ثقافة و أدب

“يوم السقيفة” للدكتور حامد محمد خليفة و سؤال: أين هي مودة و حُبِّ أهل البيت؟

هي قراءة موضوعية لكتاب بعنوان “يوم السقيفة” للدكتور حامد محمد خليفة صدرت طبعته الأولى سنة 2013 عن دار القلم دمشق، يضم 375 صفحة دون ذكر صفحات الخاتمة و قائمة المصادر و المراجع و محتويات البحث أي الفهرسة، هي  قراءة لا يوجد فيها تمييع  و لا انحراف، قراءة لا تميل لكفّة دون أخرى، بل هي تساؤلات لتنوير الشباب المسلم، خاصة و من خلال القراءة لوحظ أن الكتاب فيه بعض الغموض، ما يجعل القارئ يطرح كثيرا من التساؤلات، لماذا انحاز الكاتب إلى الصحابي أبو بكر الصديق و موقف أصحابه، و لم يأت ذكر “أهل البيت”، كما ذكر الكاتب بعض الآيات و الأحاديث لم تذكر فيها  اسمٌ من أسماء الصحابة ، لكن الكاتب اراد أن يفهم القارئ كل ما جاء في هذه الآيات و الأحاديث خصت أبو بكر الصديق وحده لخلافة الرسول (ص) و ليس علي بن ابي طالب، ، و قد قدم الكاتب سيرة مفصلة عن حياة أبي بكر الصديق منذ مولده إلى غاية يوم السقيفة، (من الصفحة 29 إلى غاية الصفحة 87)، كما يذكر مؤهلاته للخلافة بدءًا من الصفحة 124.

 في حين لم نقرأ في الكتاب و لا سيرة مختصرة لأصحاب رسول الله ، لا عمر بن الخطاب و لا عليّ بن أبي طالب الذي يعتبر واحدا من أهل بيت الرسول و زوج ابنته فاطمة و أب الحسن و الحسين سلام الله عليهم جميعا، و هم جميعا كانوا في مقام الصدارة و القدوة، و كانوا أوائل و سباقين في ميادين الجهاد و العطاء و العلم و الوفاء ، لكن الكاتب أكد أن السَبَّاقُ الوحيد كان  أبو بكر الصديق، كما جاء في الصفحة 125 و هنا نقف على تناقض الكاتب، كيف يكون الجميع سباقين أي في مستوى واحد و درجة واحدة و مرتبة واحدة و في نفس الوقت يكون أبو بكر السباق الأول و الوحيد، و قد كان علي بن ابي طالب السباق الوحيد لفداء الرسول يوم عزم الكفار على قتله و نام سيدنا علي في مكانه، و هذا ما يؤكد أن  شخصية الإمام علي  بن ابي طالب مؤهلة لأن تكون القدوة لصنع واحياء الفرد المسلم، و   بدا أن الكاتب خالفالمنهجية التحليلية التي تقتضي الكلام عن الأئمة بشكل عام لكي يستطيع القارئ فهم حركتهم  المباركة في المجتمع الإسلامي.

  فالحديث عما جاء في الكتاب صعب التطرق إليه بـ: “سطحية” فهو يحتاج إلى قراءة عميقة و متأنية، مع وجوب المقارنة مع ما يقوله الطرف الآخر (أصحاب علي) عن يوم “السقيفة”، لأننا امام شخصيات تاريخية إسلامية احتلت مكانة مرموقة في المجتمع الإسلامي  كله ، وإن كان هذا الأمر من اختصاص المؤرخين و المختصين في التاريخ الإسلامي، لكن للقارئ أيضا الحق في أن تكون له إسهامات في مثل هذه المسائل التي تتعلق بحياة الصّحابة و كيف استمرت “المسيرة” بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم؟، و الأسباب التي جعلت أصحاب رسول الله يختلفون و من ثمّ ينقسمون إلى شيعة و سُنَّة؟ والأسباب التي أدت إلى سقوط “الخلافة الإسلامية” ؟، و لماذا تأخر المسلومون عن ركب الحضارة؟، فلا ينبغي ان يكون القارئ  قارئا من أجل القراءة فقط، و يمكن أن نقدم أمثلة مما قرأناه، فكثير من الآيات تخاطب الناس جميعا و لا تخص أبا بكر الصديق وحده، كما جاء في سورة الضحى، و في سورة الليل و بخاصة الآية الكريمة التي تقول : “و لسوف يعطيك ربك فترضى”.

 و في آية أخرى ذكرها الكاتب في الصفحة 113 : “محمد رسول الله و الذين معه، أشداء على الكفار رحماء بينهم” الآية 29 من سورة الفتح، فعبارة ( و الذين معه)  خصت أصحاب الرسول كلهم و من آمنوا به و بايعوا و لم تخص أبو بكر الصديق وحده ، في نفس الصفحة يستشهد الكاتب بحديث الإمام أحمد حيث يقول : ” فمن زعم أن علي بن ابي طالب أفضل من ابي بكر فقد ردّ على الكتاب و السنة، فهذا الكلام يحتاج إلى نظر و اجتهاد، لأنه يدعو إلى التفرقة بين الصحابة، و رفع درجة أحد دون الآخر، و نقصد هنا الإمام علي بن ابي طالب رغم أن عليا بن أبي طالب كان فداء للرسول كما تمت الإشارة إليه سابقا، و في الصفحة 114  استشهاد الإمام أحمد  بالآية الكريمة : ” إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا” ( الآية 40 من سورة التوبة ) كان هذا حديث الرسول مع أبو بكر الصديق داخل الغار، ثم أن الرسول قبل وفاته  لم يخبر بشكل صريح من يخلفه، أي من يكون خليفة من بعده.

   يقول صاحب الكتاب أن عليا بن أبي طالب كان قد رشح أبو بكر الصديق ليكون خليفة الرسول و استشهد بقول علي بأن الله أنزل اسم الصديق على  أبي بكر من السماء ، فهل هذا يعني ان باقي الصحابة لم يكونوا صدّيقين؟ بما فيهم أهل بيته؟ ثم أن الآية التي نزلت: “والذي جاء بالصدق و صدّق به أولئك هم المتقون” ( الآية 33 من سورة الزمر) فمن هم المتقون؟ هم ليسوا الصّحابة وحدهم، و إنما عامة المسلمين المؤمنين، المجاهدين في سبيل الله لنصرة دين الله : الإسلام، أولئك الذين يجاهدون من أجل تحقيق العدالة الإلهية،  لأن القرآن جاء للبشرية جمعاء في كل مكان و زمان، و لذا هو يخاطب الناس جميعا و ليس فئة دون أخرى، و لو وقفنا في اتجاه الكاتب  أن قول علي بن ابي طالب أن أبا بكر اسْتُخْلِفَ فأقام و استقام، ثم استخلف عمر فأقام و استقام كما جاء في الصفحة 144، لماذا انقسم الصحابة إذن يوم السقيفة؟ و لماذا وقع الإختلاف بينهم؟.

 ففي الصفحة 202 يتكلم صاحب الكتاب عن مواقف الأنصار يوم السقيفة، لكي يسوغوا مطالبتهم بخلافة الرسول، و ما جاء فيها من نصوص خاصة ما رواه “الواقدي” حيث قال صاحب الكتاب أن نصه ( أي الواقدي) يُشتمّ فيه رائحة الدعوة إلى الفتنة، و لا علاقة به بأخلاقيات الحوار و الشورى،  (الشورى التي لم يستدع فيها أهل بيت الرسول و في مقدمتهم علي بن ابي طالب)،  تقول الكتابات أنه لما سئل علي بن ابي طالب عن مسألة الخلافة و  كيف دفعه القوم عن هذا المقام و هو أحق به؟! قال : أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً والأشدّون برسول اللَّه صلى الله عليه وآله  نوطاً، فإنها كانت أثرةً شحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين والحكم للَّه والموعد القيامة”، و يفهم من هذا الكلام أن الخلافة كانت من حق عليّ، لكن تم الاستيلاء على منصب الخلافة بالاستبداد و أن أصحاب السقيفة يعلمون بأحقية الإمام  عليه السلام ، و نصُّ الغدير ليس بعيداً عن مسامعهم، لكن الإمام علي لم يرفع السيف في المطالبة بحقه في الخلافة.

 تقول الآية الكريمة 144 من سورة آل عمران: ” وما محمد إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين” ( صدق الله العظيم)، و هذا ما حصل في يوم السقيفة، عندما تُرك الرسول جثة دون دفن و راح بعض الصحابة يناقشون مسألة الخلافة، قيل أن الأنصار اجتمعت إلى سعد بن عُبادة  في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: مِنَّا أميرٌ و منكم أميرٌ، فذهب إليهم أبو بكر و عمر بن الخطاب….الخ، فقال ابو بكر الصديق: نحن الأمراء و أنتم الوزراء، فرفض حُباب بن المنذر، و لكن ابا بكر كرّر ما قاله: نحن الأمراء و أنتم الوزراء.

 في المبحث الرابع و بداية من الصفحة 296 يتحدث الدكتور حامد محمد خليفة عن بيعة علي بن أبي طالب لأبي بكر الصديق، حيث أحصى 15 رواية تناولت بيعة علي لأبي بكر خليفة الرسول، يقول أن 13 رواية ما بين الموضوعة و المنكرة و المجهولة الرواة و عامتها في كتب التاريخ و الأدب و ما شابه، 05 منها بلا اسانيد و كأنما صُنعت للفتنة فقط، و 08 بأسانيد تالفة ، و يشير أن ابطال تلك الروايات من أعداء الصحابة الذين يرفضون خلافة ابي بكر، و كأن هذه التهم موجهة لأهل البيت، في الوقت الذي يذكر في الصفحة 298 أن الرواية الصحيحة التي تثبت بيعة علي لأبي بكر كانت في اليوم الثاني من بيعة السقيفة،  و وثق كلامه بكلام البيهقي و طبقات ابن سعد، فعلي كما تقول الكتابات لم يستدع في اليوم الأول من بيعة السقيفة و هو واحد من أهل البيت، لأن أهل بيت الرسول كانوا منشغلين بموت نبيهم (ص) و أنه تم تعيين أبو بكر خليفة في اليوم الأول، و لأن علي بن أبي طالب كان رجل سلام، و بحكم انتمائه إلى أهل البيت، لم يرفع السيف في المطالبة بحقه في الخلافة ، و لم يرد أن يشعل الفتنة بين المسلمين و بالخصوص أصحاب الرسول، والدليل أنه بعد البيعة كان ملازما لأبي بكر الصديق  و جنوده العاملين، و هذه من شيمة أهل البيت الذين همهم الوحيد الإصلاح و البناء و زرع الوحدة بين ابناء المسلمين.

 و خلاصة القول أنه في يوم السقيفة بدأت الأمة تتفتت و تتشتت،  و كانت بداية الطريق نحو سقوط الخلافة الإسلامية بعد حادثة مقتل علي بن ابي طالب و مقتل ابنه الحسين ، و لم تعد أمّة محمّد خير أمّة كما وصفها الرسول في خطبة الوداع، فلا أحد من جيل ما بعد سقوط الخلافة الإسلامية يمكنه الطعن في اصحاب رسول الله، بما فيهم أبو بكر الصديق ، لأنهم من جهة لم يعايشوهم في تلك الفترة، و  بالتالي فهم يتناولون ما تداولته الروايات التي هي من جهة متناقضة و من جهة أخرى هناك روايات تؤيد  جماعة و تطعن في جماعة أخرى و العكس، أي الصراع بين التيار البكري و التيار العلوي، فأين هي مودة و حُبِّ أهل البيت رضي الله عنهم؟؟؟ و قد قال فيهم الله عز و جلّ : ” إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرَا”، هذه الآية الكريمة صريحة في عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من جميع الذنوب وأنهم مطهرون من الرجس والمعاصي ، صغيرها وكبيرها .

 فالرسول حسب الروايات كان قد جمع أهل بيته ( ابنته فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وعلي بن أبي طالب، وولديهما الحسن والحسين عليهم السلام، تحت كسائه وكان هدفه من ذلك إزالة أي غموض محتمل حول مصداق الآية، و كان يمرّ بباب علي وفاطمة لفترة طويلة وقت صلاة الفجر، ويعيد قراءة آية التطهير ليجعل الذهنية العامة تستقرّ على المراد من أهل البيت، و هو ما لا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أنس بن مالك، و قد قال عمرو بن العاص في قصيدته “الجلجلية” المعروفة يمدح بها الاِمام علي ابن أبي طالب، وفيها هذا البيت في حق العترة الطاهرة:

فـوال موالـيه يا ذا الجلال        وعاد معادي أخ المرسل
ولا تنقضوا العهد من عترتي     فـقاطعهم بي لم يوصل

وقال جرير بن عبد اللّه البجلي:

فصلى الاِله على أحمد               رسول المليك تمام النعم
وصلى على الطهر من بعده             خـليفتنا القـائم الـمدَّعْم
عـليّاً عـنيت وصي النبي              يـجالد عـنه غواة الا َُمم
له الفضل والسبق والمكرما         ت وبيت النبوّة لا المهتضم

قراءة علجية عيش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق