مجتمع

فيما يبحث الميسورون عن ” الماركات ” لأولادهم محلات ” الفري بري ” أو ” ستوك أمريكان ” وجهة المعوزين عشية عيد الفطر

تعود محلات بيع الملابس القديمة المستوردة أو ما يعرف في القاموس العامي اليومي بمحلات ” الشيفون” أو “ستوك أمريكان” أو “فري بري” أو “حوايج البالة” لتنتعش مجددا كما لا يحصل لها من قبل عشية كل عيد فطر منذ دخلت هذه التجارة السوق الجزائرية منتصف التسعينيات

اصطياد ” الماركات ” بأبخس الأثمان

ففي الوقت الذي يتدّلل أطفال الميسوريين من العائلات و لا يقبلون بغير الملابس المستوردة من الخارج بمعنى ” الطاشات ” أو ” الماركات ” كما يسميها الشباب ، تدفع العائلات مقابلها آلاف الدينارات ، لا يتجاوز حلم أطفال العائلات المعوزة سروال و قميص و حذاء من محلات ” الفريبري ” قد تحمل ماركات عتيقة لكن عائلات هؤلاء الأطفال يشترونها بأبخس الاثمان لأنه ” ما باليد حيلة ” .

و يقف صنف ثالث من العائلات الجزائرية لا هي من الميسورين و لا هي من المعوّزين ،  تجدها تتوجه خلال العيد و خارجه إلى هذه المحلات خصيصا لاصطياد ملابس ” الماركة ” وبعضها لا يتحرج من غسل هذه الثياب و كيّها و ارتدائها يوم العيد و كأنها جديدة استوردت من محلات بيع الملابس الجاهزة في باريس أو إيطاليا .

يركبون السيارت الفاخرة و يزاحمون الفقراء في ” القريفات 

و يمارس مجيد تجارة ” الفري بري ” منذ العام 1989 بحي باب الواد الشعبي ، و يقول أنه لم يعد يفرّق بين زبائنه من الميسورين و الفقراء في السنوات الأخيرة بعدما اتسعت شريحة قاصدي محله من “الزواليين” وكذا متوسطي الدخل من موظفي الوزارات والمؤسسات العمومية و أولئك الذين يركبون السيارات الفاخرة ويسكنون الفيلات الراقية ممن يبحثون عن “القريفات” (القاف تنطق مثل الجيم في المصرية) أي الماركات العالمية بأبخس الأثمان وسط أكوام الثياب المستعملة الوافدة من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا.

و تحسر مصطفى ، المعروف بمحلاته الثلاثة لألبسة ” البالة ” بالحي المرموق ” المرادية ” ( الغولف ) المحاذي للسوق الشعبي ، كون أشخاص يركبون السيارات الرباعية الدفع  يزاحمون ” الزوالية ” في الاستحواذ على الألبسة التي تحمل الماركات ، و يقول أن بعضهم يملأ الأكياس و يضعها في صندوق سياراته و يرحل ، فيما تجد عائلات تصطحب أبناءها عشية عيد الفطر لا تقدر على كسوة أطفالها و تخرج من جيوبها 10 آلاف دج قيمة ملابس لأربعة أطفال ، و هم يشكرون الله على نعمته ..

” المرض والعدوى ولا العري ولسان الناس”

و يبدي ” عبدالحفيظ ” نوعاً من التذمر من الغلاء الذي أصبح يكتسح هو الآخر أسواق “الشيفون” بالأخص فترة العيد ، و يشير بالبنان إلى سيدة شقراء الشعر ملامح النعمة بادية على مظهرها قائلاً “ألا ترين أن مثل هذا الصنف من الناس أصبح يزاحم المعوزين في اقتناء الشيفون، إنهم السبب في غلائها، فهم يبحثون عن الماركات العالمية للتفاخر بها وممارسة (الهف) أي الاحتيال على الأصدقاء والعائلة .

و يعيل عبد الحفيظ عائلة من 5 بنات كلهن يرغبن في ارتداء ملابس الماركة ، لكن من أين ؟ يتساءل ، و يقول حفيظ أنه لم يعد يهّم مع وضعه المالي المزري السؤال حول مصدر بضعة الثياب التي انتقاها من كومة كبيرة ، وكان يهّم لتسديد سعرها المرتفع نوعاً ما، فأولوية تأمين الملبس لبناته الخمس يقول أهم وأكبر من التساؤل حول مصدر الملابس القديمة التي استغنى عنها اصحابها من ما وراء البحر، أهي لمرضاهم أم لموتاهم، ولا يتردد عبدالحفيظ صاحب الـ 45 سنة في القول “المرض والعدوى ولا العري ولسان الناس” و يفاجئك عبدالحفيظ عندما يضيف “أنا لست قادراً على اقتناء حتى هذا النوع من الملابس لإسعاد أبنائي في العيد فكيف اهتم بالسؤال عن أصحابها، نحن لن نموت إذا ارتديناها، ألا يقال (اللي ما يقتل يسمّن) ؟ قبل ان يتدارك و يضيف : ” لا لا، نعلم انها تخضع للمراقبة الطبية فور وصولها الميناء ويتم تطهيرها بمواد كيماوية مناسبة قبل عرضها للبيع”.

تزاحم في العيد محلات الملابس المستوردة و المحلية الصنع

و المتجول في أحياء العاصمة ، مثل باب الوادي و بلكور و باش جراح و باب عزون تلفت نظره محلات الألبسة المستعملة و هي تزاحم في العيد محلات الثياب الفاخرة المستوردة أو المصنعة محليا ، فالأشواط التي قطعها محترفو هذه التجارة جعلتهم ينتقلون بالملابس المستعملة من حواف الأرصفة والأسواق البلدية إلى الواجهات التي أصبحت تعرض فيها الألبسة القديمة وأسعارها تماماً مثلما تعرض الثياب الجديدة.

ومكّن النجاح الكبير الذي حققته هذه التجارة بتحويل “ريعها” من الجيوب ومن تحت الوسادات إلى البنوك والحسابات الجارية، كما أصبح لها بارونات يحتكرون سوق استيرادها وقادرون على تذليل الصعوبات البيروقراطية بفضل علاقات مع جهات نافذة في السلطة، منذ تحول الاتجار في الملابس القديمة وبالضبط في 17اكتوبر 1997م إلى تجارة مقننة تخضع للضريبة ولها أرقام تعريفة على مستوى الجمارك، وتخضع صاحبها إذا استوردها بالتجزئة لما يسمى بـ “القانون المشترك” وإلى “الرسم على الضريبة المضافة” إذا استوردها بالجملة.

هذا علماً أن الجهات المختصة كانت تنظر إلى مثل هذا النوع من الملابس قبل منتصف التسعينات على أنها “هبة” معفاة من الضرائب، لانها تصل الجزائر من جمعيات خيرية وانسانية دولية توزعها كهبات لفائدة منظمات خيرية محلية في العالم الثالث.  قبل أن تفتح تجارة الشيفون النقاش  واسعا داخل البر لمان على مصرعيه ،  انقسم بشأنها النواب ما بين مستنكر لتجارتها لأنها وصمة عار في بلد بترولي مثل الجزائر و مرحّب على اعتبار أنها تتيح مناصب عمل جديدة للشباب ، و قاد النقاش إلى منع استيراد الملابس القديمة قبل أن يعاد  الترخيص لها مجددا

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق