حوارات

تنمية”مناطق الظلّ”: تحدي الجزائر الجديدة، وهدف استراتيجي ترسمه أربعة شروط

نور الدين جوادي لـ”التحرير”:

تنمية”مناطق الظلّ”: تحدي الجزائر الجديدة، وهدف استراتيجي ترسمه أربعة شروط

nمشروع الجزائر الجديدة لا يمكن أن يكتمل إلا في ظل التنمية العادلة

n وعدالة توزيع التنمية تنطلق من ترقية مناطق الظل إلى مجمعات سكانية راقية

n استراتيجية تنمية المناطق الفقيرة يجب أن ترتكز على رؤية علمية دقيقة

nوبين ضبط المفهوم، تحديد الرؤية، والجدول الزمني تتموضع نجاعة أي سياسة تنموية

n المنهج التشاركي هو الحل الأمثل لتعميق الأثر التنموي لسياسية ترقية مناطق الظل.

منذ إطلاقه من طرف رئيس الدولة، أثناء اجتماع الحكومة بالولاة منصف شهر فيفري 2020، أصبح مصطلح “مناطق الظل” من بين أكثر المفردات تداولاً في الجزائر، وتحول من مجرد وصف لمناطق فقيرة من الجزائر أرادت الحكومة توجيه الضوء نحوها إلى مصطلح سياسي واقتصادي بامتياز.

ويتفق الكثير من المختصين أن تنمية وترقية المناطق الفقيرة يعتبر تحدي مشروع الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي للجزائر الجديدة، وأنه هدف استراتيجي سيسمح للجزائر بالتقدم خطوات كبيرة إذا ما تحقق.

ولكن، وبرغم الخارطة التي أعلنت عنها الحكومة، والتي ضمت حوالي 150 ألف منطقة، صنفت كبؤر فقر ومعاناة يقطنها قرابة 9 ملايين جزائري، إلا أن فعالية استراتيجية تنمية وترقية تلك المناطق تبقى مرهونة بأربعة شروط أساسية.

nأولاً، ضبط المفهوم، وتحديد المعايير الدقيقة التي يمكن من خلالها تعريف “منطقة ظل”. لأن ضبابية التعريف تصعب إن لم نقل تجعل من المستحيل الوصول إلى المناطق الفقيرة حقيقة. كما أن دقة عملية الإحصاء مرهونة كلياً بذلك، وهي أول خطوات التشخيص الدقيق، والذي يشكل ثلثي حل المشكل. وعلى العكس فإن هشاشة منظومة الإحصاء لغياب تعريف دقيق تميع المشروع، وتفتح الباب واسعاً لاجتهادات شخصية قد لا تخدم استراتيجية الدولة لتنمية هذه المناطق الفقيرة.

n ثانياً، وضع رؤية اقتصادية واضحة المعالم لتنمية تلك المناطق، وذلك من خلال استراتيجية ترتكز على: التحديد الدقيق لنقاط القوة والمقومات التنموية التي تزخر بها كل منطقة؛ والتشخيص الموضوعي لمواضع التخلف واحتياجات وترتبيها وفق الأولوية؛ وإحصاء الفرص التنموية المتاحة لتلك المناطق كل حسب خصوصيتها القانونية والجغرافية …إلخ؛ وأخيراً حصر التحديات الواجب مجابهتها.

وهذه الرؤية يجب أن تنطلق من توصيف عام للواقع الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، من خلال جمع ما يمكن أن ندعوه أطلسا تنمويا حولها يتضمن: (01) معلومات دقيقة حول سوق العمل المحلي من حيث عدد السكان، تصنيفاتهم، طبيعة احتياجاتهم، البطالين، الشغيلين وتوزيعهم على القطاعات، متوسط الدخل العائلي، عدد الكفاءات المقيمة والمهاجرة … إلخ؛ (02) الملامح الكبرى لاقتصاد المنطقة من حيث: موارد التمويل وحجمها، حجم الوعاء العقاري الزراعي والصناعي والفلاحي المستغل وغير المستغل، عدد الشركات الناشطة وأنواعها وتوزعها، والتي أغلقت أو أفلست، والمرشحة لبداية النشاط، تكاليف الإيجار وبيع العقارات، حجم الاقتصاد غير الرسمي. (03) حالة المحيط أو بيئة الاستثمار من خلال تقييم التسهيلات الإدارية، النظام الجبائي، المنظومة المصرفية، التأمين والحماية الاجتماعية. (04) وضعية البنية التحتية بما فيها شبكة الطرقات، التمويل بالكهرباء والغاز والماء…إلخ. (05) وأخيرا معلومات وطنية وإقليمية حول وضعية المنطقة ضمن الخطة الوطنية للتنمية، ووضعية المناطق المجاورة لها، حالة المعابر الدولية، الاتفاقيات الدولية المبرمة…إلخ.

n ثالثاً، وضع جدول زمني مضبوط لمراحل استراتيجية التنمية الموجه لهذه المناطق ولكل منطقة على حدا. وتلك الرزنامة يجب أن تضمن على الأقل أربع فترات: (01) تتعلق الأولى بتنظيم الجهود، وهي المرحلة التي أعتقد أننا بدأنا فيها؛ (02) توصيف الوضع الراهن لكل منطقة، وذلك من خلال وكما سبق الذكر تحديد نقاط القوة والمقومات التنموية لكل منطقة؛ وتعيين بؤر التخلف والاحتياجات العامة؛ إحصاء الفرص المتاحة؛ وحصر التحديات الواجب مجابهتها؛ (03) إعداد الخطوط العامة للاستراتيجية التنموية عبر تحديد الأهداف المرجوة، حصر الأدوات اللازمة (المادية، البشرية … إلخ)؛ (04) مرحلة تنفيذ وتجسيد الاستراتيجية التنموية؛ وأخيرا (05) مراجعة وتقييم نتائج الاستراتيجية التنموية.

n رابعاً، اعتماد المنهج التشاركي في إعداد، تنفيذ وتقييم مراحل استراتيجية التنمية الموجهة لهذه المناطق ولكل منطقة على حدا، وذلك بإشراك كل الأطراف الفاعلة في الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمنطقة، بمن فيهم القطاع الحكومي بكل مؤسساته، القطاع الخاص بكل مكوناته، والمجتمع المدني بكامل فعالياته.

وهنا تجدر الإشارة أن هنالك 3 شروط أساسية وعضوية لنجاح الآلية التشاركية: أولها، إرادة السلطة المركزية (الحكومة)، وثانيها، إرادة السلطة المحلية (القائمين المحليين على المنطقة)، وثالثها وأهمها، وجود مجتمع مدني وفعاليات مجتمعية مهيكلة وواعية. وأعتقد أن هذه الشروط متوفرة في الجزائر، أو على الأقل متوفرة بنسبة تسمح بالبداية في اعتماد المنهج التشاركي كمنهج تنموي جديد.

في الأخير، إن إطلاق عملية تنمية وترقية “مناطق الظل” وفق الآليات سابقة الذكر ستكون لها آثار إيجابية وهيكلية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها، ما سوف يحول تلك المناطق من عبء اقتصادي واجتماعي إلى عامل تنموي يعزز مساعي الدول نحو مشروع الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي للجزائر الجديدة.

محمد علي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق