مقالات

الحق الطائفي

قلم كتابة

بقلم : بدر السلام موفق

مدخل :

ربما كان مصطلح المنطق الطائفي دارجا متعارفا على مدلوله ،ولكني  دأبت من فترة على استعمال ما أراه أشد في الدلالة على ما وصلنا إليه من انفصام شامل  عن العقيدة والمصالح العامة ،فهو أكثر التصاقا بدواخل النفوس وسرائر القلوب وأشد غلبة لجدل ،وردعا لخصم ،وأكثر انقيادا لفكرة وإحجاما عن نقيضها ، يجمع ويجانس بين الانتماء والمشاعر يستحضر بدقة كل فصل من التاريخ بشكل نوعي مؤيد لخياره الواحد والوحيد الذي لا يقبل أن يشار إليه باحتمال الخطأ فضلا عن مناقشة ضعفه أو قوته :إنه((الحق الطائفي))…

إن المنطق الطائفي هو حركة فكرية يكون وازع الانتماء لجماعة محركها ،وهو بدهي متحرك ، غير متجانس في الغالب الأعم لارتباط الإنسان بأكثر من انتماء وجماعة في آن ،ما يمنح فرصة للرصيد الفكري والنقاش المنطقي لتعديل مسألة الولاء حين ظهور دواعيه ،فالمسلم  العربي مثلا قد يقاتل  عربيا آخر نصرة لمسلم ليس بالضرورة أن يكون عربيا ،ويحدث أن ينحاز  مسلم لنصراني -كلاهما عربي-  في محاربة مسلم آخر بداعي الانتماء القومي..

والحال أنا وجدنا شيعة العراق في فترة ماضية مساندين أصلاء لعرب الأهواز لغلبة الطبع القومي في تلك المرحلة على تفسيرهم لمسألة المبادئ والانتماء..وقد تقلص هذا التعاطف بحدة بعد شيوع ما يسمى بالصحوة وتسرب مصطلحات الثورة ،وبعض أشكال الوعي الديني(التشيع الصفوي في الاصطلاح الحديث) القادم من إيران لبلد قومي سابق …كما شاع دعم النظام العراقي للجيش اللبناني أيام الحرب الأهلية ،وقد كانت قيادته مسيحية (الجنرال عون)..

حين تتجانس مفردات الطائفية ،لتتحول من ميراث إلى مستند عقلي وحيد،ينشأ الحق الطائفي…

قبل سنوات قليلة كانت المدن العربية كبيرا تحفل بمظاهرات عارمة ترفع صورا لأول مرة منذ نشأة الإسلام لرجل شيعي في بلاد سنية،وصار ((حزب الله)) معها جزء من التركيبة العاطفية لكل مواطن عربي تقريبا ،وأحدث ذلك أزمة في التصور عند بعض القيادات السياسية ،التي لم تجد كيفية للتعامل مع فكرة الجهاد والحسم العسكري المتجانس مع بدهيات العقل والعاطفة الإنسانية عموما القائمة على العزة والكرامة في كل جنس وقطر…

شكل ذلك فرصة لدى البعض لإحداث تقارب سياسي سني شيعي غير مسبوق ،على المستويات الشعبية خصوصا ،واندفع بعض المفكرين السنة في ذات الاتجاه كمحمد سليم العوا والمفكر اللبناني الإخواني الداعية  (فتحي يكن)…

لكن الطرف الآخر  على الطاولة العربية المهزوم معنويا بحكم انهيار خارطته للسلام وافكاره الإنسانية التي لا تروق امة مهزومة مجروحة في كرامتها وكبريائها ،فضلا عن معرفتها بقدرتها على تكرار سيناريو حزب الله ،واستعاده حقها المادي والمعنوي ،ما جعلهم يدركون تماما أن صورتهم ربما لن تهتز فقط أمام شعوبهم…بل قد تضمحل أنظمتهم في حال ما نشأ وعي ثوري  يكون محركه التاريخي هذا النصر الشيعي في جنوب لبنان والذي لم يقدمه الحزب ابدا على أنه كذلك لاسيما أنه أهداه لغزة والأمة إجمالا…

استراتيجيا إذا كانت الجغرافيا لصالح خصمك فعليك ان تغيّر ميدان المعركة..وهذا ما فعله النظام العربي تماما..

وحين تنهزم في السياسة فليس عليك  ان تنهزم في الدين…

هؤلاء الذين مولوا حربا أمريكية على العراق قبل فترة قليلة كان أحد اسبابها مجازر صدام في حق الشيعة ((الدجيل)) حتى قبل التثبت من ذلك ،ووجدوا من يفتي لهم بكفر البعث ورجاله ،يعودون لاستصدار فتاوى بأنه رحمه الله مات شهيدا ..وبفتاوى من نفس العلماء..

الحق الطائفي 2

الخديعة:

اشتغل الإعلام  كما ينبغي له ذلك تماما ،وفي الوقت الذي كان البعض يعتقد ان (العربية) و(الحرة) الكتيبتين الأساسيتين في الحرب على حزب الله ..،في تقييم سطحي للأداء الإعلامي..

كانت إحدى القنوات اللندنية الناطقة بالعربية قد تخصصت في حوار شيعي سني لازال مستمرا إلى اليوم..

إن قناة المستقلة بشخصيتها الفريدة ،و مقدمها ((الوحيد)) تقريبا استطاعت بشكل مدروس أن تشكل الحدث الإعلامي في تلك الفترة ،وربما بدا للمتابع المتسرع نفسه –وربما كان أنا- أنها خطوة مباركة لرص صفوف الأمة والمقاربة بينها..

بعد سنوات يبدو لي أن برنامج الحوار والتقارب كان محاكمة علنية للمذهب الإمامي الاثني عشري المليء –في وجهة نظرنا وإيماننا- بما يجب تصحيحه وتقويمه…

إن تركيبة رجال القناة ((الدكاترة)) وعلمهم بمستوى الخلاف المذهبي العلمائي بين الطائفتين لا يبرر طرحهم لهذا النوع من البرامج بتلك الطريقة في ذلك الوقت بتلك النوعيات من الضيوف ..لاسيما ان من اختير لتمثيل الطرف الشيعي إما ضعيف  أو غير معتبر أو متطرف منكر عليه من عصبته نفسها تطرفه او علماني لا يصلح لتمثيل مذهبه ،أو مرتبط بتوجهات سياسية أو ثورية داخل المذهب نفسه. ما شكل لفيفا ذكيا حاكم بفضله المشاركون الشيعة ثم حكموا على أنفسهم في عين المشاهد العربي المصدوم. الذي لم يكن يهتم للتفاصيل العقدية لمذهب لا يفكر في اعتناقه ..

ولقد حظي هذا الجدال بمتابعة إعلامية واسعة في الصحافة المكتوبة والمرئية في كل قطر إسلامي في الوقت الذي كان الكل مشتغلا بنقد السياسة الإعلامية لقنوات مرافقة تؤدي وظائف مصاحبة للتوجه العام ،فبينما كانت الحرة تمثل الراي الأمريكي الصريح والعربية تعمل على تخفيف الصورة التي تقدمها الجزيرة ،والجزيرة تبني رصيدها الشعبي –وتتهيألليوم الموعود-..كانت المستقلة تحاكم التشيع وأعداء الصحابة …

بشكل ما صار الحديث عن  القتل على الهوية التذي يمس السنة في العراق يتصدر الحدث في كل هذه القنوات ،وكم كان طريفا أن تمسح دموعك تاثرا بمقتل عشرات من أهل الطائفة في العراق ثم تغير القناة لتسمع جدالا بين شيخنا وممثل عن هؤلاء القتلة المعتدين على حرم ديننا ورموزه …وقد كان الاداء لافتا حين تحولت المستقلة للدفاع عن الصحابة رضوان الله مع استحضار الرؤية الشيعية دائما للمسالة (رغم أن ذلك لم يكن ضروريا)..

إنما الضرورة كانت  تقتضي إجهاض التصور الناشئ عن وحدة الأمة والتقارب المحتمل –نفسيا  على الأقل- بين المسلمين ومن يبدون كذلك او من لا يجب أن يبدوا كذلك…

الحق الطائفي (3)

الصناعة:

بالعودة إلى الخلف ،نجد أن الدول ذاتها الممثلة لهذا الإعلام ،أبدت في العشريات السابقة سياسة متجانسة ،قامت على عناصر واضحة ،ستحدد الخطوط الكبرى لبقية التاريخ..

1*تذكية النزاع العراقي الإيراني ،وتحويله إلى حرب ضروس،لم تنته باستعادة الأهواز ،أو تدمير إيران ،بقدر ما أخرجت العراق من التاريخ السني…

2*تغذية التوتر بين مكونات الشعب العراقي –نفسها-،لخلق أرضية خصبة سيبنى عليها لاحقا ،لإعادة رسم خارطة المنطقة عقديا..

3*التشجيع على مسالمة إسرائيل ودعم الجوار الفلسطيني المطبع مع الدولة العبرية ،استجابة لمنطق السوق الذي يتحكم فيه اليهود ويستثمر أثرياء العالم فيه أموالهم..

4*استصدار خرائط السلام ،رافقه تحريض شديد على كل ما هو شيعي ،بدعوى أهمية الخطر العقدي ،وأولويته على الخطر الأمني أو السياسي ..

5*التورط المباشر في الحرب اللبنانية وهي حرب عقدية بامتياز،لخلق ذات الظروف التي أريد خلقها في العراق ،لتهيئة بؤر أوسع للفصل المذهبي ،وإعادة تقسيم الأمة ..

6*التخلي عن سوريا بعد حرب الخليج الثانية ،في ما يشبه الخيانة لإعلان دمشق ،بعد فصل سوريا بين موقفها الداعم لأمن الخليج بعد انهيار التصور البعثي العراقي لمشروع الوحدة العربية. ومسألة التطبيع مع إسرائيل ..أو الانضمام للجوقة الأمريكية في المنطقة…

7*التركيز على الطائفة العلوية –إعلاميا- بدأ مباشرة بعد سقوط النظام العراقي ،وتم إظهارهم على أساس أنهم فرقة من الأمامية الاثني عشرية ،ومن الرغابة أن تجد مواق دينية يظن بها النزاهة ،تقدم دراسات لا تمت بصلة لمذهب العلوية ،أو حقيقة انتماءهم ،وتستحضر كل ما هو شائن في تاريخهم ،وتتغافل عن دورهم الإيجابي في الحروب الصليبية وما قدمه الكلبيون وعموم قضاعة (قبيلة الأسد) لحرية سوريا…

8*في خطوة تالية،صار التقارب السياسي والاستراتيجي مع إيران يقدم على أنه توافق مذهبي ،يهدف من خلاله-أهل التقية-لتشييع البلاد العربية ،..علما أن العرب لم يتقدموا بأي مشاريع جدية لدعم اقتصاد سورية وأمنها وقوتها العسكرية ،ما جعل الخيار الإيراني حتميا على نظام يقوم اساسا على إيديولوجية عروبية صارمة…في ظل الاصطفاف الدولي والقومي ضده: وظلم ذوي القربى اشد مضاضة  على المرء من وقع الحسام المهند..

9*لقد كان  تغطية الإعلام العربي لحرب تموز 2006 ،تركز كثيرا على مسألة سورية الأراضي (مزارع شبعة)،ضاربة شرعية المقاومة ،متناسية نقطتين اساسيتين أن حزب الله فك بتلك الحرب الخناق على غزة التي حشد لها اليهود عشرة آلاف جندي ،وأنه ضرب إسرائيل بصواريخ سورية وهو ما أدخل سورية إلى قلب الصراع وجعلها عنصر المقاومة الأساس. وذلك ما لن يغفره اليهود والعرب وأمريكا لها لاحقا..

10*إن تكرار السيناريو العراقي وارد تاريخيا بحكم الإيديولوجيا ،وبما أن النظام السوري يتبنى ذات الإيديولوجيا ففي عهد الأسد أو غيره قد يقصد جيش (بعثي) الجزيرة بغرض توحيدها تحت سلطة قومية عروبية واحدة ،لذا لا يسمح الخليجيون بنظام قوي هناك ولو ابتلعت إسرائيل كل الأرض…ما دامت الدعوى التوراتية ،تمتد من النيل إلى الفرات –فقط*-…لذا ستتورط هذه الدلو لاحقا في إذكاء حرب داخلية سورية ،لإنهاء دورها التاريخي وخطرها الاستراتيجي على الملكيات الجنوبية …في معركة لا يجب أن تنتهي بوقوع سورية في صف العدو الآخر –كما حصل مع لبنان والعراق-..

11- إن تغذية كل النزاعات السابقة ،التي تحولت بفضل الغطاء الطائفي إلى نزاع واحد ،ذي بنية واحدة وتقديمة للتصور الجمعي على هذا الشكل ،خلق حالة من الاصطفاف الشديد الذي سيوظف لاحقا في حماية ملكيات الله المحكومة بالرضا الأمريكي..

12-التركيز على ((حزب الله)) لم يبدا بالملف السوري ،وقد صنعت محاولا ت تجريده من سلاحه انشغالا عربيا هاما ،بدعوى حماية السنة ..رغم عدم وجود تهديد مباشر لكيانهم، وعدم مضي أكثر من شهور قليلة على النصر المفروض أنه لكل الأمة وبدل الاحتفاء بالحزب ،يسارع ذات الذي قدم خارطة للسلام إلى المطالبة باجتثاثه..

13-إن الحملة الإعلامية على التشيع فاقت كل حملة تاريخية أخرى ،ولم توازها حتى تلك التي واجهت بها أمريكا الشيوعية ،للحد الذي اصبح فيه تفجير مراقد الأئمة  في العراق حدثا عاديا ،أو استهداف مرقد السيدة زينب في دمشق جهادا مبرورا ،لا يستدعي تنديدا او استنكارا في مفاضلة واضحة بين الدم والدم..والحق ان الدم العربي لا أهمية له عند مسؤوليه إلا بحسب الحاجة…

ويمكنك اليوم أن تسمع عبارة الشيعة الكفار في كل مكان ومن جميع فئات المجتمع في بلاد متفرقة …لا يوجد بها شيعة أصلا…واصبح اسم حسن نصر الله سيد المقاومة ،يتداول بلفظ ((نصر اللات)) ..بينما لم نجد إعلاميا أو متدينا واحدا نبز ناتنياهو أو شارون  أو ….مخافة الوقوع تحت طائلة تهمة ((معاداة السامية))…ومن العجائب أن لا ترعى للرجل حرمة نسبه الشريف التي لا يدافع فيها –كرمى لرسول الله-،إن لم يرع له نضاله المشهود..

14-حملة تتفيه مشابهة لما تم النص عليه في بروتوكولات حكماء صهيون ،لازالت مستمرة لليوم ،بدأت بانفتاح تاريخي على الأعلام المرئي ،فسرعان ما قفزت للساحة قنوات ((الشطح والردح ))،و اخرى ل((مباركة السلطان وإغضاب الرحمان)) وثالثة ((بألوان الريال والبارصا))والتي حققت انتشارا جماهيريا قياسيا ،افرز عادات دخيلة مست  طرائق اللبس والاكل والمشرب والحلاقة ،والأخطر كان على المستوى الرمزي فانتقلت القدوة من ((محمد إلى مهند)) ،…،مشكلة وعيا آخر للحياة نراه عيانا ،..،في تخل واضح عن الفكرة التاريخية ببناء جيل يقود إلى أخرى عن بناء جيل ينقاد…

الآن وفي أقل من خمس سنوات استطاع استراتيجيون عظام انت يخرجوا حزب الله من دائرة الوجدان العربي..لا أحد يتطلع له الآن ،أو يعتز بانتصاراته ،أو يعدها من رصيد الأمة ،فقط لأن الأمة في هاته المرحلة صارت تعني السنة ولا شيء غير السنة ..

اما إيران فقد اصبحت في الوعي الجمعي أخطر من إسرائيل ،وبدل الانشغال ببلوغ ما بلغته من نهضة علمية وتكنولوجية و مجاراتها في ذلك ،والعمل على نقاط الضعف في منظومتنا التربوية والتثقيفية والروحية التي عجزت عن بناء شعوب طموحة حية ،تملك ذات حركية الشعب الإيراني الواعي لوجوده المتطلع لمجد يليق بهذا الوجود…

انشغلنا بالتأليب عليها ،واستهلاك أموالنا في تمويل كل من يحاربها او يؤخرها عن دور حضاري ترقى إليها. رغم تفوّقنا العقدي ،واستئثارنا بالتصوّر الأصح للإسلام ،ورسوخنا على منهج رسول الله وآل بيته الطيبين وصحابته الكرام، إلا أننا-كما كنا دائما- نملك المادة الخام ولا نحسن توظيفها…

الحق الطائفي (04)

            إرهاصات :

  إن الطائفية هي ناتج طبيعي للفيف البيولوجيا والموروث الجيني والثقافي والديني للشعوب ،التي تعد نفسها قوالب جاهزة للانحياز الطائفي كونها (طوائف)… وهي السمة الأبرز لتاريخ الأمم الطويل..ولولاها لكان الناس أمة واحدة…

حين انتقل نبينا عليه السلام إلى جوار ربه ،ترك أمة إسلامية واحدة متحدة ..أما اليوم فنحن فرق شتى ،يكفر بعها بعضها ،ويستـأثر بالحق فئة على آخرين..ويستعدي أحدنا الآخر (المسيحي أو اليهودي) على الذي نراه منا أحيانا وأحيانا لا نراه…

  إن الحديث عن الطائفية في عالمنا العربي المسلم ،لا يجب عليه إغفال التاريخ،أو الاكتفاء بمعطيات الحاضر أو العودة –فقط- خطوة واحدة أو خطوتين للوراء…

   الشيعة يرون أن الأمويين هم من أنتج الطائفية (الإسلامية )،وقد يذهبون أقدم من ذلك إلى (السقيفة).. بينا يرى السنة (الصفويين ) بتلك العين..ويرمونهم بذات الجريرة..وربما بنوع من الإيغال في القدم سنستحضر شخصية مثيرة للجدل لا دليل على وجودها رغم اشتهار أمرها (عبد الله بن سبأ)) الذي في الغالب أنتجه خيال سيف بن عمر -وهو رجل ضعيف متروك الحديث –

   إن سيف بن عمر والموقف من أحاديثه مثال ممتاز ،لنظرية (الحق الطائفي) التي يرافع لها كل فريق…

ومن العجائب أن تجد الشيعة  يستشهدون بأنه (ضعيف متروك الحديث يروي الموضوعات عن الثقات،سيف الزندقة ،وليس بشيء..) عند أئمة السنة حين لا يتوافق ذلك مع طرحهم للتاريخ ،وجاءوا بقول ابن حبان ،والحاكم ،والنيسابوري وابن معين وابن أبي حاتم وابي داود والإمام النسائي…وسائر من ضعفه…

وحين يقع في ما يوافق هوى في أنفسهم ،قالوا لمن ردّ الاستشهاد به ،هو ((أخباري عارف )) وجاءوا بقول الذهبي وابن حجر…

  وينطبق الأمر على العقل السني ،الذي أوجد جوابا بسيطا للمعضلة ،لتي طرحها اعتماد بعض رموز التأريخ الثقات على مروياته كالطبري –مثلا-..ومن جملة ذلك أنه المصدر الوحيد لمروية ((عبد الله بن سبأ))…قالوا هو((ضعيف في الحدث …قوي في التاريخ))..ولعمري كيف يكون الرجل صدوقا حين يروي عن آحاد الناس ثم يكذب حين يروي عن محمد وصحبه؟..فإن كان صادقا في الأولى فأحرى أن يكون صادقا في الثانية ،وإن كان كاذبا في الثانية(رواية الحديث) فما أحرى أن يكون كاذبا في الأولى((التأريخ))…

     وهكذا فإن العقل الطائفي يجعلك متلقيا لمعطيات طائفتك غير مخير في الاستنتاج رغم توافر كل معطى وإجماع أكثر أهل العلم على ديدن الرجل ومذهبه ..بل قد يتهم رجل بالتشيع إذا وقع في بعض مروياته وقالوا ((كيف ينسب للزنادقة وهو هتك سرّهم)) يعنون عبد الله بن سبا..فانظر- رحمك الله- كيف ردوا شهادات ثقات العلماء باستنتاج مبتذل وتفكير ممجوج ومنطق سقيم،لاعتبارات طائفية ..

     وهكذا يكون هذا الرجل عدلا عندما يخدم الهوى ،وغير ذلك حين لا يتفق مع رؤية مذهبية أو اصطفاف عقدي..أو مذهبي..

إن (عبد الله بن سبأ) أو (ابن السوداء) إن صح وجوده بهذا الاسم –لإمكانية صحة اضطلاع آخرين بدوره  – يعد أحد صناع الطائفية في الإسلام بامتياز..وهو كما جاء في مرويات بعض من أهل السنة والشيعة –أنفسهم- يهودي متأسلم..وقد أمر علي كرم الله وجهه بقتله(ملحوظة :إن بعض ما قرأته عن معتقدات الشيعة ،ومن كون الإمام المهدي سيحكم بالتوراة (يحتاج توضيحا إماميا)،كما لا يخفي تساؤلا سنيا مشروعا عن اثر هاته الديانة أو هذا الرجل(أو غيره) في ذلك المذهب…)

الحق أن مرويات من باب حدثنا فلان(مجهول الحال) عن رجل من أهل مصر.. لا تمنح أبدا الحصانة للسند الشيعي في باب الرواية..ما فتح الباب لفرص تباعد عقدي عن  الأنا الآخر (السنة) مع تقادم الأزمان وتناوب الحدثان..

   لست بصدد نقد منهج التعديل والجرح عند الطائفتين..،ولكن كلاهما أقصى مبدئيا الآخر ،رغم أن أهلنا السنة  قرروا اعتبار شهادة الصدوق مع الإقرار بصلاح حاله ولا يضعفه ميله للبدعة…ولكنه للأسف مبدأ لم يعمل به…،ولكن لا مناص من القول أن ثمة صلة واضحة بينه وبين (مسألة خلق الطائفية والتفكير الطائفي)…

من الأمور التي لا تجعل العقل منضبطا بقواعد الحق الطائفي ما يعود لهالة القداسة التي أحطنا بها اجتهادات علمائية لزمانها ومكانها…وهكذا قد يقدم كلام عالم جليل على حديث صحيح بذات الدعوى ،أو يحال بين العقل والتاريخ ،فيحرم القوم مناقشة ما شجر بين الصحابة ،أو الجمع بين حديث صحيح ونتائجه (يرحم الله عمار..)..بدعوى الخوف من الفتنة..(وقد قعوا فيها))..

إن إخضاع العقل للطائفية ،وتصنيف التاريخ والرجال على أساسهما،مهد لنشأة مدرستين لكل منها رجالها وثقاتها ومعاييرها  ومناهجها وسياساتها ،ثم قامت لها دول وأنظمة ،ورعى كل مصالحه باسم الإسلام..

من السهل اليوم عند كل مجادل بصير بمذهب الآخر ،أن يجد من النصوص ما يذهل مناظره من مدرسته نفسها التي تتناقض مع تيار عام للمذهب ،وربما كانت أقوى من المتداول سندا ومتنا ،وأكثر انسجاما مع القرآن نفسه أو مع اللغة العربية…التي تم إخضاعها –هي نفسها- لاعتبارات الطائفة…

فقد ينعى عربي شيعي على  ألباني سني قلة علمه باللغة في تفسير مسألة من المسائل أو تصحيح نصّ من النصوص (وكلاهما فحل في مذهبه)) بحجة العجمة،وقد يحدث العكس…فلطالما رميت النصوص الشيعية عن آل لبيت بضعف اللغة وقلة الرصانة ما لا ينسجم مع بلاغة الأئمة …

   وهكذا فإن صناع الطائفية (ونختصر هنا المسألة في التشيع الإمامي والتسنن ،طلبا للاختصار) نجحوا في تأسيس مدرسة فكرية تامة التمايز مستغلين العاطفة نحو آل البيت من جانب الشيعة ،أو القومية العروبية كما فعل الأمويون ،أو القرابة من رسول الله كما فعل بنو العباس ((تالله ما فعلت أمية عشر ما فعلت بنو عباس))-وهنا يجب التنويه إلى أن الدعوى العباسية كانت شيعية بالأساس ،مع توضيح أن التشيع تلك الأيام كان شيئا مغايرا لمفهومه اليوم-…لدعم مراكز سياسية ..أو استئصال شأفة خصم ،فكم من صحابي قضى لأنه رفض لعن علي أو البراءة منه..ولا تجد اليوم من يتحسر على دم ذلك الصحابي ممن يقيمون مذهبهم على حب الصحابة ،رغم ثبات الدليل بأنه إنما استشهد لهذا السبب..-هنا يقف العقل البسيط حائرا من العقل الطائفي -..

  الحق أن للعقل الطائفي تجليات غريبة كثيرة ليس اقلها مطالبة الأمامية ( المكفرين للزيدية )بدماء من خرج من آل البيت نصرة لله ورسوله..الذين كانوا في جملتهم محبين للصحابة أو غير مبغضين لهم فضلا عن أن يذموهم (وهو أبرز وجوه الخلاف بين الفرقتين)..وباسم – هذا الدم- قتل الشاه إسماعيل الصفوي أمه السنية ومئات الآلاف من مسلمي إيران السنة وكانوا أكثر أهل البلد…وبذات الحق الطائفي تمنع إيران إلى اليوم قيام مساجد سنية…وترفض بموجبه الاعتراف بإسلام إيراني آخر غير ألإمامي…،وبذات الحق لا تقيم السعودية لمواطنيها الشيعة وزنا ،وتستهزئ بهم وبمذهبهم وبعلمائهم جهارا نهارا…كما تعتبر  البحرين مواطنيها الشيعة قطيعا من الغنم…((يتبع))

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق