ثقافة و أدب

خطر العولمة و حملات التجنيس على “اللغة العربية”

مدارس كرّست حياتها في الدفاع عن لغة “الضــــاد
خطر العولمة و حملات التجنيس على “اللغة العربية”  
(نيكولا ساركوزي” خاطب “الشعب الجزائري” في بلده بالفرنسية)

 

 العربية

 

 
عرفت اللغة العربية تفوقا كبيرا في القرن السادس للميلاد حتى أن الناطقين بالآرامية سابقا تبنوها في كلامهم، و قد كانت العربية منذ القرن الثامن الميلادي لغة الدين الإسلامي و الحكم السياسي و فرضت وجودها و استخدمت لنشر العلوم و الحضارة الإسلامية بمختلف مظاهرها. و هي الفترة التي اتجهت فيها العلوم إلى التجريب، فمن العار إذن  على الحاكم العربي ، أو المفكر، أو السياسي و المثقف  ذي النزعة العروبيّــة ” أن يستهين بلغة “الضاد” و يفضل عنها لغة الآخر ، بحجة أنه درس بالفرنسية و لا يتقن العربية، و يمكن أن نقف على هذه الظاهرة في المجالس المنتخبة في الجزائر، إذا قلنا أن اللغة العربية تلعب دورا كبيرا في ربط التواصل بين الأفراد داخل البلد الواحد

 

يؤكد الباحثون في اللغة العربية أن التعريب قديم جديد، قديم قدم بروز العرب على الساحة العالمية و احتكاكهم بمختلف الحضارات القائمة آنذاك، و جديد جدة نهضة العرب حديثا بعد سبات طال عمره بفعل ظروف القهر و الطغيان الغاشمة، أما اليوم فنجده متعدد الجوانب لانعكاس أدوار و تحول العرب من صانع لحضارة إلى مستهلكين لها و يتطلع في نفس الوقت إلى الإسهام فيها و ذلك بسعيه لاستعادة الهوية العربية، التي عمل الاستعمار على سلبها بشكل مباشر، و تطلعه إلى القضاء على التخلف بكل مظاهره و مجاليه، و تقول الدراسات اللغوية أن ابن الهيثم سبق بيكون في هذا الباب، و لكونها لغة “القرآن” انكب المترجمون من السريان خاصة على البحث و التنقيب لإيجاد المقابلات العربية للمصطلحات الأعجمية و الطموح إلى المشاركة بقسط وافر في النهوض بالثقافة العربية و اقتحام البعد الحضاري الكامن فيها .

وتقول الأبحاث أن الاستعراب في جهات معينة لم يبسط عليها العرب سلطانهم السياسي، و مهما يكن فإن انتشار الثقافة العربية الإسلامية و تعمقها في المجتمعات العربية يقتضي لسانا عربيا قابلا للفهم و التفهيم و التفهم خطابا و كتابة، غير أنه في الواقع المعاش نجد العامية طغت على المسرح التربوي حتى في الجامعات، بحيث نجد الدروس تقدم بالعامية بحجة إيصال الفكرة إلى الطالب المبتدئ، ومن هذا المنطلق جاءت الإطاحة بلغة “الضاد”، و حلت مكانها “الفرنسية” و أن المثقفين بالثقافة الغربية أكثر من المعربين مما جعل استحالة التدريس باللغة العربية و كانوا سببا في جمودها و هو ما أكده الدكتور محمد المنجي الصيادي، الهدف هو إقصاء لغة “الضاد” من الحياة اليومية و تغليب الفكر التغريبي على الفكر العربي و إجهاض هذا الأخير و حصر اللغة العربية في الطقوس الدينية فقط، ماعدا ذلك فهي غير قادرة حسب التغريبيين على أداء دورها الحضاري، و نسيت هذه الفئة أو تناست أن اللغة العربية كانت بأبعادها الحضارية موجودة منذ القدم، و بها تمكن العرب من كسر طوق التخلف و التحرر من أنواع التبعيات الثقافية و الاقتصادية، و خلق شخصية إبداعية لها القدرة على المشاركة و التفاعل، و لها القدرة كذلك على الانسجام مع الحضارة العالمية..

 

نيكولا ساركوزي” خاطب “الشعب الجزائري” في بلده بالفرنسية

 

لقد عرّف اللغويون “التعريب” بأنه ليس مجرد جهد لغوي من أجل تطوير اللغة العربية فحسب، بل هو أيضا جهد حضاري، كما اعتبر اللغويون اللغة العربية وسيلة جوهرية للحفاظ على الأصالة العربية، و التحرر من الفكر الاستعماري في كل مجالاته السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية و الثقافية، الذي سعى بكل وسائله لفرنسة ما لا يُفَرْنَسُ ، فشوّه كل ما هو صافٍ و نقيٍّ في هياكل المجتمع العربي الثقافية ، و ما إحياء مهرجان ” الجاز” في مدينة إسلامية مثل قسنطينة (شرق الجزائر)، و رصْد له ميزانية ضخمة باسم “الحداثة”، إلا دليلا على التفسخ الثقافي و الإساءة إلى الهوية العربية و المساس كذلك بالذات العربية و التعدي على السيادة الوطنية ، و ربما المسؤولية تقع على “النخبة” بالدرجة الأولى من مثقفين و علماء، الذين لزموا الصمت و لم يحركوا ساكنا، إذا قلنا أن هناك عواملَ عديدة تدخلت في تهميش لغة الضاد، لاسيما الجانب السياسي منها، و أجبرت المعنيين و المسؤولين في دولة ما على مخاطبة شعبهم بلغة ” الآخر” بما فيهم الحكام ، و ذلك بحجة الانخراط في المجتمع العولماتي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية دون التفطن لخطر”العولمة” التي تسعى إلى القضاء على الهوية العربية الإسلامية، و القضاء على الإسلام نهائيا، وكثير من أساؤوا إلى العربية و ضربوها في عقر دارها، و نستذكر هنا الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عندما حل بمدينة ابن باديس في ديسمبر 2005 ، و من منبر قاعة محمد الصديق بن يحي جامعة منتوري قسنطينة، خاطب “ساركوزي” المثقفين و الطلبة الجزائريين بلغته الأمّ ، “الفرنسية” و رفض حتى “الاعتذار” عن جرائم بلده في حق الشعب الجزائري، و هي قمة “الإهانة” ، أراد من خلالها “ساركوزي” أن يؤكد للشعب الجزائري و للشعوب العربية جمعاء، نقاوة الدم اليهودي على الدم العربي، و هو الذي أكد بأن فرنسا صديقة إسرائيل و لن تتخلى عن دعمها  و التعاون معها.

إنه من العار إذن على الحاكم العربي ، أو المفكر، أو السياسي العربي ” عروبيّ ” النزعة أن يستهين بلغة الضاد و يفضل عنها لغة الآخر (الفرنسية) بحجة أنه درس بالفرنسية و لا يتقن العربية، و يمكن أن نقف على هذه الظاهرة في المجالس المنتخبة في الجزائر، منتخبون يقدمون ملفات التنمية بالفرنسية رغم أن القانون الأساسي و النظام الداخلي لهذه المجالس يفرض على المنتخب أن يقدم ملفه باللغة العربية، فهل آن الأوان لوضع حد لمثل هذه الظواهر في مجالسنا المنتخبة ، و ربما الأمر لا يتعلق بالمجالس المنتخبة أو الإدارات فقط بل الخطر يكمن في خطر هذه الألسنة المفرنسة على أبنائها في تعاملها معهم في البيت و تربيتهم، وهل تعلمهم القرآن و الحديث و تعاليم الدين الإسلامي بلغة “الآخر”؟ أم أنها ستحتاج إلى مترجم خاص، و نشير هنا إلى ” غلوّ ” بعض العائلات المعربة، في التخاطب مع أبنائها باللغة “الفصحى” ، لأن هذا النوع من الخطاب يأتي تدريجيا حسب سنّ الطفل، بعض الأسر ما تزال لا تملك الأدوات النحوية في التخاطب مع طفلها في البيت، و هي بذلك تعمل على تكسير هذه اللغة و تعمل على تشويهها و تخلق لدى الطفل “عقدة” من تعلم اللغة العربية بقواعدها الصحيحة، و يمكننا الوقوف على الأخطاء النحوية التي ترتكبها العديد من الأمهات اللاتي ينجزن واجبات أبنائهن المنزلية ..

 

مدارس كرست حياتها في الدفاع عن لغة “الضــــاد

كثيرة هي المدارس التي كرست جهودها في الدفاع على اللغة العربية و منها المدرسة الزيتونية و منهم خير الدين بن مصطفى ، و المدرسة الباديسة تحت ظل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقيادة العلامة عبد الحميد ابن باديس و الشيخ البشير الإبراهيمي، و تقوم المدرسة الخلدونية حسب الباحثين على اعتبار اللغة العربية اللغة الأساسية، على أن تكون اللغة الفرنسية أو غيرها من اللغات لغة ثانوية، و كانت المدرسة الخلدونية تؤكد على الأصالة العربية الإسلامية للمجتمع العربي في نطاق الجامعة الإسلامية، و يرجع اهتمام ابن خلدون باللغة العربية إلى الدور الذي لعبته هذه ألأخيرة في حركات التحرر في المغرب العربي و في الوطن العربي، و ما حملات التجنيس التي كان يقودها المستعمر في أوائل الثلاثينيات، ما هي إلا وسيلة من الوسائل في نشر “التغريب” (فرنسا مثلا) التي جعلت من اللغة إحدى وسائل الاستلاب، فكانت المؤامرة على الشخصية العربية الإسلامية من اجل القضاء على اللسان العربي، إلا أن جهود الحركات التحررية التي بدأت على يد الأمير عبد القادر في الجزائر، و عمر بن عثمان في تونس، و عبد الكريم الخطاب في المغرب و كذا الحركات الوطنية الأخرى، التي كان يقودها ثلة من “العروبيين” و “الناصريين” و محاربة الاستعمار الإنجليزي في مصر و استطاعت هذه الحركات من التغلب على المستعمر و فرض لسانها العربي في المحافل الدولية..

 

دور اللغة العربية في ربط “التواصل” بين المشرق و المغرب

يكاد أن يكون التواصل من بين أزمات العصر بعد أن كسرت أدوات العولمة كل المفاهيم و المعايير، و لم تعد هذه المفاهيم و المعايير منسجمة مع طبيعة الإنسان و طموحه و حاجته،فالإنسان منذ وجد بدا يدرك ما حوله ووجد نفسه مشدودا إلى “الآخر” و إلى الكشف و المعرفة ميال إلى التواصل و الانفتاح على ثقافات العالم المختلفة، لكن الانقطاع جعل الأفراد مجرد ” جزر” متنافرة نتيجة عوامل يصعب التركيز عنهاـ عوامل أربكتها الديمقراطية فكان عنصر التواصل فيما بينهم مجرد شعارات مزيفة، فما تزال إشكالية التواصل بين المشرق و المغرب مطروحة منذ القديم رغم غياب وسائل الاتصالات، بحيث لم تكن بالقدر الذي أصبحت عليه اليوم من السرعة و الفعالية، و مع ذلك كان الناس ينتقلون بحرية أكبر و كانت المعلومات تنتقل بسرعة فائقة، فابن بطوطة لم يكن في حاجة إلى جواز سفر و لم تعترضه الحدود و العوائق، و هذا ما يجعلنا نسلط الضوء على أزمة التواصل؟ هل هي أزمة لغة أم أزمة ديمقراطية؟ و ما الفرق بين الاتصال و التواصل؟..

والاتصال في رأي أهل الاختصاص  يعني توجيه رسالة من طرفٍ لآخر دون تلقى أي ردّ عليها ، و التواصل يدون بالردّ على الطرف الآخر في جميع حالاته ألإيجابية و السلبية، فالتواصل عندهم مأخوذ من الصلة، و هذه الأخيرة تتدخل فيها عوامل كثيرة قد تكون لغوية، سياسية، و غيرها، و التواصل عندهم له أنواع عديدة يتمثل في العقيدة، و الفن عموما و العادات و التقاليد و “اللغة”، و هي أمور تتواصل فيها في كل أقطار المشرق العربي و المغرب العربي على حد سواء، و من هنا يدخل دور اللغة العربية في مدّ جسور التواصل بينهما، فسكان المغرب العربي حسب الكتابات التاريخية كانوا بعيدين كل البعد عن معالم العروبة و الإسلام، فسكان الشمال الإفريقي كان معظمهم “بربرًا” و عندما امتدت الفتوحات الإسلامية وجد الفاتحون بعض العناء في بادئ الأمر، بحيث وجدوا مقاومة و عدم تقبل الأمر، و السبب في ذلك يعود إلى نزعة نفسية متمرّدة و لا تقبل بأيّ زائر وافدٍ ، فظروف الحياة و التاريخ جعلتهم متمردين، لكن سرعان ما بدأ هؤلاء يدخلون في الدّين مع الفاتحين لعدة اعتبارات و هي سرعة إدراك البربر للإسلام من جانب العدل و المساواة و التسامح، و هذه ميزة كان يمتاز بها البربر في جواب موسى ابن نصير إلى سلمان بن مالك بأن” البربر” كانوا يمتازون بالعدل و السماحة و كذا الفروسية و التوق إلى الحرية و غيرها من الخصال التي يفتقدها العربيّ.

علجية عيش

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق