B الواجهة

الحاجة أم الاتفاق بين أوروبا والجزائر لإعادة بعثه أوراق سياسية ..في طريق مغامرة “ديزارتيك” بالجنوب

الطاقة الشمسية

-أدرار وتمنراست تستقبل أشعة الشمس بما يعادل 3000 ساعة سنويا-

خبير طاقوي لـ”التحرير”: يمكن الاعتماد على الطاقة الشمسية للتقليل من استهلاك الغاز بأربعة أضعاف

محاولة إعادة بعث مشروع تصدير الكهرباء من الصحراء الكبرى إلى أوروبا للمرة الثانية، التي كانت الجزائر “حجر الزاوية” فيه، لم يكن محض صدفة اقتصادية ، بل دفعته ظروف الضائقة المالية في الضفتين من المتوسط إلى البحث عن قشة نجاة معلقة بخيوط “ديزارتيك”. 

وعلى وقْع أزمة مالية تتربص بالحكومة الجزائرية المعتمدة في ضبط موازنتها الداخلية على مداخيل المحروقات، تتحرك في اتجاه البحث عن موارد طاقوية أخرى غير مستغلة استغلالا جيدا رغم التخلي عن الفكرة قبل سنوات ، إلا أن إعادة بعثها “وهي رميم” أضحت حتمية في سياق تحذيرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من اللجوء إلى صندوق ضبط الإيرادات اعتبارا من 2016 في حالة استمرار تهاوي أسعار النفط، فالوزير الأول عبد المالك سلال تحدث مؤخرا مع نظيره البرتغالي في زيارة قادته إلى الجزائر شهر مارس الماضي، حول خطة لبعث مشروع  ديزرتيك ، القاضي بتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح ونقلها إلى أوروبا باعتبار الجزائر حلقة مهمة في المشروع، بالنظر لقدراتها وتجربتها في مجال الطاقات المتجددة، وتسجيل عدد من المناطق، على غرار أدرار وتمنراست وأقصى الجنوب الجزائري بنسبة استقبال أشعة الشمس، بما يعادل 3000 ساعة سنويا.

إشكاليات التمويل  

وتعد الصحراء الجزائرية أحد موارد الطاقات البديلة التي يحملها أول مشروع أوروبي سيتم تنفيذ جزء كبير منه في الجزائر بهدف تصدير الكهرباء الشمسية من الجزائر إلى أوروبا بمعدل 22000 ميغاواط بحلول العام 2030.

لكن العودة إلى تصدر المشروع الضخم أولويات الحكومة وعواصم أوروبية صرفت النظر عنه أواخر 2012 أعاد طرح عدة إشكاليات لتجسيده على ارض الواقع، تتعلق بكيفية التمويل أو شروط إقامة المحطات في بلدان الجنوب، الذي كان مدفوعا في الغالب بظروف عالمية غير مستقرة على الصعيد الجيو سياسي واقتصادي.

ويبدو أن تيار أزمة الطاقة وهي عصب صناعة القرار عصف بترتيبات حكومات أوروبية استغنت عن ديزراتيك لوهلة قبل اندلاع المشكلة الأوكرانية وتلويح موسكو بقطع إمداداتها من الغاز عليها ، بينما كان بالنسبة للجزائر التي وقعت في كمين الاعتماد شبه الكلي على مداخيل المحروقات، قارب نجاة قد يخلصها من شبح تكرار سيناريو إفلاس الدولة عام 88 من القرن الماضي عن طريق عائدات استغلال أراضيها.

وفي رأي الرئيس السابق لفرع الاستشراف والإستراتيجية في وزارة الطاقة مصطفى بن خمو لـ”التحرير” فإن الجزائر “تمتلك اكبر طاقة شمسية في العالم يجب استغلالها بشكل جيد، إذ يمكن أن

نترك الغاز للاستهلاك اليومي والتصدير ” وهذا ما يفسر “الإلحاح” الأوروبي على بعث المشروع الطاقوي بعد تجدد التهديدات الروسية، إلى جانب تزايد الاستهلاك العالمي من النفط حيث أن ثلث النفط في الدول يستعمل في المواصلات.

لكن عوائق جمة خطرت على بال المتتبعين للملف، يتصدرها تمويل المشروع الذي يكلف غلافا استثماريا بقيمة 400 مليار يورو في ظل عدم تعافى كل أوروبا من الأزمة المالية، أين تسعى بعض الدول المتحمسة إلى إقناع شركات أخرى، كانت من بعد أهم الممولين منها شركة “سييمنز” التي انسحبت عام 2012 من المشروع بعد فترة من تأسيس “كونسورتيوم”، يتألف من 12 بنكا وشركة ألمانية توسعت إلى شركات أخرى منها شركة “سيفيتال” الجزائرية الخاصة.

ويقوم ديزارتيك على تصدير الطاقة الكهربائية إلى القارة العجوز على مبدأ أن كلم مربع يستقبل من الطاقة الشمسية سنويا ما يعادل 5ر1 مليون برميل من البترول، أما على المستوى العالمي، سيعمل المشروع على تزويد كل بلدان العالم بالطاقة النظيفة وغير قابلة للنفاد، انطلاقا من المحطات الحرارية.

ومن ضمن الدول المتحمسة له ألمانيا التي قامت بإيفاد عدة وزراء إلى الجزائر أثمرت عقد شراكة لتبادل أكبر في سياسة الطاقة، ولتعاون أقوى في قطاع الطاقات المتجددة.

ويهدف مشروع “ديزرتيك” إلى بناء شبكة ضخمة لمحطات توليد الطاقة الشمسية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، لتزويد أوروبا بنحو 20 بالمائة من احتياجاتها من الكهرباء، ويتم نقل الكهرباء إلى أوروبا، عبر شبكات كهرباء الضغط العالي العادية.

وتعد المحطة الواحدة من أكبر مصادر إنتاج الطاقة الشمسية في العالم. إذ أنها ستنتج وتصدر أكثر من 3000 ساعة سنويا، وهذا السخان الشمسي يستعمل الطاقة البديلة إذ يوفر الماء الساخن عن طريق الطاقة الشمسية، دونما حاجة إلى الغاز الطبيعي في حين سرعة توليده الحرارة هي خمسة أضعاف السخان العادي.

ورقة سياسية

ويحتاج الأمر إلى تكنولوجيا عالية الدقة لا تتوفر عليها الجزائر، وكانت “نقطة خلاف” في وقت مضى، وفي هذا الإطار يطالب الخبير في مجال الطاقة بن خمو بلاده بضرورة التحكم في التكنولجيا حتى لا تستخدم كورقة سياسية في ألقضية، نظرا لامتلاك الجزائر إمكانيات كبيرة لكن بتكنولوجيا أقل.

وربما هذا الشرط الأساسي استبقه وزير الطاقة الألماني بتطمينات إلى الجزائر، بإمكانية تصدير الخبرات الألمانية في هذا المجال، خاصة في تطبيق تحول استخدام الطاقة وخبرة الشركات الألمانية، مشيرا إلى أن تلك الشراكة تقدم للبلدين فرصة لتوفير الطاقة بصفة مستدامة.

فقد اشترطت الجزائر فعليا نقل التكنولوجيا، وتصنيع كل تجهيزات المشروع والمحطات الشمسية وكل ما يتعلق بتفاصيل هذا المشروع الأضخم في تاريخ البشرية في الجزائر، لاسيما وان البلاد تراهن على خفض تكلفة إنتاج الطاقات المتجددة، من خلال تصنيع ألواح الطاقة الشمسية والأجهزة المستخدمة محليا في إطار تجسيد برنامجها الجديد لتطوير هذه الطاقات.

و تحاول الحكومة الاستفادة من تلك التكنولوجيات لتطوير برنامج الطاقات المتجددة المرتكز أساسا على الطاقة الشمسية، الهادف إلى إنتاج 22 ألف ميغاواط في آفاق 2030 ما سيتيح رفع حصة الكهرباء المولدة، من مصادر متجددة بكل أنواعها إلى قرابة 30 في المائة من الإنتاج الوطني من الكهرباء.

ولم يعد تصدير الكهرباء من الصحراء إلى أوروبا يشكل رؤية بعيدة المنال، لأن التكنولوجيات المطلوبة له موجودة فعليا بحسب رأي خبراء ألمان في الطاقة، بل أن التحدي فعليا لا يكمن في التقنية المطلوبة لتنفيذ مشروع “ديزرتيك” ولا في ضخامته، بل في إقناع مسئولي الدول المعنية بالانخراط فيه.

سيناريو الاحتجاج

ومعلوم أن مساعي الجزائر البحث عن اقتصاد بديل خارج المحروقات، يضمن تنويع مصادر الطاقة، و يواجه تحديات لا يستهان  بها من جانب سكان الجنوب والصحراء، فقد اعترضوا طيلة أشهر على مشروع التنقيب على الغاز الصخري الذي يعتبر مضرا بالبيئة ويكلف كميات معتبرة من المياه ، وهو أيضا ما يحذر منه خبراء البيئة بالنسبة لمشروع “ديزارتيك” في إشارتهم إلى الاستهلاك الكبير للمياه في تنظيف المرايا في مناطق يشح فيها الماء، لكن غير ذلك فان الاعتماد على الطاقة الشمسية تسهم في الحفاظ على البيئة على المدى البعيد.

وترشح الجزائر من قبل خبراء الطاقة في العالم للعب دور محوري في معادلة الطاقة بسبب امتلاكها مصادر الطاقة الأحفورية، ومصادر الطاقة المتجددة على السواء، ما يجعلها جزءا من روافد حماية البيئة والمناخ في التوجه نحو الطاقات المتجددة، و اقتصاد لا يعتمد في إنتاجه على الوقود، ما يتيح تنويع مصادر الطاقة والمحافظة على البيئة في الوقت نفسه.

ومخافة اعتراض حماة البيئة على المشروع يروج المدافعون عنه، عن الدافع الكبير القاضي بمواجهة التغير المناخي الناجم عن تراكم انبعاث ثاني أوكسيد الكربون وغيره من غازات التلوث التي تساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري.

فحين الانتهاء منه آفاق 2050 كما كان مبرمجا، سوف يوفر قرابة الـ15 في المئة من إجمالي حاجات أوروبا من الكهرباء، إضافة إلى جزء من حاجات الدول العربية المعنية. إذ أن شركة “سيمنز” تتوقع تزايد استهلاك الطاقة سنويا بمعدل 1.5 في المئة حتى عام 2030، مترافق مع تزايد استهلاك الكهرباء بنسبة 2.4 في المئة. مؤكدة أن العالم يدخل حاضرا عتبة “عهد كهربائي جديد” يتضمن إنتاجا لها من مصادر متجددة ومستدامة، ونقلها عبر شبكات ذكية.

وكان مثل هذا التفكير نتيجة ضغوط المناخ ومشاكل الطاقة الإحفورية التي دفعت البشرية إلى التخطيط إلى نقل الكهرباء إلى أوروبا من الصحراء، وبناء آلاف المراوح الضخمة في بحر الشمال لتوليد الكهرباء وتوزيعها في دول أوروبية وتخزين الفائض منها. ويأمل المتحمسون لإعادة تحريك المشروع المتعثر

في تجاوز أخطار متنوعة ، على غرار العواصف الرملية الشديدة في منطقة الصحراء الكبرى، فيما ابرز التحديات التنسيق بين الشركات المشاركة فيه وبين حكومات دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط إضافة إلى الخلافات العميقة بين عدد من دول المغرب العربي، وكذا الاضطرابات الأمنية والسياسية في دول مجاورة للبلاد مثل ليبيا ومالي اللتين تشتركان حدودا طويلة وصحراء شاسعة تفتقد إلى حراسة أمنية.

لؤي ي

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق