صفحات خاصة

رؤية أكاديمية موضوعية للمشهد السياسي لمحطة 17 افريل 2014

ريشة قلم

إن محطة 17 افريل 2014 هي محطة مهمة في تاريخ الجزائر ،ووجب علينا تقديم رؤية أكاديمية موضوعية للمشهد السياسي  الانتخابي  والمتعلق بالانتخابات الرئاسيىة .


الدكتور ناجح مخلوف إعلامي وأستاذ جامعي

وكسؤال يتبادر للذهن حول :لماذا نشارك في الانتخابات الرئاسية ؟

إن الأسباب والدواعي التي ترمي إلى  ضرورة المشاركة في الانتخابات الرئاسية تتراوح في اعتقادي بين سببين أساسيين

اولا: خصوصية الموعد الانتخابي في حد ذاته ،حيث أن لهذه الانتخابات خصوصية معينة تميزها عن كل المواعيد الانتخابية التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال ،بل أيضا تتميز عن الاستحقاقات التشريعية والمحلية التي أجريت في سنة 2012 ،وهذه الخصوصية التي تميزها والتي تعتبر سببا من أسباب المشاركة تمثل في هذا الحراك السياسي والحزبي الذي تعرفه الساحة السياسية في الجزائر والمتمثل في تباين مواقف الطبقة السياسية بشأن الموعد الانتخابي ،هذا الحراك أعطى للانتخابات خصوصية كبيرة وأصبحت المشاركة أمرا ضروريا للمرور إلى المرحلة الجديدة للمسار الذي انتهجته الجزائر منذ سنة 1995 ،بحيث أننا عندما نقرأ المشهد السياسي الحزبي المتباين بشأن الانتخابات الرئاسية نميز أربعة أو خمسة مواقف متباينة أو مختلفة ،وعلينا ان نقرأ هذه الآراء ووجهات النظر المختلفة ،ونختار الخيار الأمثل والآمن الذي يؤدي بالجزائر والبلد إلى المرور إلى المرحلة الجديدة بشكل سلس وديمقراطي .

وكعرض لأهم المواقف المطروحة اليوم على الساحة السياسية ، نجد هناك موقف تتبناه مجموعة أحزاب سياسية وشخصيات يدعو لمقاطعة الانتخابات ، وموقف ثان تتبناه ايضا مجموعة من الأحزاب والشخصيات يدعو إلى َضرورة عقد جمعية تأسيسية او مؤتمر تأسيسي  ، وهناك من الأاحزاب والشخصيات التي تدعو إلى وقف المسار الانتخابي ،كما نسجل ان هناك  مجموعة من الآراء التي تدعو الى ضرورة النزول  السلمي إلى الشارع وفي المقابل هناك أحزاب أخرى ترى انه من الضروري المشاركة في الانتخابات الرئاسية إما عبر تقديم مرشح معين وإما عبر مساندة مرشح معين ،لذلك نحن كجزائريين او مواطنين أن نقرأ الخيارات المطروحة بموضوعية وفي سياقها الزمني .

إن الرأي الذي يدعو للمقاطعة تحت شعار “لن أنتخب ـ ولن أرشح ـ ولن أترشح” هو خيار سلبي في اعتقادي بدليل انه يأتي تحت لاءات ثلاث (لن أترشح ـ لن أنتخب ـ لن أُرشح)، كما انه يتميز بعدم تقديم البديل واذا أدرجنا السبب الثالث ان دعاة المقاطعة تنطوي في طياتها على عدم الثقة داخل المقاطعين في حد انفسهم .

التيار الذي يدعو الى عقد جمعية او مؤتمر تأسيسي ،هنا يجب على المواطن الجزائري ان يفهم ما المقصود بالجمعية (او المؤتمر) التأسيسية كبديل عن العملية الانتخابية ؟ دعاة الجمعية التأسيسية يقصدون انه علينا الرجوع إلى ماقبل نوفمبر 1995 وعقد جمعية من أجل إعداد دستور جديد ، نطرح فيه كل القضايا التي تعتبر من المبادئ التي يقوم عليها المجتمع الجزائري بمعنى دعاة هذا الاتجاه يريدون العودة إلى ما قبل 1962 والخوض في قضايا قد حسم فيها المجتمع الجزائري ، فالمجتمع الجزائري حسم بأن الجزائر دولة ديمقراطية في ظل نظام جمهوري /والشعب الجزائري حسم بان الاسلام دين الدولة /الشعب الجزائري حسم بأن اللغة العربية هي اللغة الوطنية الرسمية وحسم بأن الامازيغية هي لغة وطنية وجزء من الهوية الوطنية /شعب الجزائر حسم مسألة خصوصية الثورة الجزائرية  والعلم الوطني ،وبالتالي دعاة المؤتمر التأسيسي اليوم أو دعاة مقاطعة الانتخابات عن طريق جمعية تأسيسية وكأنهم يريدون بالمجتمع والشعب الجزائري العودة إلى مرحلة ما قبل 1995 وإثارة هذه القضايا من جديد وبالتالي عندما نعقد مؤتمر تأسيسي سنعيد فتح نقاش حول أصل الاسلام دين الدولة او غير ذلك ،هل الشعب الجزائري عربي امازيغي ام ليس عربياأمازيغيا ،هل الثورة التحريرية هي الثورة التي أتت بالاستقلال أم  فرنسا هي منحت الاستقلال للجزائريين وغيرها من القضايا التي تدخل الشعب الجزائري في نفق مظلم لا نهاية له .

الخيار الثالث الذي يعبر عنه مجموعة من الاحزاب السياسية والشخصيات السياسية والذي ينادي بوقف المسار الانتخابي وهذا الرأي في تقديرنا رأي مردود عليهم وغير مفيد وغير ناجع ،لأنه سيعود بالجزائر إلى مرحلة ماقبل 16 نوفمبر 1995 تاريخ الانتخابات الرئاسية التي أعادت إخراج الجزائر من المرحلة الانتقالية إلى مرحلة الشرعية الدستورية وبناء المؤسسات الدستورية عن طريق الانتخابات كما ينص على ذلك الدستور ،وهذا الخيار سيؤدي بالشعب إلى الد خول في إشكالية كبيرة هي إشكالية المرحلة الانتقالية  واشكالية الشرعية الدستورية ،وما هو البديل وماهي الآليات الكفيلة بالخروج من المرحلة الانتقالية إلى الشرعية الدستورية  ،وعليه خيار المقاطعة تحت خيار وقف المسار الانتخابي ايضا غير مفيد وغير نافع.

هناك رأي آخر مطروح في الساحة السياسية اليوم يتبناه خاصة بعض الشباب وهو النزول السلمي للشارع ،وهذا ما تبنته الحركة التي أطلقت على نفسها تسمية حركة “بركات “وإن كان هو حق من الحقوق الدستورية ،حرية التعبير ،حرية الرأي ـ وحرية التظاهر ،إلا أنه من الناحية السياسية اعتقد انه يكتنفه الكثير من الخطورة خاصة في ظل تربص بعض الاعداء في الخارج بالجزائر ،وهذا ما اكدته السلطات الجزائرية وكذلك بعض الدول مثل ما سمعنا في تصريح وزير الخارجية الروسي ،لأنه وبأسلوب بسيط وعشوائي قد يؤدي بالجزائر إلى ما  لا يحمد عقباه والامثلة على ذلك كثيرة ،في سوريا وما تعيشه من دمار كانت بدايته هو رد فعل بعض المواطنين في درعا على اعتقال السلطات السورية لبعض التلاميذ ،هذا السلوك في مفهوم منظومة الدول يعتبر تقريبا ليس حدثا كبيرا ،ولكن بهذا السلوك انفجرت دولة بأكملها ،والاكثر من ذلك ان الانفجار كان بأيدي السوريين لكن الحل ابدا لن يكون بأيديهم .

الخيار الآخر الموجود في الساحة هو خيار المشاركة في الانتخابات سواء بمرشح او دعم مرشح ، ونحن نرى ان خطورة كل الخيارات السابقة الذكر وعدم فعاليتها وعدم نجاعتها ،هي التي تجعل  من خيار المشاركة في الانتخابات الرئاسية أمرا ضروريا ولابد منه وذلك للخروج بالجزائر من مرحلة هذا الاحتقان السياسي من أجل الخروج بالجزائر الى المرحلة الجديدة بطريقة سلسة وسلمية وبطريقة ديمقراطية ،لذلك السبب الاول الذي يجعل من المشاركة في الانتخابات أمرا ضروريا هو خصوصية السياق الزمني الذي تجرى فيه هذه الانتخابات والذي يعرف زخما وتبيانا بين مختلف الاحزاب والطبقات السياسية .

ثانيا :في تقدير ان الظروف الخارجية التي تحيط بالجزائر خاصة على الحدود الشرقية التونسية اين تعرف توترا امنيا بسبب وجود جماعات ارهابية في جبل الشعابني ،كذلك الحدود الجزائرية الليبية ايضا متوترة ،ليبيا تعرف انقسامات كبيرة وحالة من الفوضى وحالة من الانتشار غير المسبوق من السلاح وبطريقة غير مشروعة ،كذلك الحدود الجزائرية  المالية متوترة ،ايضا ازمة او قضية الصحراء الغربية وما تثيره من نزاعات بين جبهة البوليزارو والمغرب من جهة وادعاءات المغرب الباطلة بان الجزائر هي سبب هذا المشكل والتي تعرقل الوصول إلى حل سلمي في القضية الصحراوية .إذا الجزائر في وسط حدود ملتهبة ،كما لا ننسى هذه الظروف الدولية والاقليمية تدعونا الى ضرورة ضبط النفس  من طرف الاحزاب والطبقة السياسية والشعب عموما ،ومهما كانت نتيجة الانتخابات لأننا قد نختلف عن نتائج الانتخابات في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وغيرها ….الا ان ضبط النفس في وسط هذه الظروف يدعونا بأن التوتر الذي يعرفه الحدود يخيم علينا اختيار البديل الاكثر امنا ،وهي المشاركة اما بورقة بيضاء او اختيار مرشح بغض النظر عن من سيفوز بالانتخابات الرئاسية .

ثالثا : في تقديري الخاص ان هذه الانتخابات الرئاسية هي محطة للتغيير بصرف النظر عن الشخص او المترشح الفائز في الانتخابات لماذا؟

ببساطة التغيير في الجزائر لا يقتصر عن توجهات او برامج مؤسسة من مؤسسات الدولة ،وانما التغيير اصبح استراتيجية وخيارا للدولة الجزائرية ككل بكل مكوناتها ،الآن الدولة الجزائرية بكل مكوناتها سواء رئاسة الجمهورية او الحكومة او الجيش او مؤسسات الامن او الشعب او الاحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني للدولة لها إرادة قوية لإحداث التغيير بعد الانتخابات الرئاسية بغض النظر عن المترشح الذي سيفوز بالانتخابات ،وهذا التغيير القادم والآتي سيشمل ثلاث نقاط رئيسية :

1 ـتعديل دستوري عميق ،يخرج عن نطاق إحداث منصب نائب رئيس ،ويكون بشكل يحفظ ويكرس مبدأ الفصل بين السلطات ،ويكرس حماية الحقوق والواجبات ،كما يعزز دولة المؤسسات ،بحيث انه من المفترض تعديل المادة 124 من الدستور للحد من تدخل السلطات التنفيذية في صلاحية السلطات التشريعية عن طريق الاوامر ،كما سيتم النظر في المادة المتعلقة بالمجلس الاعلى للقضاء للحد من تدخل السلطات التنفيذية في صلاحيات السلطات القضائية ،وربما سيثار نقاش حول نقطة الرقابة على دستورية القوانين إما بتعزيز آليات اخطار المجلس الدستوري وإما باستبدال هيئة المجلس الدستوري بمحكمة دستورية .

2 ـمكافحة الفساد ،ومعاقبة كل من تورط في اهدار المال العام واستيراتيجية لوضع خطة متكاملة لمكافحة الظاهرة

3 ـ الاستثمار في الرأس المال البشري :اخراج البرامج والاستيراتيجيات من قوقعة الجوانب المادية (السكن ، الطرق ،الطريق السيار ….)الاستثمار في المجال البشري كالمراجعة في المنظومة التربوية ،اطلاع عميق في منظومة التعليم العالي الى اصلاح عميق في منظومة المجتمع المدني واصلاح عميق في المؤسسات الاجتماعية ذات الطابع الاجتماعي الرسمي وغير الرسمي .

Prof.nadjeh@gmail.com

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق