ثقافة و أدب

وقفة وفاء في أربعينية الأستاذ الباحث محمد تمشباش

منذ أربعين يوما ،غادرنا وإلى الأبد  المربي الفاضل ،و الباحث في تاريخ وتراث  منطقة جبل أحمر خدو الأستاذ محمد تمشباش ،بعد معاناته الطويلة مع وباء كورونا ،حيث قضى قرابة الشهر بمستشفى الحكيم سعدان ببسكرة ،حتى أسلم أنفاسه الأخيرة يوم 22 جويلية 2020، و تم دفنه بمقبرة بلدية مزيرعة ،بجوار أفراد عائلته و عشيرته .

وبرحيله فقدت الساحة الثقافية أحد الناشطين في الجمعيات التربوية و التاريخية ،و كان يجتهد لإيصال معاني ثورتنا المجيدة و بطولات رجالاتها الى الأجيال القادمة، في صورة مشرقة حتى تتخذها نبراسا في استشراف المستقبل ،و هو الذي عايش ويلات الاستعمار الفرنسي خلال الثورة ،و رغم صغر سنه فإن صور المعاناة و الاضطهاد مع المواطنين بقيت راسخة في ذاكرته ،كمرحلة الترحيل الإجباري سنة 1955 الى محتشد لولاش ثم محتشد مشونش .

عرفت الفقيد من خلال الاجتماعات التي كانت تنظم في مسكن المجاهد الوردي قصباية – طيب الله بالرحمات ثراه – رئيس جمعية فرغوس كباش لبلدية مزيرعة، و كن يحضرها الأعضاء منهم: المجاهد عبد الله تقطيوت( نائب الرئيس )  و المجاهد عمر رفرافي ( أمين المال ) و رئيس بلدية مزيرعة التارزي طهراوي ومسعود عمراوي و إبراهيم سنايحي وعبد الله كبايري.. و كان فقيدنا يحتل منصب الأمين العام بها ،و خاصة عندما فكرت الجمعية و لأول مرة تنظيم  الاحتفال الخاص بذكرى معركة  فرغوس التي وقعت أحداثها يوم 14 أكتوبر 1960، و سقط فيها حوالي 130 شهيدا .فكثرت اللقاءات ،و قد تم الاحتفال به رسميا سنة  1994 ،و حضره وزير المجاهدين ابراهيم شيبوط ، و وزير الفلاحة و قائد المعركة المجاهد محمد جرمون، بالإضافة الى عدة وجوه من الأسرة الثورية قدموا من عدة ولايات من بينهم: محمد الشريف مساعدية و محمد الصالح يحياوي و محمد العربي الزبيري و محمود الواعي ومداني بجاوي و زهير الزاهري و غيرهم ..و كان فقيدنا مكلفا بتقديم الشخصيات التي تتداول على المنصة  لإلقاء كلماتها، مع التعريف بهم و بالتاريخ المشرق للمنطقة .

كما كان له حضوره المتميز في الملتقى الأول و الثاني حول (مقاومة الأوراس في عهد أحمد باي ) سنتي 2006 و 2007 المنظم من طرف نفس الجمعية ،و جرت أشغالهما بقلعة كباش ببلدية مزيرعة ، و حضرتها وزيرة الثقافة السابقة و عدة باحثين من جامعات الجزائر و تركيا و تونس . و اكباش هو الموقع الذي استقر به أحمد باي بعد سقوط مدينة قسنطينة سنة 1837، و لجوئه الى الأوراس عند أولاد سلطان أولا و بمنعة ، ثم بقلعة أكباش عند عرش أولاد عبد الرحمان.

حيث نظم الأستاذ محمد تمشباش  معرضا بالصور و الخرائط و جناحا خاصا  بالكتب التي تناولت حياة هذه الشخصية و دورها في المقاومة ، و أشرف على الشرح للزوار بأسلوبه البسيط و الدقة في الوصف معتمدا على ما احتفظت به الذاكرة الشفوية لمن عايشوا الأحداث  .

وبعد توقف نشاط جمعية فرغوس اكباش بسبب مرض رئيسها ، انضم الفقيد الى جمعية أول نوفمبر التاريخية برئاسة المجاهد بشير زاغز ،و تولى بها منصب نائب الأمين العام ثم أمينها ، و كان يحضر مع أعضاء الجمعية و السلطات المحلية الاحتفالات الرسمية المخلدة لذكرى وفاة الشهداء التي تقام بهذه المناسبات الوطنية في ربوع الولاية ، و كان دوما من المدعوين  لإلقاء المحاضرات في المؤسسات التربوية و المهنية خاصة الأمن الوطني ببسكرة ، من أجل ترسيخ القيم الوطنية الخالدة في نفوس الشباب و الطلبة من الجيل الصاعد .

ومن الأعمال التي أنجزها بحثا تحليليا حول الأغنية الثورية بمنطقة  الأوراس ،و قد قدم العرض سنة 2004 بمسرح الهواء الطلق بمناسبة الذكرى المزدوجة لعيدي الاستقلال و الشباب على الساعة التاسعة ليلا ،.و هو عبارة عن ملحمة غنائية بمشاركة الرحابة تناولت عدة محاور منها : اندلاع الثورة – الدورية – المرأة – القادة و الزعماء – ذم الرئيس الفرنسي ديقول- مساهمة الشباب و الصغار – الاستقلال .

كما كان يحضر الملتقيات التاريخية و الثقافية التي تقام بالولاية  محاضرا  و معقبا ، منها ملتقىات الجمعية الخلدونية للأبحاث و الدراسات التاريخية حيث ألقى محاضرة تحت عنوان ( الأغنية الثورية في منطقة جبل أحمر خدو ) في ملتقاها الأخير المنعقد يومي 21 و 22 ديسمبر 2019 الخاص بالمعارك الكبرى لجيش التحرير الوطني  و صداها في الأدب الشعبي ،و قد نالت مشاركته استحسان الحضور للمعلومات المقدمة و احترامه للوقت.

وكانت آخر مساهمة له هي إلقاء مداخلة حول شخصية المناضل المسرحي شباح المكي بثانوية مزيرعة يوم  الأحد 12 جانفي 2020 خلال احتفال برأس السنة الأمازيغية  يناير 2970 المنظمة من طرف جمعية كباش للثقافة و إحياء التراث و بمساهمة بلدية مزيرعة ،حيث أبرز جانب التحدي و الإصرار لهذا السياسي المحنك من أبناء المنطقة ضد الحكام الفرنسيين و القياد ،و توقف مطولا عند حادثة شيخ العرب ابن قانة الذي أمر بسجن شباح المكي وتعذيبه  مشيا على الأقدام مسافة 100 كلم .

وكان يسعى مع الخيرين من أجل تكريم هذه الشخصية المغيبة بإطلاق اسمه على مسرح بسكرة الجهوي .و حدثني في آخر لقاء معه  عن عزمه تنظيم يوم دراسي حول شباح المكي و إبراز أعماله النضالية و المسرحية ، و اتفقنا على خطة العمل و الأسماء المشاركة ، لكن إصابته المبكرة بالوباء ثم مرضه حال دون مواصلة هذه المبادرة ،و أتمنى من الأعماق أن تستمر كل الجهود من أجل تجسيد هذا المبتغى المنشود و الهدف النبيل  قريبا بتضافر الجهود ،خاصة مع المشرفين على قطاع الثقافة و المسرح الجهوي بالولاية ،و أن تقوم جمعية اكباش للثقافة و الراحل من أعضائها البارزين ،بإحياء ذكرى وفاة الأستاذ  محمد تمشباش بعد عودة الحياة الى طبيعتها و فتح مجال النشاط الثقافي مع السعي لطبع كتبه المخطوطة .

للإشارة ،فإن الأستاذ محمد تمشباش بن ابراهيم و رقية كبايري بنت عبد الرحمان  من مواليد سنة 1949 بعين الكرمة دوار تاجموت بلدية مزيرعة دائرة زريبة الوادي من ولاية بسكرة .

بعد دراسته الأولى في كتاب قريته و حفظ القرآن الكريم ،واصل تعليمه الابتدائي سنة 1957 ببلدة سيدي عقبة و بعد الاستقلال أكملها بمدرسة الشهيد  عبد الرحمان بركات بمدينة بسكرة .

انتسب سنة 1965 الى مدرسة ترشيح المعلمين بباتنة حتى تخرج منه، برتبة معلم مساعد مع الحصول على شهادة الأهلية خلال الموسم الدراسي  68/ 69

اشتغل  في الحقل التربوي كمعلم لأول مرة بمدينة طولقة خلال الموسم الدراسي 69/70

بعد أداء واجب الخدمة  الوطنية ،واصل دراسته حتى تحصل على شهادة الباكالوريا ضمن التعليم العام و التعليم الأصلي سنة 1975 .

انتدب بمديرية التربية ببسكرة من سنة 1975 الى غاية سنة 1979 .

تم تعيينه في منصب مدير بالمدرسة  الابتدائية الشهيد رحاب العرافي  ببلدة ليوة سنة 1979 .

كما تولى نفس المنصب بمدرسة شتمة و بمدرسة طنجاوي عبد الرحمان – الممرات سابقا –،ثم بمدرسة حي الملعب  بالعالية ببسكرة . و منها تحصل على التقاعد سنة 2006 .

متحصل على وسام الاستحقاق التربوي سنة 2001.

وعضو في اللجنة الوطنية بوزارة التربية لدراسة المواد  .

أمين عام جمعية فرغوس اكباش لبلدية مزيرعة .

الكاتب العام بجمعية أول نوفمبر1954 لحماية و تخليد المآثر التاريخية   لولاية بسكرة .

معد ومقدم برامج ( وقفات تربوية) بإذاعة الجزائر من بسكرة .

معد ومقدم حصة (عادات و تقاليد بمنطقة الأوراس ) باللهجة الشاوية بإذاعة الجزائر من باتنة .

أخرج أوبيرات غنائية حول الأغنية الثورية بمنطقة الأوراس سنة 2004 .

من أعماله المطبوعة :

* كتاب ( بحوث من أعماق أحدات الثورة التحريرية 1954 ) / صدر سنة 2013 عن دار علي بن زيد للطباعة و النشر ببسكرة .و يقع في 264 صفحة .

* المعالم التاريخية لاندلاع الثورة التحريرية ليلة أول نوفمبر 1954 بمدينة بسكرة / صدر عن دار علي بن زيد للطباعة و النشر ببسكرة سنة 2018 .و يقع في 56 صفحة .

اعداد/ الأخضر رحموني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق