ثقافة و أدب

دور الثقافة بمدينتي الخروب وعلي منجلي بقسنطينة جسدٌ بلا روح

ملفات مؤجلة وأخرى مستهلكة في الدورة العادية الأولى للمجلس الشعبي الولائي بقسنطينة لسنة 2021

دور الثقافة بمدينتي الخروب وعلي منجلي بقسنطينة جسدٌ بلا روح

(تأجيل زيارة وزيرة الثقافة إلى قسنطينة خيّب آمال الطبقة المثقفة)

(التكيف مع العولمة الثقافية يقتضي معرفة ما يسمى بسوق وسائط التبليغ)

(ملف المدينة القديمة -السويقة- مؤجل إلى إشعار آخر)

سيناقش المجلس الشعبي الولائي بولاية قسنطينة ملفات حساسة جدا وعلى رأسها واقع الثقافة والأوقاف في الولاية وملفات أخرى تتعلق بواقع التكفل الصحي والاجتماعي والبيداغوجي للمعوقين في المراكز الخاصة، يتبعها ملف خاص حول المسابح والأحواض وذلك يومي الأربعاء والخميس 07 و08 أفريل من السنة الجارية، وستتطرق اللجان المكلفة بهذه الملفات إلى أهم المشاكل والمعيقات التي تعاني منها الهياكل الثقافية، لا سيما دور الثقافة التي لا تزال مغلقة إلى اليوم منذ إنشائها في إطار عاصمة الثقافة العربية 2015، مع تقديم أهم التوصيات للإفراج عنها وبعث فيها الروح من جديد، فيما يبقى ملف المدينة القديمة -السويقة- مؤجلا إلى إشعار آخر.

رغم النشاطات التي تنظمها مديرية الثقافة بولاية قسنطينة والتي تحتضنها عادة دار الثقافة مالك حداد، إلا أن أزمة الثقافة في الجزائر وفي ولاية قسنطينة بالخصوص لا تزال مطروحة إلى يومنا هذا، حيث ظلت الملفات الثقافية متوارية في الظل نتيجة المشاكل التي تتخبط فيها الطبقة المثقفة، وكذلك المسؤولين حول من يدير دور الثقافة في ظل غياب الجهاز التنفيذي المسؤول عنها، أي وزارة الثقافة بالرغم من أهمية هذا الجهاز في الحياة الثقافية، التي يمكنها رفع العراقيل التي تعيق مسيرة الهياكل الثقافية والقيام بدورها التثقيفي، والقضاء على كل السلبيات التي خلقها ما يسمى بـ: “اللوبي الثقافي” الذي احتكر الساحة الثقافية وعزل الثقافة عن واقعها وقنواتها التي تمكنها من الاستمرارية، لدرجة أن المؤسسات الثقافية في ولاية قسنطينة تحولت إلى ملكية خاصة تتصرف فيها أطراف معينة دون مراعاة الهدف الذي أنئشت من أجله المراكز الثقافية ودور الثقافة، لا سيما في مدينة قسنطينة التي عرفت منذ التاريخ بمدينة العلم والعلماء، ومدينة الحضارة باعتبارها حاضنة أسماء لشخصيات علمية، أدبية وفكرية، وفي مقدمتهم العلامة عبد الحميد بن باديس، الفيلسوف مالك بن نبي، الأديب مالك حداد، زهور ونيسي وغيرهم.

 لم يكن اللوبي الثقافي حديث النشأة، فهناك المؤامرات التي تحاك ضد هوية هذا الشعب الثقافية، ولم يعد هناك شيء ما يبعث على التفاؤل، فبدلا من أن يتحدى أهل الثقافة لبعث الحياة الثقافية، انقسموا على أنفسهم فاتسعت الهوة والقطيعة بينهم، ولعل وجود هذه الهوة قديم يتجدد، حسب ما كشفته بعض التقارير، فقطاع الثقافة في بداية الاستقلال لم يجد من يشرف عليه، حيث كان تابعا لوزارة التربية والتعليم، ثم انتقلت إدارته إلى وزارة الإعلام والثقافة ومنها إلى وزارة الثقافة والسياحة، وشهد عدة تغيرات في التسيير، ذلك من أجل المحافظة على الثقافة الوطنية وتطوير مجالاتها انطلاقا من القاعدة، فعادة ما تكون مراكز الثقافة ودور الثقافة همزة وصل بين الجماهير وربط جسور التواصل بينها وبين الأجيال وما تحققه لها من انسجام على كل المستويات الفكرية والنفسية، فعلى سبيل المثال لا تزال دار الثقافة بمدينة علي منجلي مغلقة وغير مستغلة وبلا مدير، كذلك هو الشأن بالنسبة لدار الثقافة الواقعة بمدخل مدينة ماسينيسا التابعة لدائرة الخروب، هذه الأخيرة سبق وأن أطلق عليها اسم المجاهد الراحل حسين آيت أحمد، وكتب اسمه باللون البرونزي، وعلق في واجهة الدار، كان ذلك في عهدة مير الخروب السابق عبد الحميد أبركان، ثم أسقط اسم الدّاي الحسين لأسباب مجهولة، أرجعها البعض إلى أسباب سياسية، كون الفقيد كان من أكبر زعماء المعارضة في الجزائر وكان الخصم اللدود لحزب جبهة التحرير الوطني، وأرجعها آخرون إلى الجهوية كون الاثنان ينتميان إلى التيار الأمازيغي.

تأجيل زيارة وزيرة الثقافة يخيب آمال الطبقة المثقفة

فدور الثقافة التي تعتبر ناشطة في الولاية لا يقتصر نشاطها على تنظيم المعارض الخاصة بالصناعات التقليدية من ألبسة وحلويات ومعارض خاصة بالنحاس ومهرجان التقطير، كما نراه في دار الثقافة محمد العيد آل خليفة، التي كانت تحتضن لقاءات أدبية تستضيف فيها أدباء من شعراء، كتاب وروائيين، وتوقفت هذه النشاطات قبل ظهور فيروس كورونا ولا تزال متوقفة إلى اليوم، ونفس الشيء بالنسبة لدار الثقافة مالك حداد، التي أصبحت تحتضن لقاءات تنظمها السلطات المحلية المتمثلة في توزيع السكنات والمناسبات الوطنية، بالإضافة إلى اللقاءات السياسية للأحزاب وبعض المعارض التي كانت مجرد ديكور يزين به بهو الدار، وكانت وزيرة الثقافة الحالية قد برمجت زيارة خاصة إلى ولاية قسنطينة في الأيام القليلة الماضية، ومن خلال الوقوف على برنامج الزيارة لوحظ أن البرنامج استثنى دور الثقافة، كما أن الزيارة تم تأجيلها إلى موعد آخر لأسباب مجهولة أيضا وخيب آمال الطبقة المثقفة بالولاية في اللقاء بالوزيرة وطرح عليها مشاكلهم، فرأوا أنفسهم كالأيتام في نظام لا يهتم بالثقافة وينظر إليها على أنها شيء ثانوي أو من الكماليات.

 أما الشباب فهم يعيشون فراغا ثقافيا لغياب النشاطات الثقافية التي يمكن من خلالها تثقيف الشباب وزرع فيهم الوعي، وتدعيم الإبداع الثقافي والفني، السبب يعود أيضا إلى غياب مجلس استشاري للثقافة، علما أن هذا المجلس كان قد أنشا في السنوات الماضية، وكان مقره بدار الثقافة محمد العيد آل خليفة، ليتم نقله إلى جامعة قسنطينة ثم توقف نشاطه ولم يعد ينشط إلى اليوم، حيث لم يضمن استمراريته ففقد مصداقيته وقدرته على إعادة الثقافة لمكانتها ووجودها، السؤال الذي بات يطرح بإلحاح تام هو: هل يعي المسؤولون على قطع الثقافة مدى أهمية الثقافة وتعددها في حياة المجتمع؟ وهل يفرقون بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير والثقافة للجماهير؟ وثقافة الطبقة الوسطى (البرجوازية)؟ وخصائص كل واحدة منها عند جمهور معين؟، طالما الثقافة ترتبط بالذوق وهي فن قبل كل شيء، فالثقافة الحقيقية لا تتوقف عند تنظيم حفلات الرقص والغناء التي تخالف عادات وثقافة المجتمع المحافظ  أو صالون وطني للصناعات التقليدية، وإنما ثقافة تزرع الوعي لدى المواطن من خلال اختيار المنتوج الثقافي والمنتج الثقافي الذي تبلغه دور الثقافة وما تملكه من وسائل اتصال، في ظل ما يشهده العالم من تغيرات وتحديات في إطار العولمة الثقافية وظهور ما يسمى بسوق وسائط التبليغ.

واقع الأوقاف في ولاية قسنطينة ملف يناقش للمرة الثانية في ظرف 03 أشهر

أما الملف الثاني فهو متعلق بدور الأوقاف في الولاية، وقد سبق وأن نوقش هذا الملف في دورة جانفي 2021، تحت عنوان: تأهيل المساجد والزوايا العتيقة المغلقة بقسنطينة التي تم غلقها بغرض الترميم استعدادا لتظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015، وتفعيل كذلك السياحة الدينية والثقافية، ولكن لوحظ أن الملف لم ينل حظه من التغطية الإعلامية لكونه مستهلك، وما جاء فيه عبارة عن تحصيل حاصل للملفات السابقة، كما أن أشغال ترميم هذه الأوقاف ظلت مجمدة بسبب مشاكل إدارية تتعلق بمكاتب الدراسات الأجنبية وكيفية تحويل مستحقاتها، ومشكلة طبيعة التأشيرة التي قدموا بها للجزائر، ولم يرفع التجميد إلا في 2020، أي بعد 05 سنوات من تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، كما جاء في ملف دورة جانفي 2021، الذي قدمت فيه اللجنة نبذة عن المساجد والزوايا المعنية بعملية التأهيل، واعتبره ملاحظون أنه عبارة عن استهلاك للورق لا غير.

 فبعض المساجد التي تم ذكرها كانت قد حظيت بعمليات ترميم في 2015 وتم فتحها للمصلين في سنة 2017 على غرار مسجد الجامع الكبير الواقع بشارع العربي بن مهيدي، ونفس الشيء بالنسبة لمسجد حسن الباي (سوق الغزل) الذي أخضع هو الآخر لعمليات ترميم وتم فتحه للمصلين سنة 2017، وبالتالي لا جدوى من العودة إلى هذه المساجد، يبقى مسجد سيدي لخضر الواقع بحي الجزارين والذي يعد من بين المواقع الأثرية التاريخية، ومسجد سيدي الكتاني اللذين لا يزالان مغلقين منذ ما يقارب 07 سنوات بسبب توقف الأشغال بهما، أما الزوايا فبعضها لا تزال مغلقة منذ أكثر من 07 سنوات إلى اليوم، علما أن هذه العمليات أسندت  للديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية، رصد لهذه العمليات غلافا ماليا قدره 1.606.320.000.00 دينار جزائري، ونالت عمليات ترميم المساجد حصة الأسد بحيث خصص لها مبلغ 1.341.940.000.00 دج، تجد الإشارة أن بعض المساجد تمت المصادقة عليها من طرف مكاتب الدراسات على غرار مسجد عبد الرحمان باشتارزي، ومسجد سيدي لخضر ومسجد ربعين شريف.

ملف المدينة القديمة -السويقة- مؤجل إلى إشعار آخر

يبقى ملف المدينة القديمة -السويقة- مؤجلا إلى إشعار آخر، أي إلى حين يأتي مسؤول جديد على الولاية، بحيث لم يحظ بالنقاش الجدي والفعال من طرف منتخبي المجلس الشعبي الولائي منذ مجيء الوالي الحالي ساسي أحمد عبد الحفيظ، الذي تم تنصيبه على رأس الولاية في جانفي 2020، وقد زار منذ حوالي شهرين المنطقة رفقة مير بلدية قسنطينة، كانت الزيارة الأولى التي يقوم بها، وكان المير قد صرح لنا أن الزيارة كانت زيارة تعرّف على أحياء المدينة وأزقتها، لكونها كانت مجالا مفتوحا لكل التيارات الحضارية، فقد عاشت المدينة القديمة التي تمتد من السويقة إلى حي الشارع وربعين شريف إلى حي القصبة في المرحلة الكولونيالية، وقامت بدور دبلوماسي يشهد له التاريخ، خاصة أيام أحمد باي، وما تزال بنايات تعود إلى العهد العثماني شاهدة على ما صنعته أنامل المهندسين المعماريين في هذا المجال أيضا، جعلت منها مخبرا للباحثين والمنقبين وعلماء الآثار، ورغم تظاهرة عاصمة الثقافة العربية التي تطلبت إحصاء جميع البنايات المهددة بالانهيار التي تشكل خطرا على حياة شاغليها، ووضع مخطط لحماية القطاع المحفوط، إلا أن المدينة القديمة لا تزال نسيا منسيا في نظر المسؤولين المحليين، وهي اليوم عبارة عن أطلال وتزداد انهيارا يوما بعد يوم، دون أن تحرك السلطات المحلية والمركزية ساكنا، بحيث لم تشهد معالجة عقلانية ولا عمليات تهيئة إلى الآن، فترميم المدينة القديمة عملية ضخمة ومعقدة تحتاج إلى تقنيين ومختصين في الأركيولوجيا، ولا يسع المجال هنا للحديث عنها، فهي تحتاج إلى ملف مستقل باعتبارها موقعا أثريا ومعماريا وتاريخيا يحمل في صدره أسرارا خفية عن أحداث وقعت.

علجية عيش

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق