وطني

شوارع جزائرية أسيرة “طيف الكولون”

المواطنون يتمسكون بتداول ألقاب كبار “القتلة” الفرنسيين خلال الثورة  

شوارع جزائرية أسيرة “طيف الكولون

10350518_10154563794883647_5163145882990659349_n

لم يكن من السهل على سيارات الطاكسي بوسط العاصمة الجزائر معرفة موقع مستشفى محمد لمين دباغين بباب الوادي، ففي موقف لسيارات الاجرة اوقفنا إحداها ثم ثانية وثالثة لنبلغ مرادنا في الاخير اين رد (عمار.ن) سائق طاكسي في العقد الخامس “هل تقصد مستشفى مايو؟” لأرد بالإيجاب.

واختيار وجهة مستشفى “مايو” لم يكن بمحض الصدفة في محاولة لمعرفة مدى ترسخ األقاب لمعمرين فرنسيين خلال سنوات احتلالهم البلاد طيلة 132 سنة بالمخيال المجتمعي، ومع ان هنري مايو، كان ضابطا فرنسيا ترك الثكنة والتحق بمقاتلي ثورة الجزائر في جبال عين الدفلى العام 1956 ومعه شاحنة مملوءة بالسلاح إالاّ أن شخصيات ثورية طالبت بتغيير اسم المستشفى الى ” محمد لمين دباغين” وهو ما تم بالفعل.

ثقيلة على اللسان

ولا يحبذ  الكثير من الجزائريين ذكر الأسماء المحلية التي تحملها شوارع و أحياء  العاصمة بل يفضلون تلقيبها بأسماء الفرنسيين ، كأحد الشبان “جمال.ن” وهو تاجر قال لنا انه يعرف عددا من الشوارع بألقاب لشهداء لكن لا يحبذ تداولها لأنها ثقيلة على اللسان ليضرب لنا مثلا بشارع زيغود يوسف وسط العاصمة ومختصره في اعتقاده “شيقي فارا” نسبة الى المناضل الارجنتيني.

كما لا ينحصر الامر على مؤسسة استشفائية واحدة، بل ان مصحة حسين داي بالعاصمة نفيسة حمود حاليا اما سابقا كان يطلق عليها “بارني” لكن هذا اللقب الاخير لا تزال الذاكرة تحتفظ به في الشارع ولدى زواره من المرضى، دون ان يمكن الزمن والتاريخ من طمس اثار “سفاحين” تفننوا يوما ما وعلى مر عقود في تعذيب الجزائريين، ما يوحي بان التنشئة التاريخية الملقاة على عاتق المدرسة والاسرة والسلطات المعنية تتقاعس في اعادة برمجة الاجيال بعد مرور 53 سنة على اسماء لرموز تاريخية وقادة ثوار قادوا ملحمة تخليص البلاد من الاستعمار الفرنسي.

وتعود فكرة تغيير أسماء الشوارع وأزقة العاصمة، للرئيس الراحل محمد بوضياف الذي أقر في بداية عام 1992 تغيير الأسماء المرتبطة بأسماء الجنرالات الفرنسيين ممن مارسوا التعذيب والقتل بحق الشعب الجزائري وقتذاك؛ حيث وقف عند تسميتين لأسماء فرنسية قام على الفور بتقديم طلب لإزالتها وتعويضها باسمين جزائريين خدما الثورة.

ويتساءل طالب جامعي في علم الاجتماع بجامعة الجزائر (حميد.ص) 24 سنة “الا يطلق على حرب التحرير (54-1962) ثورة المليون ونصف المليون شهيد، اذن لا توجد ازمة القاب لثوريين حتى تبقي السلطة شوارع ومؤسسات رسمية على من نكلوا يوما ما بالأبرياء”.

غضب من “الصمت”

وتأججت مؤخرا مشاعر الغضب، عقب تحقيق رسمي كشف وجود 250 شارعا ومؤسسة في مدينة الجزائر العاصمة تحمل أسماء أشخاص أساؤوا للثورة ، بينهم جنرالات الجيش الفرنسي، و طالب من خلاله ناشطون بضرورة إعادة تسمية هذه الشوارع والمؤسسات بأسماء شهداء ومجاهدين بمناسبة ذكرى الاستقلال. اما آخرون فقد دعوا الى ضرورة تكثيف البحث والتحري عن بقية أسماء الشوارع التي تحمل أسماء أعداء الثورة الجزائرية ومن الجنرالات الفرنسيين والخونة والعساكر.

كما يقود فاعلون في حركات حملة من أجل الإبلاغ عن أي شارع أو مؤسسة كانت تحمل أسماء من أساؤوا للجزائر في عهد الاستعمار الفرنسي.

و تؤكد روايات من عايشوا الثورة أن تسمية الشوارع والمؤسسات بأسماء فرنسية انطلقت بمبادرة من السلطات الجزائرية لمكافأة الجنرالات وعمال الإدارة الفرنسية، بذكر أسمائهم على عدد من شوارع الجزائر تكريما لما قدموه للثورة الفرنسية.

ومع ان اللوم تتحمله الجهات الفاعلة غير ان شريحة واسعة من الجزائريين خصوصا من الجيل الاول والثاني من الاستقلال لا تتوانى في ترداد اسماء شوارع واماكن بعينها بالألقاب الموروثة عن الاستعمار، ليبقى توارثها سلسا على  ألسنة الشباب وفي هذا الصدد ، يصر الكثيرون على حي “ميسوني” الذي يطلق على حي من الأحياء العريقة بالعاصمة، وهو أكبر جنرال فرنسي كان يقوم بإعدام المجاهدين وقطع الرؤوس ولشدة مفاخرته بإعدامه لاحد المناضلين الكبار خلال حقبة ثورة التحرير وهو عبد الرحمان طالب اخذ نظارة هذا الشهيد ووضعها بأحد متاحف بفرنسا وما زالت لحد اليوم هناك.

اما حي “لافيجري” التابع للمقاطعة الادارية للحراش بالعاصمة يواصل ترسخه بشكل لا يكاد ينمحي بتاتا، في تسمية اصلها الجنرال الفرنسي “شارل لافيجري” من كبار المبشرين بالجزائر ابان الثورة، و اسس جمعية “الآباء البيض بالجزائر ” من اجل القضاء على الدين الاسلامي في الجزائر من خلال التنصير.

وتحمل النخب المثقفة المجتمع المدني والاعلام مسؤولية “نبذ الشارع لأسماء رموزه التاريخيين” ويوضحون انه ليست الحكومات المتعاقبة المسؤولة وحسب بل المجتمع المدني و الإعلام.

غياب الإرادة

و في سياق فوضى كبيرة في تسمية الشوارع والأحياء والمباني العمومية، خاصة تلك التي تحمل أسماء معمّرين فرنسيين بذات أربع وزارات في إعادة التسمية لتغييرها ومنحها ألقابا أخرى لشهداء ومجاهدين وشخصيات علمية وفنية بارزة، لكن الانتهاء من العملية لن تنتهي قبل منتصف عام 2015 وهو ما يراه مراقبون مستحيلا وغير كاف بسبب ان تعريبها بتغيير اللقب لن يمحى بين ليلة وضحاها.وحسب مختصين في علم الاجتماع فانه حتى وان نزعت لافتات الأسماء الفرنسية فأنها تبقى راسخة وملتصقة في الذاكرة الجمعية خصوصا بالنسبة لكبار السن والسكان الأصليين.و لذلك يقترحون اعادة ترسيخها للأجيال القادمة في كتب التاريخ بداية من المدرسة لما لها من دور استئثنائي في برمجة النشأ.

روبورتاج:  لؤي ي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق