ثقافة و أدب

في ذكرى رحيل الفنان الموسيقي فريد الأطرش مبدعون أخلصوا للفن… لن يتكرروا

في الـ26من شهر ديسمبر1974 رحل عنا بتهوفن العرب كما تم وصفه من قبل الدوائر المتابعة للحركة الفنية ومع كثير من النقاد الفنيين وذلك عن عمر يناهز الـ 64سنة….الفنان الكبير فريد الأطرش ذو الأصول الدرزية الذي يملك شعبية كبيرة لحد اللحظة في أقطار المغرب العربي خلافا عن المشرق منها. ودون التعريف بأصوله فهو ينحدر من آل الأطرش الأمراء بجبل الدروز جنوب سوريا، الوالد يسمى فهد فرحان إسماعيل والأم التي كانت بدورها مغنية(علياء المنذر) والمعروف أن أخته آمال الأطرش المكناة بإسمهان والتي ولدت في الماء وماتت فيه، أي أن ذلك كان في رحلتهم الأولى نحو القاهرة داخل باخرة حتى مصرعها الغامض لحد الساعة في إحدى الأودية صاحبة روائع (ليال الأنس في فيينا وليت للبراق عينا). وهي صاحبة الصوت الرخيم النادر والمطربة التي ألهم بها الكثيرون مثلما ألهموا بالأديبة اللبنانية صاحبة الصالون الشهير(مي زيادة)، الفنان فريد الأطرش  كان وما زال حيا بروائعه الخالدة والتي دوما يعاد عزفها كان آخرها في الأوركسترات الروسية والتركية والإسبانية والإيطالية. ترك لنا أزيد من300أغنية… ينقسم جلها إلى ثلاث مراحل، البدايات الأولى كيا رتني طير ومن يوم جفاك إلى الوسطى منها أظنيتني بالهجر للأخطل الصغير وختم الصبر بعدنا بالتلاقي وعش أنت. ثم الطويلة كحكاية غرامي وزمان يا حب والربيع..وعدت با يوم مولدي.

إن الشيء الجميل لكل محب لهذا الفنان هو مجموع أغانيه الأولى أينما كان صوت فريد أكثر حدة ولطافة، خاصة قبل أن يتحول إلى الأفلام التي تركها وهي 31 فيلما أغلبها كان استعراضيا… بحيث كان الفنان يؤانس عوده الذي  يصنع منه فيما بعد أشهر عازفيه على الإطلاق، وكانت الجماهير العريضة دائما تطلبها قبل بداية أي أغنية…. اليوم وفي هذا العصر لا يمكن لأحد أن يستسيغ أغانيه خاصة من فئة الشباب إلى نادرا… فأغلبهم لا يستمتعون بصوته الشجي والذي أغلبه آهات وبكائيات وأحزان، وهذا حسبهم مطلب كلاسيكي إذ نحن في عصر السرعة والتقنية وتداخل الآلات، لكن الأعظم عند فريد أنه كان يتعامل مع الشعراء خاصة مأمون الشناوي وبيرم التونسي ومرسي جميل عزيز ويوسف بدروس، وكانت أغلب الألحان هي من ابتكاره لذا سميّ ببتهوفن العرب، هذه الميزة بالذات هي التي جعلت من فريد حالة نادرة خلافا عن معاصريه الذين لم يلحنوا قط لأنفسهم كعبد الحليم وأم كلثوم وفايزة أحمد وصباح.. لهذا كسب شهرة لا مثيل لها إبان حقبته.. فقد حار

المتابعون من عبقريته في صناعة الألحان وابتكارها وقد كان خزانا نابضا لها، ولهذا وذاك اكتسب صفة المبدع النادر لأن أصل التحفة الفنية هي في اللمسات التي يضيفها صاحبها للعمل بميزة ورؤية خاصتين…. ففريد لم يكترث لنوعية صوته بل راح يلحن لأخته إسمهان ولسميرة توفيق ووردة خاصة رائعته(أحبابنا يا عين) وعصمة عبد العليم وفتحية أحمد وسامية جمال ووديع الصافي وليلى الجزائرية وغيرهم، لهذا وذاك وكما أشرنا فإن جمهوره الكبير كان من الأدباء والشعراء الذين يحبون سماع قصائدهم ملحنة ثم يليهم الشعراء المعاصرون.

الفكرة الأخرى التي يجب أن يعرفها الكثير من هؤلاء المجايلين لعصرنا أن الفنان فريد كانت له علاقات وطيدة مع فنانين جزائريين كأحمد وهبي وعبد الحميد عبابسة، وهو لا يختلف عن زميله محمد عبد الوهاب النهر الخالد (خاصة في المقامات وفي نوعية الصوت) هذا الأخيرالذي يقال بأنه أبدع لغيره أكثر مما أبدعه لنفسه خاص مع سيدة الطرب في رائع(دارت الأيام وهذه ليلتي وليلة حب وفكروني) أو ما فعله مع العندليب الأسمر في فتت جنبنا ونبتدي منين الحكاية….فريد تخندق في خانة خاصة هذا لربما كونه لبناني الأصل..مما جعل أقرانه في الفن خاصة الملحنين أو العمالقة الذين لم يتعاملوا معه…لكن رغم ذلك كانت له بصمته الخاصة، ولم ينقص من مهجته في أن تميز بأسلوب الصرف وأن ما تركه من ألحان صار قاب قوسين لوحات فنية وروائع لا يمكن تكرارها، وهذا إن تم وضعه في سياقه التاريخي والزمني، أينما كانت الأمة العربية تمر بظروف استنائية  خاصة على الصعيدين السياسي والاجتماعي ورغم كل ذلك فإن كل ما حدث في زمنه الفني لم ينقص منه شيئا، فكثيرا من الشعوب العربية لحد اليوم من المحيط للخليج ما زالت تعتبره ظاهرة فنية تركت بصماتها في الوجدان الشعبي ولم يكن فنانا للملوك والنخبة إلا نادرا في القصائد التي لحنها وهي بالغة الفصحى، مستعملا الآلات الأكثر حضورا في الواقع أهمها البوق والطبلة وأغانيه الأكثر شعبية كالفلاحة ودقوا المزاهر التي صارت لحد اليوم مدخل كل الأعراس، ويقال أدبيا إن فريد الأطرش ظاهرة لن تتكرر لماذا ياترى؟ا لأنه كان منبعا صافيا ولا ينبض من الألحان المسترسلة ولو عاش بيننا اليوم لكان قد قدم ألحانا جديدة.. وهي الأصل في الابتكار والإنتاج والعبقرية وليس الاعتماد على جهود الغير وإلصاقها بطرق كيميائية وتسويقها كما يفعل كثير من فناني العصر اليوم الذين فشلوا في تحقيق شهرة داخل الأوساط المحترمة، مثلما فعل فريد هذا النابغة القادم من عصاميته الصرفة والمخلص لفنه، إنما شهرة هؤلاء المعاصرين مزيفة وتدفعها بل قل خلفيتها من أجندات لها أغراض أخرى لتخدير الشباب برمته حتى لا نقول الأمة العربية برمتها؟ا

جمال نصرالله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق