B الواجهةتحقيقاتحواراتملفات

الحلقة الثالثة : يوم السبت عطلة طقوسها غريبة ومضنية

يهود تونس

تنويه: هؤلاء ليسوا صهاينة، إنهم يهود عرب

“التحرير” في قلب معاقل اليهود بجربة

هناك يهود غير صهاينة يتعاطفون كثيرا مع القضية الفلسطينية

– نحن لسنا مذنبين عندما ولدنا ووجدنا أنفسنا يهودا ، كما أننا لسنا أصحاب فضل لأننا ولدنا كذلك،والأمر نفسه ينطبق على المسلمين وعلى غيرهم

يهود تونسلم يبق منهم سوى 1200 شخص فقط ، بعد أن كانوا سنة 1956م حوالى 57792 مواطنا 

 

لازلنا نتجول راجلين بين الحي الكبير ليهود جربة ، وفي كل مرة نلتقي فيها يهودا يشعرون بأننا غرباء ، أعداد قليلة فقط تتجول في الحي ربما بسبب العطلة الأسبوعية أو لأن الوقت كان بين فترة القيلولة وفترة “العشية” . الكثير من السيدات اليهوديات يجلسن أمام أبواب منازلهن يتفرجن على المارة..

ملف من اعداد/ وردة بية/ تصوير عبد القادر.ب

يهود تونس يتقنون الحديث في السياسة ويتجنبونه!

اقتربنا من احدى اليهوديات ، عرفناها بأنفسنا ، فشعرت بنوع من الطمأنينة ، وقالت لنا بأنه ليست لديها أية مشكلة في الحديث مع الصحافة بشرط أن تنقل عنهم بصدق دون تدليس،وكانت تبدو واعية بما يحدث في دواليب السياسة ، فأخذت تحدثنا عن أسباب الخلاف الديني بين الشعوب، وخصوصا بين العرب واليهود وقالت لنا بأن90%من أصل الخلاف هو سياسي وليس دينيا ، وكانت تحاول ببساطتها أن تشخص أزمة تاريخية بين المسلمين واليهود، قالت بأن الأجيال الحالية لاناقة لهم فيها ولاجمل ، مضيفة: نحن لسنا مذنبين عندما ولدنا ووجدنا أنفسنا يهودا ، كما أننا لسنا أصحاب فضل لأننا ولدنا كذلك،والأمر نفسه ينطبق على المسلمين وعلى غيرهم .. وأكثر ما يجمع البشرهوالأخوة الإنسانية ،أما الخصوصيات التي تفرق البشر فيا حبذا لو يتجنبوا الخوض فيها ، لأن الجدال فيها غير مجدي، وما يجمعنا ببقية التونسيين هي تونس.

شعرنا بأن محدثتناتفهم في السياسة فاغتنمنا فرصة الحديث عن موقف يهود تونسعمومامن اسرائيل وسألناها : ماذا عن الخلاف حول مفهوم دولة اسرائيل وفلسطين؟ فقالت : ثمة بيت القصيد.

فقلتلها : بحكم وجودكم في دولة عربية ، ربما تدركون أكثر من غيركم قدسية فلسطين بالنسبة للمسلمين والعرب،  فكيف ترونها أنتم ؟ .فأجابت : من وجهة نظري أنكم أنتم تنظرون اليها من جانب واحد وهذا حقكم ، ولكننا نحن أيضا نراها أرضا مقدسة للجميع ، لليهود والمسيحيين والمسلمين. فقاطعتها متسائلة: ونحن نؤيدك في هذا الاعتقاد ، ولكن كيف ترون أنتم كيهود عرب القضية الفلسطينية ، هل تتعاطفون مع الفلسطينيين أم الاسرائيليين ، خصوصا أن هناك بعض اليهود غير صهاينة يتعاطفون كثيرا مع القضية الفلسطينية ويعتبرون أن اسرائيل اغتصبت واحتلت أرض فلسطين من منطلق صهيوني مادي؟. فأجابت : نحن نرى أن الحل يكمن في تقسيم القدس الى جزأين: جزء يشمل الهيكل لليهود والجزء الآخر به المسجد الأقصى للمسلمين.فابتسمتفي وجهها وقلتمازحة: التركة قسمت بين المسلمين واليهود فأين هو نصيب المسيحيين؟. فضحكت ولم تجب..

وبينما نحن نطوف في أزقة الحارة الكبيرة بقيت معنا محدثتنا التي تسمى (مريم)تطوف معنا وتحدثنا عن تفاصيل معيشتهم في جربة، فقالت لنا بأنها تصنع التوابل و”الهريسة العربي” وتبيعها، لليهود وغير اليهود ، ويأتيها المشترون من خارج جربة لأنهابحسب قولها تصنع هريسة وتوابل من أجود الأنواع في تونس.

أكملنا المسير بالأزقة رفقة مريم وصادفتنا هناك امرأة ستينية لا تختلف في شكلها ولباسها ولونها عن عجائز المغرب العربي، فحاولت أن تتعرف علينا ، ومن أي وجهة جئنا ، أبلغتها السيدة مريم باللهجة التونسية باننا صحفيين من الجزائر فقالت لنا معاتبة :لماذا جئتمونا يوم السباب(وتقصد يوم السبت) فهو يوم عطلة مقدسة عند اليهود؟. وسألتنا ان كنا سنبقى أياما في جربة ، لأن يوم السبت يمنع فيه كل شئ.وقبل أن نترك السيدتين ،طلبتا منا – وبالإلحاح- أن نعاود الزيارة في الغد،. ولكننا اعتذرنا بسبب ضيق الوقت.. تركناهما وفي أنفسنا انطباع أن اليهود التوانسةيتكلمون باللهجة التونسية حتى فيما بينهم ، يتعاملون بلطف مع الجزائريينتماما مثل بقية التوانسة…

يوم السبت ، اليهود في عطلة طقوسها غريبة ومضنية

اغتنمنا الفرصة لنسأل بعض اليهود هناك عن طقوس السبات (السبت) بالنسبة لهم:فقالوا لنا بأنه يوم مميز عند اليهود ، تبتدئ طقوسه مع غروب الشمس من يوم الجمعة ويستمر إلى غاية غروب الشمس من يوم السبت،.. وأضافوا : نحن اليهود ملتزمون دينيا بإتباع طقوس عقيدتنا التي تحتم علينا عدم استخدام الوسائل الحديثة كالإنارة ، وعدم إشعال النار للطبخ أو ماشابه ، فنحن نأكل خلال هذه الفترة الطعام(البايت) المعد سابقا ، أي قبل موعد الالتزام بالطقوس،كما أننا لا نرد على الهاتف الثابت أو النقال ولا نقوم بالتصوير ولا نقوم بالتسجيل،أو ركوب السيارة ، والرجال عندنا لايذهبون الى عملهم لأنه محرم علينا في هذا اليوم التصرف في المال ، سواء بجلبه أو صرفه .. وأضافوا:وحتى وإن صادف يوم السبت ومرض أحدنا وأخذناه للطبيب فلا يمكننا أن نركب سيارة ، أوندفع للطبيب أجرة الوصفة ، إلا في اليوم الموالي ،لأنه محرم عندنا أن نتصرف في المال ان كانللبيع وللشراء يوم السبت.

أكملنا الحديث عن السبت وطقوسه العجيبة الغريبة، وسألناهم عن اللغة التي يتحدثون بها فيما بينهم؟ فأكدوا لنا بأنهم لا يتحدثون اللغة العبرية فيما بينهم الا نادرا، وفي خلواتهم مع بعضهم ، واللغة السائدة هي اللهجة التونسية السلسة ، ولا يستخدمون اللغة العبرية إلا في مدارسهم الدينية وأثناء الصلاة ،لأن عقيدتهم تملي عليهم تعليم العبرية وتعاليم التلموذ، بدء من سن الطفولة، مثلما هو الحال عندكم – مضيفة-  أين يتعلم أبناؤكم القرآن والتعاليم الإسلامية في المرحلة التي تسبق الدراسة.

توقفنا في أحد الأزقة التي وجدنا بها بنات صغيرات يهوديات لم يتجاوز سنهن مرحلة البلوغ ، يلعبن في حيهن،رأونا فجئننا مسرعات ينظرن إلينا بغرابة ، وعرفن بأننا لسنا من حيهن.فسألتني أحداهن باللهجة التونسية :شكون أنت؟ فقلت لها:أنا صحفية وسائحة جزائرية.  فقالت لي: مزوزة؟ أي (هل أنت متزوجة) ؟ فقلت لها:نعم متزوجة ولي بنت في مثل سنك.فقالت:وعلاش ما جبتيهاش معاك؟فقلت لها:في المرة القادمة نجيبها تلعب معاك.فتبسمت رفقة زميلاتها وبقيت تنظر إلينا ،وطلبنا من مصور التحرير أن يأخذ لهن صورة جماعية.

اليهود التوانسة يتكلمون بلكنة “نطق حرف الثاء سين.والجيم زاي”

عندما كنا نتحدث مع اليهود ونحاورهم وجدنا بعض الاختلاف في لهجتهم مع بقية التوانسة الآخرين ، فهم يتكلمون تونسية مختلفة اختلافا طفيفا ، ويستطيع السامع أن يميز هم من خلال اللكنة التي ينطقون فيها حرف الثاء سينا وحرف الجيم زايا

فيقولون مثلا سلاسة بدلا من ثلاثة وسابت بدلا من ثابت، ويقولون زميع بدلا من جميع  وزميلة بدلا من جميلة.

 

يهود تونس يشعرون بالغربةفي بلادهم

حدثنا بعض الشباب هناك على أنهم يواجهون  بحسب الاحصائيات اليوم خطر الانقراض، ولم يبق منهم سوى 1200 شخص فقط. بعد أن كانوا سنة 1956م حوالي 57792 مواطنا  أي بنسبة ( 1.5% من سكان تونس ) ويعود أول سبب مغادرة اليهود للهجرة إلى إسرائيل حرب 1967 التي كانت أول شرارة سببت لهم نوعا منالكراهية في تونس والعالم العربي عموما.

ومع اندلاع الثورة التي أطاحت بالرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي ، بزغت في الافق دلالات لا تبعث على التفاؤل -بحسب محدثنا- بعد أن نظم اسلاميون متشددون أكثر من مرة مظاهرات مرددين خلالها “الموت لليهود”. وأثارت هذه الحادثةالقلق لديهم. وقال لنا محدثنا أن أعيان اليهود هناكبدأوا يتوجسون من الحديث عن الجالية اليهودية في جربة.وعندما سألناه ان كانوا يقصدون ذلك  منذ بداية الثورة، فقال لنا  أن المقصود بذلك قبل الثورة بكثير.وأضاف لنا شباب آخرونالتقيناهم هناك ووجدنا سهولة كبيرة في محاورتهم دون عقدة : سئمنا من الأسئلة التي توحي بأننا أقلية في بلادنا تونس، من مثل:”هل تستطيع أن تسير بالكابا (طاقية اليهود الدينية) في جربة؟ “وهل أنت يهودي تونسي؟..وهل أنت يهودي عربي؟” و… وأضافوا نحن نشعر بالانزعاج منمصطلح “الأقلية” و “الطائفة” . لأننا مواطنون توانسة مزروعون هنا منذ قرونمثل هذا النخيل – وأشار الى نخيل بأحد المساكن – وهذا هو بلدنا وليس لدينا بلد آخر..

 

يتبع

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق