حوارات

الرسم فن يجمع بين الموهبة والتكوين

الفنان التشكيلي بشير بلباح في حوار لـ “التحرير”:

الرسم فن يجمع بين الموهبة والتكوين

عرف الإنسان الفنون التشكيلية قبل عشرات الآلاف من السنين حيث صور الجسد البشري برسومات وتماثيل اتسمت بالبدائية والبساطة واشتهرت اللوحات الرومانية في أوروبا بواقعيتها وتميزت باستخدام الألوان وما تخلفه من تأثيرات، وعلى هامش إقامة معرضه المميز وتكريمه من طرف الديوان المحلي للسياحة والصناعة التقليدية -سوف- اقتربت التحرير من الفنان التشكيلي المبدع والمخضرم الأستاذ: بشير بلباح وكان لنا معه هذا الحوار الشيق والممتع.

التحرير: أهلا بكم سيدي، بداية لنتعرف عليكم؟

أنا المسمى بشير بلباح بن علي من مدينة قمار (واد سوف) متزوج ومتقاعد في سلك التربية.

التحرير: حدثنا عن بدايتكم الأولى في فن الرسم؟

كانت هاته البداية في الرسم في دولة تونس الشقيقة سنتي (1958-1959) تقريبا كنا مغتربين (في عهد الاستعمار) وأنا صغير في ذلك الوقت كان المعلمون هناك في المرحلة الابتدائية يطلبون مني بأن أرسم لهم في المنزل بعض الصور، كان ذلك في الجنوب التونسي (قفصة) وكان عمري تقريبا عشر سنوات يكلفونني برسومات خاصة بالجغرافيا والتاريخ (لأنهم اكتشفوا موهبتي في هذا المجال) في المنزل طبعا في الفترة الليلية ويسلمونني أوراقا كبيرة الحجم كانت آنذاك ذات قيمة وأهمية كبيرة، وفي الصباح آتي بهاته الرسومات إلى المدرسة الابتدائية، ومن ذلك الوقت بدأت أبرز لدى المعلمين والتلاميذ في مهنة الرسم، مما زادني هواية وحبا أكثر لهذا الفضاء واهتماما بالغا في تلك الفترة، وعليه شرع المعلمون يتجولون بي بين الأقسام الدراسية ويعرفوني أكثر في الوسط المدرسي والمتمدرسين والعمال وكانت كراستي عبارة عن أنموذج مثالي للتصميم والتنظيم والنظافة والتحفة، ليقتدي بها التلاميذ النجباء والمهذبون، زيادة على أني أتمتع بخط جميل جدا ورائع مما زاد في إبراز موهبتي في مجال الرسومات، وفي حينها أصبحت محل اهتمام الجميع دون استثناء خصوصا بأنه يتم التجول بي يوميا تقريبا على الحجرات الدراسية لعرض رسوماتي على الكراس.

التحرير: ما هي الرسومات التي كنتم تقومون بها في الطور الابتدائي؟

كنت أرسم الأزهار والأشجار والنباتات مع بعض الحيوانات البرية والأليفة والأسماك… إلخ، كل ذلك كان على الكراس مما يضفي عليه زينة وتحفة وروعة جذابة.

التحرير: بعد المرحلة الابتدائية في تونس كيف واصلتم مشواركم الدراسي؟

لا، بعد هذه المرحلة تنقلنا وهجرنا تونس إلى الجزائر وكان ذلك في (1962-1963) عند استقلال الجزائر فكانت عودتنا إلى مدينة وادي سوف لكن بقيت هواية الرسم تراودني ومن اهتمامي الخاص.

التحرير: هل الوالدان الكريمان لهم قسط كبير في تشجيعكم للخوض في عالم الرسم؟

لا، مع الأسف كان والدي يجهلون فن الرسم وليست لديهم أي معلومات عليه، لأنهم بكل بساطة لا يعرفون القراءة ولا الكتابة، غير أن والدتي كانت دائما تشجعني وتعطيني دفعة قوية نحو المواصلة لأن الصور التي أرسمها تعجبها كثيرا.

التحرير: هل بعد عودتكم من تونس إلى مدينة الوادي وجدتم نفس الدعم والتشجيع كما هو في تونس؟

مع الأسف لقد تغير علي الوضع كثيرا لأنه في تونس كانت اللغة العربية الفصحى هي السائدة والمستعملة، أما هنا في الوادي فكانت حينها اللغة الفرنسية هي السائدة أكثر، نظرا لأن المعلمين أغلبهم فرنسيون وليس لديهم أي اهتمام بفن الرسم إلا القليل جدا منهم.

التحرير: حدثنا عن فترة التعليم المتوسط بوادي سوف؟

لما قدمنا إلى الوادي وبعد مدة زمنية من العودة بدأت ألاقي بعض التشجيع والتحفيز من بعض المعلمين الفرنسيين لمواصلة الرسومات.

التحرير: من هم المعلمون الفرنسيون الذين شجعوك؟

هناك أستاذان فرنسيان درساني في سنة 1965 اسمها مدرسة (MONTIER et  BOUVIER) بعد رحيلهم من الوادي في عام 1965 سبق لهم الرجوع وزيارة وادي سوف تقريبا في عام 2016 (أي بعد 51 سنة)، بعد هذه السنين كلها زارونا بمدينة الوادي وفي منزلي بالذات ولكن مع الأسف الشديد لم يجدوني لأني كنت في سفر إلى العاصمة فتركوا لي عند أحد الأقارب ظرفا مغلقا وذهبوا، فلما رجعت بعد مدة من سفري وفتحت الظرف وجدت فيه بعضا من رسوماتي التي رسمتها منذ كان عمري 10 سنوات تقريبا (1965) (كانت صورا بالألوان والدهن كما هي سبحان الله) وأبلغوني بأنهم قد قاموا بتكبيرها حجما من طرف هاذين الأستاذين وهي الآن في مكتبتهم بفرنسا والاحتفاظ بها للذكريات الجميلة التي قضونها.

التحرير: ما هو نوع وطبيعة هاته الصور والرسومات الموجودة داخل الظرف؟

هي عبارة عن رسومات لغروب الشمس لقرية غمرة وكذلك صور لعربات تجرها أحمرة وأحصنة في تلك الفترة… إلخ، أي منذ سنوات طويلة والغريب أن هذه الصور بقيت كما هي رغم مرور هاته المدة الطويلة جدا من السنين، وتعجبت من مقدار الوفاء والاحتفاظ بهذه الذكريات دون إهمالها لأنهم يولون اهتماما بالغا لهذه الرسومات رغم بعد المسافات والأيديولوجيات والعرق والجنس واللغة والدين… إلخ. 

التحرير: هل ما زال المعلمون الفرنسيون على قيد الحياة؟

في الحقيقة ليس لي علم بذلك رغم اتصالي هاتفيا بأحدهم ولكن لم أتلق أي جواب.

التحرير: بعد ذلك هل واصلتم مشواركم الدراسي؟

عند مرحلة المتوسط اتجهت إلى مدينة الأغواط تخرجت كأستاذ في التربية بعدما زاولت دراستي في إكمالية بن باديس بمدينة الوادي عندما كان مديرها يسمى (CKOUCHOI) وهو فرنسي، قمت بعد دراستي بالأغواط التي كانت وقتها ولاية الواحات في السبعينيات تخرجت وقتها كأستاذ للتربية. فرجعت للوادي وعملت كمعلم في قرية الشط (بلدية الوادي)  (1969-1970) في ابتدائية النخيل فمكثت ودرست فيها قرابة 15 سنة كمعلم ابتدائي، وبعدها انتقلت إلى متوسطة الأرقط الكيلاني حاليا كأستاذ مدرس فيها مع الأستاذ المدير عز الدين سالمي عملت كأستاذ مختص في التربية التشكيلية فقضيت فيها مدة 07 سنوات.

التحرير: في فترة عملك كمعلم في الابتدائي هل قمت بنشاطات فنية؟

نعم في الفترة التي قضيتها في مدرسة النخيل (الشط) كمعلم أنجزت فيلما كان عنوانه: (الشجرة رمز الحياة) (بالصورة والصوت) (سوبيرويت) يعرض على جدار المدرسة كشاشة كبيرة، مع العلم بإن هذا الفيلم الذي عرضته في الثمانينيات تحصل على الجائزة الأولى على المستوى الوطني وقتها في مسابقة الأطفال، وهناك فيلم آخر قمت بإنشائه مع الجمعية الثقافية بمدينة قمار كان رئيسها المرحوم التهامي إدريس ويحمل عنوان: نظرة حول سوف مدة هذا الفيلم حوالي ساعة كاملة، وكانت الموسيقى للميسترو إبراهيم بليمة على وقع أغنية كوكب الشرق أم كلثوم، هو صحيح الهوى غلاب بالعزف على آلة الكمنجا، وشاركت بهذا الفيلم بمسابقة على مستوى الشرق الجزائري فتحصلت على جائزة أحسن فيلم على مستوى الشرق الجزائري في مدينة بسكرة، وكان ذلك في السنوات 1985-1986 تقريبا، وبعد ذلك ألفت عدة كتب للأطفال للطور الابتدائي في الفن التشكيلي بطريقة جديدة لكيفية الرسم بالحرف العربي، وكذلك بالحرف اللاتيني وكيف ترسم بالرقم وبالشكل وعدد الكتيبات 05 لحد الآن ما زالوا يدرسونها للأطفال والتلاميذ في الابتدائي والروضة وتباع في المكاتب، ثم بعد ذلك أخرجت مجموعة أخرى للهواة (أنا أرسم للحيوانات الأليفة – أنا أرسم للحيوانات المتوحشة – أنا أرسم للأسماك – أنا أرسم للقشريات) وعددهم 06 كتيبات كلهم تم بيعهم على آخرهم حتى على مستوى ولايات أخرى والذي أخرجهم رجل يسمى قرفي من باتنة هو الذي أشرف على نقلهم وبيعهم خارج ولاية الوادي.

التحرير: هل توقفتم عن الإصدارات أو ما زلتم؟

بالعكس لقد واصلت الإصدار وأنا الآن بصدد إصدار 02 من الكتب منهم كتاب انتهيت من تأليفه يحمل عنوانا باللغة الفرنسية كيف أرسم الحيوان بالكاريكاتير وهناك كتاب آخر جميل جدا يحمل عنوان (جماليات الأبيض والأسود في الرسم) معناه كيف تجعل اللون الأبيض والأسود ذو منظر جميل وجذاب. 

التحرير: هل وجدتم صعوبات في طباعة الكتب وخاصة المالية منها؟

نعم لقد وجدنا عائقا كبيرا في كيفية الطبع والطباعة نظرا للتكاليف المالية الكبيرة وتوفير الأموال.

التحرير: هل شاركتم في مهرجانات أو معارض وطنية أو دولية خاصة بالفن التشكيلي والرسومات؟

فعلا لقد شاركت في تونس العاصمة وفي الجنوب التونسي مع العلم بأن الأخوة في تونس هم الذين راسلوني ودعوني للقدوم عندهم، لما شاهدوا أعمالي بواسطة الفيسبوك خاصة التشكيل على الحجارة، فكان ذلك فانتقلت إلى تونس محملا بأدواتي التي أرسم بها وذلك تلبية لمطلبهم ليطلعوا عليها ويستفيدوا من تجربتي فأقمت المعرض هناك وفي نهاية المعرض طلبوا مني أن أقيم تربصا لمجموعة من الشباب والشابات لكي يتعلموا فن الرسم التشكيلي وأخذ نظرة عن قرب، وكان عددهم قرابة المئة شخص في انتظاري وبعد ما قمت بتكوينهم ورجعت إلى مدينة الوادي، بعد سنوات هناك شابة تونسية من الذين علمتهم فن الرسم راسلتني وتقدم لي أسمى معاني الشكر والعرفان لأنها ربحت أموالا كبيرة من عملية الرسم التشكيلي هي وأفراد عائلتها وهي تجارة رابحة.

التحرير: بعد إحالتكم على التقاعد هل تخليتم على نشاطكم في مجال الفن التشكيلي؟

أكيد لا حاليا ومنذ سنوات وأنا أسكن في مدينة بسكرة نظرا لظروف عائلية شخصية وإن مصدر الحجارة التي أرسم عليها هي من مدينة بسكرة (أخذتها من واد سيدي زرزور) وكذلك مادة الرمل هي الأخرى من بسكرة.

التحرير: حدثنا عن نشاطاتك مؤخرا في مجال الفن التشكيلي؟

في الأسابيع الماضية أقمت معرضا بمدينة قمار (المركز الثقافي) للصور والرسومات التشكيلية وقد شهد حضور كثير من الفنانين والزوار، ثم بعد ذلك أقمت معرضا آخر في دار الثقافة بمدينة الوادي، واليوم كما ترون إني موجود أعرض لوحاتي ورسوماتي في مقر الديوان المحلي للسياحة والصناعة التقليدية الذين غمروني باستقبالهم الرائع وبتكريمهم المميز وشرفوني بكل حب ومودة وتشجيع.

التحرير: كلمة أخيرة

مع الأسف الشديد لقد راسلوني كثير من الشباب والشابات المهتمين بأن أشرف على تكوينهم وتعليمهم فن الرسم على الحجارة والتقنية الجديدة للرسم على الرمل نظرا لعدم توفري على مقر خاص، لذا فإني أوجه نداء إلى الجهات المختصة والمعنية منحي مقرا خاصا. كما أتوجه بالشكر الجزيل والعرفان لكل الذين شجعوني وساعدوني من قريب ومن بعيد وعلى رأسهم الديوان المحلي للسياحة والصناعة التقليدية – سوف- وإلى طاقم جريدة التحرير متمنيا لهم مزيدا من التوفيق والنجاح في مشوارهم الإعلامي الهادف.

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق