرى.

ويتأكد  أن مثل هذا الشاب وغيره هم مجرد عمال يتقاضون أجورهم على أساس نسب فوائد عن كل عملية بيع أو شراء للعملة، أما أصحاب الأموال الحقيقيون لهذه المعاملات يتخفون وراء الستار. وأحد تجار العملة “الصغار” ينقل تحول هذا النشاط إلى مغامرة حقيقية “اننا نخاطر بأنفسنا يوميا من أجل كسب لقمة يومنا مقابل هامش ربح جد ضئيل قد لا يتجاوز1000 دج يوميا، أي ما يعادل 10 دولار يوميا” وفق تعبيره.

فقد شنت عناصر الأمن بزي مدني قبل أسابيع حملة مداهمات طالت سوق السكوار ، واعتقلت من يمتهنون المتاجرة في العملات الأجنبية بالسوق السوداء، وهي المرة الأولى التي تشنّ فيها مصالح الأمن هذه الحملة المنظمة، على اعتبار أن النشاط غير قانوني يتم في وضح النهار وأمام أعين السلطات منذ عقود.  وذهب مراقبون إلى اعتبار المداهمات الأخيرة نتيجة صراعات “بارونات” العملة الصعبة، عقب عودة نشاطهم ولو بصورة أخرى ، حيث تأتي هذه العملية بعدما أوقفت مصالح الجمارك على مستوى مطار هواري بومدين الدولي نهاية مارس الماضي تاجر عملة جزائري  بحوزته نحو 300 ألف يورو و10 آلاف جنيه إسترليني، كان متوجها بها نحو تركيا ومن ثم إلى مدينة بوردو الفرنسية، وهي العملية التي جاءت بعد مكالمة هاتفية مجهولة قبل وصول “المهرب” إلى المطار بساعات، ليقوم هو بدوره بالتبليغ عن صفقة بيع أخرى مماثلة.

وعلى عكس ما كان عليه الأمر في السابق، يتحاشى التجار إظهار الأوراق النقدية للعملة الأجنبية، بل أن معظمهم يحملون العملة الوطنية من فئة 1000 و2000 دج. فمنهم من اتخذوا من مداخل العمارات مخبأ لتجارتهم، وهناك من لجأ إلى شبكات التواصل الاجتماعي ، أما آخرون فلجئوا إلى الجلوس أمام مداخل المتاجر والمقاهي الموجودة في محيط بور سعيد، واصطياد من يودون بالفعل اقتناء الأجنبية، بغرض السفر أو السياحة أو العلاج، ويمكن التعرف عليهم من خلال أشخاص يحملون بأيديهم هواتف نقالة في أيديهم، التي يستعينون بها في تلقي طلبات من قبل كبار التجار والإطارات، الذين يوكلون من ينوب عنهم للتعامل مع تجار سوق بور السعيد.

نزيف خزينة الدولة

و مع ما يجابهونه من أخطار يتشجعون بانتعاش موسم العطلة الصيفية وكذا موسم الحج اللذان ساهما في انتعاش سوق بور سعيد، حيث دخل قرابة  مليون جزائري مهاجر ارض البلاد قدموا من فرنسا و أنعشوا السوق بالاورو كما أن اقتراب الدخول الاجتماعي يحرك هو الآخر عجلة النشاط التجاري من وإلى أوروبا، لاسيما في مجال استيراد الألبسة والأدوات والسلع المدرسية. ويخضع سوق العملة الصعبة إلى معادلة الطلب والعرض والاكتناز، إذ يعمدون إلى احتكار العملة الأجنبية المتوفرة من قبل كبار تجار السوق، وينتهزون المناسبات الدينية والأحداث المتنوعة لرفع أسعار الصرف.

وربما أوجدت الحكومة “فراغا تنظيميا” عرقل الحد من نشاط غير شرعي يتوسط العاصمة، فلا وجود لقانون فتح مكاتب صرف رسمية، ولا رفع لمنحة السفر التي يمنحها البنك، والتي لا تكفي حتى لتغطية مصاريف يوم واحد في الخارج.  فقد وجهت لجنة المالية والميزانية في البرلمان مراسلة لكل من محافظ بنك الجزائر محمد لكصاسي والمدير العام لبورصة الجزائر يزيد بن موهوب تطلب من خلالها الاستماع إلى ردود المسؤول الأول عن بنك الجزائر فيما يخص ملفات سوق “السكوار” في العاصمة ومكاتب الصرف التي لم تر النور لحد الساعة وكذا ملف المنحة السياحية، لكن المبررات انتهت بوعود مؤجلة يراها ملاحظون أنها تلعب لا محالة لصالح استمرار ساحة السكوار.

ويحق للمواطن الجزائري وفق ما يخول له القانون الحصول على المنحة السياحية السنوية التي تقدّر بـ130 يورو مما لا يغطي مصاريف يوم واحد للمسافر، وعلى اعتبار أن بين 3 إلى 4 ملايين جزائري يسافرون إلى أوروبا سنويا اغلبهم يلجؤون إلى السوق الموازية لتغطية العجز في ميزانية السفر. بالإضافة إلى ذلك بسبب غياب إطار منظم وفعال لتحويل الأموال.3 تخسر الجزائر أيضا نحو مليار اورو سنويا من تحويلات رعاياها الموجودين في الخارج الذين يتعاملون مباشرة مع تجار السكوار.

ورغم الخطورة التي باتت تشكلها السوق على الاقتصاد الوطني باعتراف اكبر مسؤول حكومي وشبهات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة المتطرفة، فإن السلطات لم تتدخل إلا مؤخرا، ولم تستطع القضاء عليها بعد أن خرجت عن سيطرتها. وفي هذا الصدد، يكشف الوزير الأول عبد المالك سلال أن حجم السيولة النقدية المتداولة في القنوات غير الرسمية خارج البنوك تقدر بـ3700 مليار دينار ( ما يناهز 3.8 مليار دولار)، بينما تقدر الأموال المتداولة ضمن الأطر الرسمية بـ2324 مليار دينار فقط (2.4 مليار دولار).

أما تقديرات غير رسمية أخرى فتؤكد ان نسبة الكتلة النقدية المتداولة في السوق الموازية للعملة الصعبة في الجزائر،تتراوح ما بين 30 و40% من قيمة فاتورة الاستيراد، أي ما يوازي 20 مليار دولار.

وليس المواطنون أو السياح فحسب من يعانون من المشكلة فأصحاب شركات الاستيراد، التي يقدر عددها بأكثر من 20 ألف شركة، تواجه هي الأخرى صعوبات عدة في صرف العملة الأجنبية لتحويلها لمورديهم في الخارج وتسديد مستحقات مشترياتهم، في وقت يواجهون عراقيل لتموين احتياجاتهم من البنوك، ما يضطرهم إلى شراء مبالغ معتبرة يقدرها بعض الخبراء بنحو 4 مليارات دولار من السوق السوداء، بشكل مخالف للقانون، وهو ما قد يعرضهم لعقوبات وغرامات مالية.

معاناة عمرها ربع قرن  

وينتقد مسئولون سابقون في الحكومة بشدة تعاطي أجهزة الدولة مع إشكالية توفير العملة الصعبة ، فقد أوضح وزير التجارة السابق نور الدين بوكروح، خلال منتصف التسعينيات عن قضية إغلاق سوق بور سعيد، قائلا ” الحكومة لا تزال تتعامل بمنطق النظام الاشتراكي المتهالك”

ليعود الوزير إلى الخلف ويؤكد حاجة الجزائريين إلى مثل هذه الأسواق، وتحديدا لعام 1990 أين قامت الجزائر بإصدار قرار بإنشاء مكاتب لصرف العملة الصعبة.

ويطالب الأمين العام للإتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين الحاج الطاهر بولنوار، الحكومة بفتح مكاتب صرف رسمية التي يسمح لها القانون بامتصاص نشاط ممتهني صرف العملات على مستوى ساحة بور سعيد ، ليقترح في المقابل الرفع من نسبة الربح من 1 بالمائة المعمول بها حاليا إلى 3 بالمائة لتشجيع المتعاملين التجاريين الانخراط في هذا المجال الشرعي.

أما الخبير الاقتصادي عبد الرحمان مبتول فيرجع أسباب انتعاش الظاهرة وإخفاق السلطات في القضاء على الظاهرة إلى غياب إطار منظم وفعال لتحويل الأموال ، إذ بسببه تتكبد الجزائر خسارة سنوية تتجاوز ملياري اورو سنويا عائدات تحويلات أقارب ورعايا المهاجرين المتواجدين خارج البلاد أين يلجؤون إلى السوق السوداء لصرف العملة الأجنبية.

وبين مبتول أن الجزائريين وجل الأجانب يرفضون خسارة الفرق المسجل بين سوق الصرف بالسكوار والبنوك الذي يقدر بنحو 50 بالمائة.

وصنف المعهد العالمي للعلاقات الفرنسية الجزائر من بين البلدان الأكثر رواجا فيها الأسواق الموازية للعملة الصعبة ما يؤثر على السير الجيد للصرف من جهة والاقتصاد الوطني من جهة أخرى.

ويرى الخبير الاقتصادي ما وقع مؤخرا من مداهمة للسوق له علاقة بالأوضاع السياسية والاجتماعية التي تعيشها الجزائر، في إشارة إلى أن القرار جاء من السلطة العليا وليس مجرد مداهمة من طرف مصالح الأمن، كما يحذر من استمرار البيرقراطية التي تعرفها البنوك ونقص المصارف العمومية وراء الانتشار الكبير للسوق الموازية للعملات.

من جانبه الخبير المالي فارس مسدور يضيف عن سابقه بالإشارة إلى تحول بورصة السكوار كما يلقبها مراقبون إلى احد أسباب ضياع العملة الجزائرية التي تستثمر فيها المافيا.

كما استغرب من قبول الحكومة استمرار سوق موازٍ  غير شرعي تسيره مافيا العملات داعيا إلى ضرورة تصدي الدولة للإرهاب ومافيا المال. منوها بتجارب بعض الدول التي تسير على هذا المنوال مثل جيبوتي والسعودية والإمارات.

 

 تحقيق: لؤي ي

 

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق