ثقافة و أدب

أدب الطفل من الورقي إلى الرقمي. بقلم : الأستاذ :علاوة كوسة

عرف العالمُ تطوُّراتٍ كبيرةً في شتّى المناحي، وفي المجالات العلميةبالخصوص، وكان لهذه التطورات السريعة انعاكاساتٌ كبيرة على الإنسانوأفكارهِ ومنتجِه العلميّ والأدبي أيضاً، ولعلّ أدب الطفل لم يسْلم من هذاالمدّ التكنولوجي الرهيب، فبقدر ما استفاد من سهولة التواصل والتوصيلِ بينالأديب والطفل، تقلَّص حجم المقروئية لدى الأطفال الذين يفضِّلون المشاهدةوالقراءة السمعية البصرية على القراءة الحَرْفية، ومن هنا نجد أنفسنامنطلقين من عدّة إشكاليات تسيِّج هذا الواقعَ الخطير بين أدب الطفل وهاجسالتكنولوجيات الحديثة:

– ما واقع أدب الطفل في ظلّ اكتساح البدائل التكنولوجية لعوالم الطفل وتوافرها الكبير؟

– ما الأسباب التي رجحت كفةَ المنتَج التكنولوجي الموازي -من رسوم متحركة وأفلام كرتونية – على حساب النصّ المكتوب أو الافتراضي؟

– إِلامَ تعود أسباب هذا العزوف عن تلقّي أدب الأطفال ونقص المقروئية فيه؟

– هل التكنولوجيات الحديثة وما تمنحه من إغراء جمالي، وسهولة في التوصيلوالوصول إلى الطفل مشجبٌ كافٍ لمن يبرِّر لانحصار أدب الطفل في دوائرتعليمية وثقافية قليلة جدّاً؟

– ما الطرق الناجعة لاستثمارالتكنولوجيات الحديثة في تطوير أدب الطفل ونشره كي تواكب الكتابةُ للطفلهذا التطوُّرَ المذهل، وتكتسح المنابر التكنولوجية المعاصرة على اختلافها؟.

يجدر بنا في البداية أن نعترف بأن أدب الطفل، ومنذ ظهوره في المحاضنالغربية وهجرتِه إلى الأوطان العربية عَبْر نماذج رائدة، حاول مقاربةَعوالم الطفل بالاستبطان والتصوير والإحاطة والتلقين أيضاً، وقد انتشركثيراً في المكتبات ودورِ النشر والدوائرِ التربوية، ودخل إلى التخصُّصاتالجامعية والبحوث الأكاديمية. وبِغَضّ النظر عن المستويات الفنية للمنتجالأدبي الطفولي وتفاوتاتِها من كاتب إلى آخر ومن شريحة إلى أخرى ومن وطنإلى آخر، فإن هناك عوائقَ كثيرةً واجهت تطوُّره منها قلة الاهتمام بأدبالطفل من جهة، والميل كل الميل لأدب «الكبار» الذي جعل كتّابَ هذا النوع منالأدب ينعزلون وينسحبون من جهة أخرى.

كما أن لغياب ثقافة الكتابةللطفل ووعيِ تعويد الطفل على القراءة والاطِّلاع خارج ما هو مقرَّر مدرسي،انعكاساتٍ كبيرةً على أدب الطفل، وربما عاد السبب إلى مضامين النصوصالموجَّهة إلى الطفل وعدم تماشيها وتطلُّعاتِ الطفل ورغباته وتوقُّعاته،وهذه الأسباب لعلَّها لمّا اجتمعت استغلَّتها التكنولوجياتُ الحديثة التيرُبَّما استثمرت أيضاً في المنتج الأدبي الموجَّه إلى الطفل، وحوّرته معالصوت والصورة. والدليل أن كثيراً من قصص الأطفال التي لم يكد يقرؤهاالقليل من الأطفال قد لاقت نجاحاً ومشاهدة واسعين جداً لمّا تحوَّلت عبروسائط تكنولوجية إلى رسوم وأفلام كرتونية بتقنيات مبهرة.

ولكن، أليسمن الضعف الاعتقاد بأن عصر الصورة قد سيطر على المتلقي –المشاهد الصغيرتماماً كما أخذ بألباب الكبار، وأن هذا ما جعل أدبَ الطفل في الدائرةالحمراء إنتاجاً وقراءةً مقارنة بما يتابعه الطفل، وما يصرفه من وقته حتىسيطرت المشاهَدة على القراءة؟

وزيادة على المزايا الكبيرة لاستثمارالتكنولوجيات الحديثة وفتوحاتها في النهوض بأدب الطفل من خلال تحويل نصوصهإلى المجال السمعي البصري، فإن النشر الافتراضي عبر الإنترنت للنصوصالأدبية الموجَّهة إلى الطفل قد يساهم في إعادة الوهج اللافت لأدب هذهالشريحة، حيث لا ينكر المتابع للفضاء الافتراضي حضوراً لا بأس به للمنابرالمشتغلة على نشر نصوص أدبية للأطفال رغم ما يعتري كثيراً من هذه المواقعوالمجلَّات والمجموعات الافتراضية من عدم احترافية وانعدام للتخصيصالأجناسي بين شعر وقصص كُتِبت للأطفال.

كما لا يمكن غضّ النظر عن أنكثيراً من المدوّنين والمشتغلين على النشر الافتراضي لأدب الأطفال علىالشبكة العنكبوتية لم يولوا اهتماماً كبيراً لتأثيث هذه النصوص الأدبيةبمرافقات وتسييجات جمالية أخرى من شأنها أن تجذب انتباه الطفل، وتساعده فيالولوج إلى عوالم النصّ المقروء، ونقصد؛ افتقاد كثير من هذه المدوَّنات إلىصور مرافقة للنص المنشور والتي من شأنها أن تعوِّض المتلقّي الصغير عنإدمانه على المشاهدة السمعية البصرية، وتعوِّده على القراءة البصرية بخطابمزدوج: خطاب لغوي متمثِّل في النص المكتوب، وخطاب غير لغوي وهو الصورالمرافقة التي تساهم في تخييل الوقائع لدى المتلقّي الصغير. ولكن، بقدر ماتكون لهذه الصور المرافقة أدوارٌ في صناعة خيال الطفل فإنه يمكنها أنتؤثِّر على تخيُّلاته وتوقُّعاته لأن للطفل أيضاً أفقَ توقُّع للنص المقروءخاصّة للنص القصصي. ونحن ندري أن الطفل في كافة مراحل عمره يعشق السردوالحكي، ويحبّ تسريد الأحداث التي يراها والتي يعيشها. ولعلَّ ورشاتتعلُّمية – تعليمية كثيرة في مخابر علمية تابعة لدوائر حكومية، وخاصةبَيَّنَت أن القراءة الأولية للنصوص الأدبية لدى الأطفال تعتمد على الصورالمرافقة وأن الأطفال في إجاباتهم عن كثير من أسئلة النصّ كانت مستوحاة منالصور المرافقة، حيث يستلهم التلميذ إجاباته من قراءته البصرية للصورالمرافقة للنصّ المكتوب.

كما يمكننا الإشارة في الأخير إلى أنهيتوجَّب على المهتمّين بإعادة الوهج والأهمية لأدب الأطفال أن يعملواجاهدين على تهيئة فضاءاته المساعدة على قراءة هذا الأدب سواء أكانت فضاءاتٍافتراضية أم كانت واقعيةً كالمدارس والمكتبات ودور الثقافة والبيتبالخصوص، كما يتوجَّب عليهم أيضاً الاهتمام بأدب الطفل من الداخل من حيثمضامين النصوص التي يجب أن يراعي كُتّابُ أدب الطفل مناسبتَها ومواءمتَهاللبنية النفسية والوجدانية للطفل، وهذا- في حَدّ ذاته- يفرض على الأدباء أنيكونوا ملمّين بعوالم الطفل بدرجة كبيرة.

ومهما يكن من فتوحاتتكنولوجية ومن حجمِ هواجسنا من مدّها الجارف لعوالم الكتابة والإبداع للطفلبالخصوص فإنه يمكننا استثمارُها وتحويرُ فوائدها لصالح انتشار النص الأدبيالموجَّه إلى الطفل، كما لا ينبغي أن نفضِّل- ولو للحظة- قراءةَ النصإلكترونياً – افتراضياً على القراءة الورقية لأن للكتاب والقصص الورقيخصوصيّاته الكامنة التي لا ينبغي لكل البدائل التكنولوجية الحديثة أنتلغيها.

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق