ثقافة و أدب

عندما تنتحر الملائكة عند جسر متليلي

كانت صافية كتو  طفلة حالمة ومبدعة منذ أن درست على أيدي الإباء البيض بمدينتها الصغيرة العين الصفراء أتقنت اللغة الفرنسية اتقانا ساعدها لتكون أستاذة لهاته المادة السنوات الأولى للاستقلال بمدرسة البنات بوسط المدينة مدة سبع سنوات كاملة من سنة 1962 إلى غاية سنة 1969 لكن حلمها الكبير بالتحليق حول كوكبها البنفسجي الذي كانت ترسمه بشعرها جعلها تستقيل من مهنة التعليم الشاقة وتستقيل من أفق مدينتها الذكورى الضيق الذي حاصرته الأعراف وضيقت افقه تلك النظرات الجاهلة لكل إبداع نسوى فسافرت بجناحيها بعيدة عن مدينتها التي لم ترتوي عشقا منها ومن جمالية رمالها الناعمة فطارت بحرية جميع الفراشات مسافة 700 كم نحو العاصمة وهناك عانقت عالم الصحافة المكتوبة فتساقطت قطرات الإبداع من قلمها الجميل على صفحات جرائد المجاهد واوريزون وأسبوعية الجزائر الأحداث ومجلة الثورة الإفريقية وجرائد أخرى مكنتها من بلوغ قسم التحقيقات الصحفية ومن مرافقة غالبية الوزراء والرؤساء داخل الوطن وخارجه بداية من سنة 1973 وقدوتها في ذلك ابنة مدينتها الشهيدة غرقا الكاتبة والصحافية العالمية والأديبة ايزابال ابراهاردت التي عشقت العين الصفراء وتزوجت بأحد رجالها وارتدت لباس الفارس المحلي ودافعت بقلمها عنهم إلى أن فاضت روحها في غضب هستيري أصاب وادي المدينة فخنقها بمياهه داخل كوخها البسيط ودفنت بمقبرة سيدي بوجمعة حيث يترحم عليها سنويا جموع المثقفين ومحبي الأدب الجميل وهى الشخصية النسائية البارزة التي تركت شخصيتها كبير الأثر على فراشتنا الحالمة فاشتركتا الفراشتان في حب الإبداع الأدبي وحب التجوال وحب الإرادة وحب الإعلام لأنه المربع الوحيد للتنفس الأنثوي وتفريغ  كل ما تكبته الأنثى من جميل دفين بأعماقها فصافية كتو وهو اسم شهرتها المحلق  في عالم الصحافة والأدب فالاسم الأول صافية لم يكن صدفة بل جاء من لحظة عشق غير محدود لمدينتها التي كانت تسمى قديما عين الصافية واسمها الثاني هو لوالدتها التي أرضعتها حليب الرعاية والحب والمساندة وهى تواجه أتعاب أعراف مدينتها فجمعت بينهما لتستأنس بروحهما وجنونهما  أما اسمها الحقيقي فهو زهراء رابحي من مواليد 15 نوفمبر1944 وهناك بالعاصمة أنتجت اول باكورتها الشعرية باللغة الفرنسية كتاب صديقتي القيثارة عن دار النشر نعمان بكندا سنة 1979 ب67 قصيدة جميلة وعذبة نالت إعجاب متذوقى الشعر بلغة فولتير لتليها مجموعتها القصصية الموسومة بالكوكب البنفسجي والتي تضم 14 قصة ممتعة في عالم أدب الخيال العلمي والذي تعتبر رائدة فيه بدون منازع إلى غاية اليوم  خاصة قصة القمر يحترق لأنها تسرح بالقارئ في عالم ذهني شيق بأسلوب ادبى راق وهى تصف رحلة جوية فضائية سنة 2222عن طريق خطوط جوية تابعة للقمر تحمل 500 راكبا لكن الرحلة تلغى في منتصف الطريق مما يخلق جدلا وهرجا  بين الركاب وعند ملامسة الأرض يعرف الركاب أن كوكب القمر يحترق وبالتالي يستحيل الذهاب إليه وسط تصوير أدبي رائع لتلك اللحظات  في عالم الخيال وتلتها بمسرحية إذاعية تحت عنوان أسماء بثت سنوات المسرح الجميل مطلع الثمانينات على أمواج الإذاعة الوطنية إضافة إلى قصائد عديدة و مخطوط رواية أدبية لم تكتمل ورفضت عائلتها تقديمها للنشر أو الدراسة النقدية والتحليلية  لأسباب غير واضحة إلى أن جاء ذلك الصباح الحزين الذي قالت عنه شرطة العاصمة آنذاك أن الشاعرة الملاك قد انتحرت عند جسر متليلي بالعاصمة  لحالة نفسية مرت بها الراحلة وهو الأمر الذي أشار إليه الكاتب مرزاق بقطاش بقوله أنها كانت تعانى اضطرابا نفسيا لكنه الاضطراب الجميل الذي مكنها من أن تصير شاعرة كبيرة أما محبيها وكثير من أصدقائها فلم يصدقوا إلى اليوم أن الملائكة قد تنتحر بجسر متليلى لما تتميز به من الطيبة والدفء والحب والسكينة ويعتبرون أن ملاكهم صافية كتو ربما رميت من أعلى الجسر لأنها كانت صندوق الأسرار الصحافية باعتبارها متميزة بالإعلام المكتوب وبوكالة الأنباء الجزائرية أو سقطت دون عمد  لأنها كانت تحب الاستمتاع بمناظر المدن وشوارعها من علو مرتفع كأنها تحاكى لحظات وقوفها على جبل الرمال بمدينتها العين الصفراء وهى تتأمل روعة الخالق بريشته المبهرة التي حباها لهاته المدينة التي جاءتها شهيدة يوم 19يناير 1989 لتدفن بمقبرة سيدي بوجمعة بجوار الكاتبة ايزابيل ابراهاردت وكأن القدر أرادهما يرقدان بجوار بعضهما لتستكملا معا حكاية تحديات الأنوثة وسط مجتمع لا يؤمن إلا بسلطة وإبداع الذكورة وما سواه مصيره مقصلة العيب والعرف والجاهلية رحلت صافية كتو وفى جعبتها إبداع كثير لم يولد بعد لان الموت سبق الجميع

مرين هواريصافية

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق