ثقافة و أدب

جمعهما الفن و فرّقهما الموت: “فيروز” صوت غرّد للزمن “الرّحباني” “الرَّحْبَانـِيَّهْ” قَفَزَتْ عَلىَ كـُلِّ القـَضَايَا السِّيَاسِيـَّةِ و كانتْ صَوْتَ الشُّعُوبِ العَرَبـِيَّةِ

لم يقتنع الأخوان الرحباني بأن الفرد وحده يغير التاريخ بل جعل على ضفافه بشرا آخرين يعملون و لو في الظل، على تهيئة المناخ الملائم لانتصار  البطل الذي يحقق شرطين لا يمكن الفصل بينهما هما “القوة و العدالة”، فالأخوان الرحباني يعتقدان  أن “العدالة التي لا تسندها القوة هي عدالة ناقصة، لا تؤدي لغير الإذعان و اليأس، و لهذا كان كل من يستمع إلى الموسيقى الرحبانية يلتمس فيها  لمسة سياسية أكثر منها فنية

 نشأ الأخوان الرحباني طفولة قاسية، كلها شقاء، لكنها كانت مغمورة بالحركة للموسيقى، و كانت آلة “البزق” الفيتامين الروحي لهما ، و منها بدأت حياتهما الفنية بإحدى الكنائس التي مهدت لهما الطريق إلى تأسيس نادٍ قدما فيه حفلاتٍ مجانيةً يؤلفان و يلحنان و يوقعان باسم  ” الأخوين الرحباني “، لم يكن هذا التوقيع مبنيا على حب الذات الفردية، بل على نكرانها، فمن درس الفن الرحباني يقف على حقيقة أن الواقع الرحباني واقع هارب من ثباته باستمرار، إلى ما هو خارج عنه، هائم في فضاء الفن و هو يبحث عن الحرية، يُجري قراءة مغايرة للواقعية، قراءة تختلف عن كل الأدبيات الإيديولوجية، كما اهتم الأخوان الرحباني بعنصر الزمن، كانت اللحظة الرحبانية، لحظة مائية دائمة الجريان، تحتاج دوما إلى التحرك، تنتصر للنهر ضد المستنقع، كما تنتصر للتحول ضد الثبات، فمن جهته لم يحقق عاصي الرحباني الأخ الأكبر لمنصور الرحباني حلم طفولته في أن يكون “جواهرجيا” مثل أبيه حيث بدأ حياته كـ: “شرطيّ” بسيط، غير أن صوتا مَّا، كان يناديه لمهام أخرى، إنه صوت الموسيقى لتجعل منه فنانا وطنيا بكل معنى الوطنية، و هو يرى ما لحق بأبيه من أذى عندما كان شيخَ شباب و الحكم عليه بالإعدام و هرب من مسقط رأسه بيروت، و قد جعلا من لوحات “جسر القمر” و “تاجر حرب” بساطا نحو “التغيير”.

 فقد جاء الأخوان الرحباني بشيء مختلف ، لأن  غناءهما كان بالفصحى تارة و باللهجة اللبنانية الجبلية تارة أخرى، حيث استخدم كل منهما عبارات مثيرة للغاية مثل الصخر، و الشوك، فكانت موسيقاهما تيارا جديدا، غير أنه لقي الكثير من الانتقادات، و الاتهامات بـأنهما عملاء للإنجليز ، و أن أعمالهما الفنية  تعود  للأب بولس الأشقر، ما جعل الفن الرحباني ينجح هو أن الأخوين الرحباني ( عاصي و منصور) لم يغنيا يوما في عرس أو في بار أو كباريه، و لم يمدحا شخصا ما ، و لم يتهاون كل منهما في موقف من المواقف، و لا شربا قطرة خمر، بل غنيا للشعوب و القضايا، و قد عرّضتهما مواقفهما لضغوطات مختلفة، حسب الدراسات فإن الأخوين الرحباني تأثرا بالفلاسفة اليونانيين و في مقدمتهم سقراط، و بخاصة عاصي الرحباني الذي كان أشد من أخيه تأثرا بنظرية منع الموت ، كونه كان ذا شخصية قلقة لا تخفي هواجسها من الموت، و ربما يعود السبب إلى ما عاناه من مرض، رغم ذلك فقد أبدعت الرحبانية في مختلف المجالات،  و لم تفقد يوما “الأوركسترا”، فكان لهما حضور فني و ثقافي في لبنان و مصر و كل البلاد العربية الشقيقة، بحفاظهما على التراث الشعبي العربي و الموشحات ، و في مدة لا تتعدى ست دقائق بدل الساعات،  و من بين القصائد المغناة قصيدة: ”  لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهدب” و ” أنا يا عصفورة الشجر”،  أما الألحان الجديدة نقف على البعض منها مثل ” سنرجع يوما إلى حينا” و ” نحن و القمر جيران”، فضلا عن معالجتهما قضايا الناس الاجتماعية  و أحلام الشعوب عن طريق المسرح، الذي تناولته الأطروحات الجامعية.

فيروز.. “الأسطورة ” التي تولد كل صباح

 استطاعت الرحبانية أن تجعل من الوطن أسطورة، تتجدد في أعمال فنية تفرض وجودها خارج المكان و الزمان، و بينهما كان صوت فيروز الملائكي يتحرك  لصياغة الحلم اللبناني و تطويع تاريخه، غير أن هذا الصوت كان موزعا بين الأخوين الرحباني و نصوص سعيد عقل الذي كان على خلافات دائمة مع الأخوين الرحباني ، الفرق شاسع بين  نصوص سعيد عقل و الرحبانية التي  خرجت من دائرة المحلي الضيق إلى العالم الإنساني الواسع، فالأخوان الرحباني لم يقتنعا أن الفرد وحده يغير التاريخ بل جعلا على ضفافه بشرا آخرين يعملون و لو في الظل على تهيئة المناخ الملائم لانتصار البطل الذي يحقق شرطين لا يمكن الفصل بينهما، هما “القوة و العدالة”، فالأخوان الرحباني يعتقدان  أن “العدالة التي لا تسندها القوة هي عدالة ناقصة لا تؤدي لغير الإذعان و اليأس، لأن الإيمان بها يستلزم الدفاع عنها حتى النهاية؛ و إلا أصبحت باطلا أو بحكم الباطل” و لذا فقد كان تَحرّكُ الرحبانيين  بين الحق و الباطل و بين الخير و الشر و بين الضحية و جلاده.

 و تؤكد بعض الدراسات أن الأخوين الرحباني  لم يقبلا أن يبنيا  فنهما على الإملاءات ، بل استجابا لرؤاهما المتداخلة ، و تمكنا من حمايته من كل التصفيات في كل بلد ممزق من لبنان إلى العراق إلى مصر و يحرك مشاعر الشعوب المضطهدة، كان صوت فيروز الأشجار التي تحميهما من حر الشمس، الماء الذي يزيح عنهما “دوخة” الحروب، كان مثل الأمواج تأخذهما إلى حياة الأمل و تبعدهما عن حياة اليأس، قال فيها أهل بلدها صوت مصقول يدغدغ المشاعر و الخيال، و يسمو بالذوق إلى أعلى، تعيش الزمن الرحباني في كل تحركاته، وصفتها الكاتبة اللبنانية فاتنة الحرشوف بـ: ” الأسطورة ” التي تولد كل صباح،  يتردد  صوتها  الحنين في اللاشعور،  صوت يشدو باللحن و يبوح بالكلمات، من حنجرتها تندفق العاطفة ، و مع كل ترنيمة من صوتها الملائكي يستيقظ ورد الروح فينا لينبعث أريجه في جسدنا ، تحمل المستمع إليها إلى عوالم من الحب و الصفاء و النقاء و صدق التعبير و سمو العاطفة، و هي صفات لا تتوفر عند جميع الفنانات العربيات، فإذا كانت أم كلثوم آلهة الطرب العربي كما سماها أهل مصر ، و وردة أميرة الطرب العربي، فإن صوت الزمن الرحباني ولد مع  فيروز وحدها و لن يعود.

علجية عيش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق