مقالات

فلسطين خارج المكان

الإنتصار  و الهزيمة مُناخ عام، وليستا فردا أو فردين تساجلا فغلب أحدهما الآخر وانتهى الموضوع .

كان غوبلز  و  سعيد الصحاف يكذبان لتأخير الهزيمة بينما كان القومجيون العرب يحلمون بحماس فياض جريا وراء خيط الدخان ا لذي نعرف بدايته و لم نعرف له يوما نهاية و لا مستقرا و  لا مستودعا.

عندما كان عرب الهزيمة يجرون وراء نسخة مكررة عن أحمد سعيد يعيد إليهم أمجاد صوت العرب الصوتية انطلاقا من أمواج الأثير و ليس من أرض المعركة، كنتُ أقتفي أثر فلسطيني واحد يغرد خارج السرب، و يفقأ عين الشمس بالحقيقة و يحدثني بلغة تغنيني عن تخاريف بيوت الطوب و هرطقات مجتمع الطين، فلم أجد إلا صوتا واحدا بدا أول الأمر غريبا آفل النور يقارع وحده جحافل الغباء و الإدعاء و الغرور و البطولات الزائفة الوهمية، ثم بدأ يكبر و  يكبر  حتى زاحم شمس الحقيقة موضعَها و ألغى بالعقل و الحكمة كل عنتريات حق العودة و أرض الميعاد و  أساطير مخيمات اللجوء.

مع إدوارد سعيد تعلمتُ أن فلسطين هي فعلا خارج الزمان والمكان و أن عشاق المساعدات و جبناء قوافل التضامن ا الدولية لا يستحقون الإستقلال، فهم لم ينضجوا بعد و ليسوا مؤهلين لإقامة دولة.

كنتُ أقرؤه قبل كتبه، و اشمئز منه و من تحليله للأمور، التي لا تتماشى و أماني صبي عربي غرّ  أرعن يروم تحرير فلسطين و ينتقد المتقاعسين عن ذلك، و هو ينعم بالماء  و الكلأ و المرعى و  ، كما الأنعام، بعيدا بعيدا عن مناطق الخطر.

عام 1970 عرض إدوارد سعيد،بتفويض من أمريكا، خطة حل الدولتين على أبي عمار فرفضها بشدة لا تخلو من عجرفة كاذبة مدعية،  و في 1993 ذهب إلى أوسلو و مدريد يبوس الأيادي و الأنوف و الرؤوس ليسمحوا له بحق العودة و ليذهب فلسطينيو الشتات إلى الجحيم، و بعد جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل انكشفت الحقيقة و سقطت الأقنعة وتبين للجميع أن الفلسطيني الذي يحارب اليهود ليلا، يقوم باكرا للعمل عند الأشكيناز و السفرديم و الفلاشا، لقاء كمشة من ورق الشيكل الجديد، لأن الذين اعتادوا  وخز ضمير العالم و  إجباره على تقديم الصدقات عاجزون كل العجز عن إقامة دولة بكل متطلباتها و بكل ما فيها من جوهر وشكل ومضمون.

الحقائق تكتب دائما بالأشعة تحت الحمراء، فما لا تراه العين هو الذي أخرج الإنسان من ظلمات العصر الحجري و البرونزي، من الذرة إلى الإلكترون.

لسنا ملائكة حتى نشحت نور الأشعة ما فوق البنفسجية و لكن شياطين الإنس والجن ستسرق الحقائق من تحت ألسنة اللهب الحمراء و ترميها أمامنا فوق الطاولة، و لكننا سنبقى كما عهدتنا الدنيا و عرفتنا التاريخ، قوم أقوال لا أفعال، إلا ما تعلق بنصب الحقيقة على مشانق و أعواد الخيانة.

أتمعن فيما يقوله غيرشن باسكن فأستشعر غصةً تعلو حلقي من هؤلاء الذين يقررون مكان فلسطين و ينقشون على الجدار ملامح زمنها الأغبر، فهل بلغ بنا الهزال إلى حد الجري وراء العودة إلى المفاوضات مقابل إطلاق سراح 123 معتقل زاروا السجن قبل اتفاقيات أوسلو ، و لم يخرجوا منه إلى اليوم ؟!.

عباس، حسب غيرشن، لا يسمح بإطلاق الصواريخ من الضفة و يسارع إلى البحث عن مختطفي الجنود الإسرائيليين ليقتلهم و ما خفي كان أعظم.

مع أوسلو خرجت فلسطين من الزمن العربي و مع عباس ستخرج من المكان و الوجود و الخريطة.

سمير فضل                   

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق