صفحات خاصة

يُعدّ من الرعيل الأول من جيل الصحوة الذهبي.. الوزير الدكتور أمحمد برضوان، يرحل بغصة عدم إكمال مشروعه الدعوي التنويري

فقدت الجزائر صبيحة  يوم الاثنين: 03 أوت 2020م، أحد رموز العلم والطب والخلق و الدعوة الى الله، انه الدكتور امحمد بن رضوان، الطبيب المتمرس ، و الوزير الأسبق للشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر، عن عمر ناهز (70) سنة ، إثر مرض عضال ألزمه الفراش بضعة أشهر..

مختص في الأمراض الجلدية والزهرية ورئيس قسم الفحوصات بمستشفى مصطفى باشا الجامعي  ، عمل كأستاذ مساعد بمصلحة أمراض الجلد، ثم أدى الخدمة الوطنية بالمستشفى العسكري بالعاصمة ، وبالتوازي مع مهنة الطب فهو يزاول التدريس في مساجد العاصمة منذ 1979  إلى بداية سنة 2020 حين أقعده المرض، نظم وشارك في عدة ملتقيات وطنية ودولية وعلى رأسها ملتقيات  الفكر الإسلامي بالجزائر، وترأس المجلس العلمي لجمعية نور المصباح ضد المخدرات والتدخين، و انتخب نائبا لرئيس مؤسسة الأمير عبد القادر ورئيس مجلسها العلمي، كما عين وزيرا للشؤون الدينية 1991، عاما مع بداية العشرية السوداء، بعد عمل الوزارة بسنة، تفرغ للعمل الإعلامي و الطبي، حيث أعد وقدم بعدها آلاف الحصص الدينية ، في التلفزيون الجزائري باللغة الفرنسية و العربية.

والمرحوم يعد من الرعيل الأول من جيل الصحوة الشبابي الذهبي، الذي التف حول بقايا جيل الحركة الإصلاحية في السبعينات، وقام بدور كبير في نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة، وبناء الوعي الإسلامي الصحيح، وإحياء التدين الصحيح في أوساط النخبة الجامعية أولا، ثم في الأوساط الشعبية ثانيا بُعيد الاستقلال، من خلال انخراطه رحمه الله، مبكرا في مسيرة الصحوة ومشاركته في بنائها “مع كوكبة كبيرة من نخبة الصحوة في الجامعة الجزائرية بالعاصمة خاصة، أمثال المرحوم سي عبد الوهاب حمودة، و د. عباسي مدني، و د. محمد جاب الله، و د. التيجاني بوجلخة، و د. عبد الحميد بن شيكو، و د. رشيد بن عيسى، والشيخ محمد السعيد، و د. أحمد بن محمد، ود. أحمد بوساق.. وغيرهم كُثرٌ في جامعات وساحات جزائرية أخرى، أمثال الشيخ بن يونس آيت سالم، و د. شرفي الرفاعي، و د. العربي كشاط.. وعشرات بل مئات وآلاف من النخبة الجامعية الذهبية التي وعت حقيقة نفسها وحقيقة دورها في المجتمع، واستعلت على كثير من الإغراءات، واضطلعت بمهمتها الوطنية بقدر ما تستطيع، وواجهت المد اليساري والليبرالي والإمّعي الذي كان يمتد في الجامعة وفي المجال الثقافي العام، بحكم التركة الاستعمارية الضخمة التي ورثها مجتمعنا من جهة، وبحكم المد اليساري في العالم من ناحية أخرى، في تلك المرحلة من التطور العالمي”، على تعبير المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث في كلمته التأبينية..

لقد  شكل هذا الجيل الذهبي – كما صف المفكر الجزائري- الصخرة التي تبعثر عليها هذا المد التغريبي في الساحة الجامعية، وانكسرت شوكته، أو كما وصف المرحوم زميله الدكتور سليم بن خدة الذي رافقه في الشغل في مستشفى مصطفى باشا الجامعي عن عمله و تفانيه في خدمة مرضاه، أو ما كتبه عنه الشيخ صالح بوزينة الذي تعرّف عليه عن قرب لما كان مدرسا لأحدى بناته.. أوما ذكره الدكتور بوزيد بومدين عن تواضع المرحوم وحيائه، حيث قال عن المرحوم :” كانت ابتسامته تجمِّل محيّاه، فهو مثل رفيقه الشيخ سعيد شيبان (حفظه الله وأطال في عمره) يجلسان حيثما ينتهي بهما المجلس في القاعة للاستماع للعلم، لا يبحثان عن الصّفّ الأول والبهرجة التصويرية وانتظار نشرة الثامنة ليظهرا فيها، جمعهم الاختصاص في الطب والاهتمام بالقرآن الكريم وتفسيره، وأُسنِدت  لهما وزارة الشؤون الدينية ويستكنفان من مناداتهما بلقب “الوزير”، عاش برضوان من راتبه، همّه الكتابة والقراءة وتعرّف عليه الجمهور المفرنس خاصة في الغرب من خلال حصصه الدينية مع الدكاترة عمار طالبي وسعيد شيبان وكمال شكاط ومسعود بوجنون حفظهم الله

و هنا أحب أن أقر أني لا ادعي صداقة المرحوم كغيري ممن عرفوه أعلاه معرفة جيدة وعن قرب ، ولا أدعي الاحتكاك به والتتلمذ عليه في حلقات مساجد العاصمة، كما ذكر بعض معاصريه، و لكنني اذكر اني تعرفت عليه عابرا من بعيد كطبيب من قدماء تلاميذ مالك بن نبي، خاصة في  بعض ” ملتقيات الفكر الإسلامي”، هذه المدرسة الدعوية  التي تربت و تكونت وتعلمت فيها ومنها أجيال الصحوة المباركة، إذ أ أصبحت هذه الملتقيات معيار صدق أداء الحكومات الجزائرية المتعاقبة وعربون وفاء لثوابتها الوطنية ..

 و أيضا تعرفت على الدكتور أمحمد بن رضوان، من خلال بعض زملائه ممن درسوا معه في العلوم الطبية من أساتذة وطلبة رواد مسجد جامعة الجزائر المركزية، كالدكتور محمد ثابت أول و الدكتور لحبيب هدام و صهره الدكتور بن شيكو و غيرهم..

رغم كل ذلك و من خلال هذه الكلمة، لا أحب أن أدخل في صراع وتبرير عن  تقييم مساره السياسي ودوافع المرحوم للانضمام لحكومتي سيد أحمد غزالي في ظرف جد عصيب و حساس ( 18جوان 1991 –  22 فبراير 1992 )،  ولا أملك حتى أدوات تقييم أدائه فيها وإنجازاته في وزارة الشؤون الدينية التي لم يعمر فيه الا قليلا، ليأتي بعده الوزير الساسي لعموري، الذي يزعم هو أيضا أنه من طلبة مالك بن نبي، وقد حدثني شخصيا هذا الأخير هو أيضا- قبل أن يصبح وزيرا- لما أقمنا سويا في نفس المسكن أنا وهو أيام ملتقى الفكر الإسلامي الثالث والعشرين، المنعقد في مدينة تبسة بالشرق الجزائري في سبتمبر 1989.. ذكر لي هو أيضا  أنه كان من مرافقي المرحوم مالك بن نبي في آخر أيام عمره بالعاصمة، و قد كان يشكو مالك بن نبي للأستاذ الساسي لعموري من ألام حادة في رأسه من حين لآخر، حيث، كان يقول له : ” يا سي لعموري، هذه الضربة هي التي ستنهي عمري ..”، على حد قول الأستاذ الساسي لعموري  ..

طبعا، تم تعديل الحكومة في التسعينات العديد من المرات، وهذا دليل على عدم استقرار الوضع السياسي في الجزائر وهشاشته، و أُعفِي الدكتور امحمد بن رضوان من مهامه دون أن يفلح في إرجاع ” ملتقيات الفكر الإسلامي” كما تمنى، فتفرغ للدعوى ” الدولية” عن طريق برنامجه التلفزي بالفرنسية خاصة، رفقة كوكبة من العلماء و المفكرين، أمثال المرحوم عبد الوهاب حمودة و الدكتور سعيد شيبان و الدكتور رشيد ميموني و  مسعد زيان وغيرهم.. فأصبح  برنامجه في أوروبا بمثابة الملتقى المفقود مع الفارق طبعا، و كنت أشجّع شبابنا في أوروبا لمتابعة هذه الحلقات التنويرية بلغة فرنسية راقية ..

وجيء بعده في وزارة  الشؤون الدينية والأوقاف بالأستاذ الساسي لعموري، في حكومات كل من (سيد أحمد غزالي -بلعيد عبد السلام – ومقداد سيفي )، دون أن يفلح هو أيضا في إرجاع ” ملتقيات الفكر الإسلامي”، وقد التقيت منذ بُضْع  سنوات في مكة المكرمة بوزير الشؤون الدينية و الأوقاف الاسبق محمد عيسى، وحدثته عن إخفاقات من سبقه من الوزراء في رد الاعتبار لمشتلة “ملتقيات الفكر الإسلامي” التنويرية الوسطية ، التي خسرتها الجزائر و ما زالت تنزف روحيا من بركاتها، فرد علي الوزير محمد عيسى بنبرة واثقة أمام القنصل الجزائري في جدة، ” ستسمع أخبار  تسرّك قريبا، وستعود ملتقيات الفكر الإسلامي لرسالتها الوسطية التنويرية، إن لم يزحني بوتفليقة من الوزارة بعد أشهر مع التغيير الحكومي المقبل”، لكن مرت أشهر و أشهر، بل مرت سنوات و سنوات و الدكتور محمد عيسى متقوقع في كرسيه بالوزارة، وأقبر بالتالي مشروع عودة “ملتقيات الفكر الإسلامي ” ..

 و أخيرا ، ومنذ أشهر فقط، حدثني أحد إطارات الوزارة المعنية في الموضوع، قائلا لي “عودة ملتقيات الفكر الإسلامي – التي في نفسك-  تنتظر عودة المهدي المنتظر ليرد لها روحها، و ها قد جاء المهدي المنتظر( الدكتور يوسف بلمهدي )”، الذي يزعم هو أيضا أنه رضع من لبن بقرة ” مالك بن نبي” مؤسس الملتقى.. مضت أشهر و أشهر اليوم من استوزار الدكتور بالمهدي،  و بيت لقمان ما زالت على حالها، و يبدو أن قرار منع عودة “ملتقيات الفكر الإسلامي” من عدمها يأتي من وراء البحار في الضفة الأخرى للمتوسط، كما أتخذ  قبله أو معه ” مشروع وأد تعميم التعريب”، و بالتالي ستبقى وصمة عار في جبين الحكومات الجزائرية المتعاقبة مهما كانت علاقتهم بالدين والوطن، وستكتب في أرشيف تاريخها، أن منع و مصادرة “ملتقيات الفكر الإسلامي” ظلم  صريح للإسلام في أرض الشهداء  وخيانة  لفكر مؤسسيها و تضحياتهم و ازدراء لحق الشعب الجزائري، في  طلب العلم يحاسبهم عليه العباد يوما ما،  كما يحاسبهم رب العباد، يوم لا ينفع مال و لابنون إلا من أتى الله بقلب سليم.  

لا لشيء، إلا لأن، “ملتقيات الفكر الإسلامي “حدثٌ علمي وفكري وثقافي عالمي  كبير، كانت قد عاشته الجزائر على مدار نحو ربُع قرن تقريبا، من أواخر  سنة 1967 إلى سنة 1990 كانت الجزائر خلالها أقرب إلى أن تكون “عاصمة عالمية  للثقافة الإسلامية”، يقصدها العلماء الأعلام من كل أقطار الدنيا: من دول المشرق الإسلامي ومغربه، ومن  دول أوروبا وأمريكا، مسلمين: من مشارب فكرية وإيديولوجية ومذهبية متنوعة مختلفة، وغير مسلمين أيضا من أعلام العلم والفكر والثقافة.

يشهد القاصي والداني أن تلك الملتقيات المسماة “ملتقيات التعرّف على الفكر الإسلامي” كانت جامعة متنقلة، تقدّم للمئات ممن يحضرونها من أساتذة وطلبة جامعات وتلاميذ الثانويات، وللآلاف الذين يتابعونها من بعيد، خلاصات الفكر الصحيح، وتعلمّهم الحدّ المطلوب مما يُسمى “الثقافة الذاتية” وهي القدر اللازم مما ينبغي أن لا يجهله كل مسلم ومسلمة من دينه وحضارته وتاريخه، كما تدرّبهم على أصول التحاور والنقاش والجدل أحيانا..

ويمكن أن يشهد على ذلك الألوف ممن “تتلمذوا” وتعلمّوا بشكل أو بآخر في ذلك المنتدى العلمي المعرفي الوارف الظلال، وقد صاروا جميعا، اليوم إطاراتٍ عليا في مواقع متنوعة، في الداخل و الخارج،  في حقول العلم والفكر، والإدارة والتسيير..

إذ كانت ملتقيات الفكر الإسلامي  – بالنسبة لهؤلاء الحضور، كما وصفها استاذنا حسن خليفة – أقرب إلى أن تكون تربّصا علميا ثقافيا مفتوحا مدة أسبوع، يستمعون فيه إلى عشرات المحاضرات والمداخلات، ويستمعون أيضا إلى عشرات المناقشات والتعقيبات عن كل محاضرة ومداخلة… محاضرات لذوي العقول الكبيرة الوازنة، وذوي العلم الغزير النافع المتدفق من علماء وأساتذة وخُبراء ومستشارين في الفكر الإسلامي والفكر الإنساني، فيتعلّمون ويتمرّنون، بكل ما يعينهم على صقل ذواتهم وشحذ شخصياتهم وتطوير أنفسهم، وفق ثوابت الوطن.

ينبغي التأكيدُ هنا على أمر أساسي وهو أن تلك الملتقيات كانت كسبا خالصا للجزائر حكومة و شعبا، على أكثر من مستوى، وفي أكثر من مجال، ولنستعرض بعضا من ذلك، مما ذكره الدكتور حسن خليفة- حفظه الله:

ـ خسرت الجزائر، دولة وحكومة وشعبا الكثير بـ”توقيف” تلك الملتقيات الجليلة والجميلة، خسرت الدعاية الإيجابية لنفسها، وخسرت تسويق صورتها الرفيعة المشرقة في خدمة الفكر الإنساني

– – خسرت الجزائر ريادة وقيادة فكرية ثقافية على مستوى العالمين الإسلامي والعربي؛ إذ كانت تجتمع فيها مئاتُ العقول الكبيرة العالمة، من أقطار شتى، وكان ذلك يمنحها قوة تأثير هائلة، فتكون قاطرة خير ودولة  مبادرات عالمية في فضِّ النزاعات، وحلِّ الخلافات بين الأشقاء والأصدقاء، ويمنحها ـ بفضل الله تعالى أولاـ ثم بفضل تلك النخبة من العلماء وحضورهم الدائم وصداقتهم ومعرفتهم بالجزائر.. يمنحها السّبق في أن تكون دولة ريادة في بسط النفوذ الناعم على عواصم ودول شقيقة وصديقة

ـ وهناك خسارات أخرى، لو استمرت تلك الملتقيات لتركَّز الفهم الصحيح للإسلام في النفوس والعقول، ونشأت أجيالٌ وأجيال على المعرفة الحقيقية  للإسلام من أصوله وأفواه علمائه الأصفياء الراشدين، وما كان ليحدث ما حدث من فتن واحتراب، في العشرية السوداء ..

ـ كان في إمكان الجزائر بفضل تلك الملتقيات العالمية الرائدة  أن تكون وسيطا ناعما قويا بين الفرقاء المتخالفين. وما يحدث اليوم في العالمين العربي والإسلامي: إيران ـ السعودية ـ دول الخليج ـ العراق، سوريا- اليمن- ليبيا – مصر- … لو حرصت الجزائر على بناء “سمعة” دولية من خلال العلماء لأمكن لها الضغط بالعلماء والشعوب التي تحب العلماء ولحققت الكثير من الكسب في ديار الإسلام…

فانظر إلى هذه المكاسب التي قتلها إيقاف الخير العميم في تلك الملتقيات. وأعظمها خدمة الدين وطلب مرضاة الله تعالى، وهو أعظم ما يقدمه الإنسان فردا وجماعة ودولة لله تعالى سبحانه و تعالى .. ولله الأمر من قبل ومن بعدُ.

محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق