حوارات

الكاتب خالد سعدودي في حوار ل”التحرير”: الكثير ممّن يودّ أن يؤلِّف اليوم يبحث عن نفسه في التأليف

خالد سعدودي يسكن ببرج اخريص ولاية البويرة،  يبلغ من العمر 25سنة ، متحصل على بكالوريا علوم تجريبية ، متخرج من المدرسة العليا للأساتذة بوزريعة ، أستاذ ثانوي لغة عربية ، منشّط ملتقيات وطنية.. متحصل على عدة جوائز في الإلقاء : النثر والشعر.. مؤلف كتاب : حبر يتألم ..شارك في معرض سيلا 2019    ، مشترك في العديد من الجمعيات الثقافية أبرزها: جمعية النخبة الوطنية للتواصل الشبابي ..  ..

التحرير:متى بدأتِ الكتابة، وما الذي دفعك إليها ،  وما هي العوامل التي أسهمت في إبراز موهبتك ؟

الكتابة شغفي مذ الصغر ، وبالأخص في المتوسط ..كانت أستاذة اللغة العربية تطرح سؤالا في آخر الحصة بمثابة ملخص للدّرس أو سؤالا عاما ،كنت حينها أجيب بصفحتين خلال بضع دقائق فقط حتى أنها شككت يوما في إجابتي وقالت إنك تحضرها معك ..ومع الوقت اتضح لها أني أحرّرها آنياّ ..ولعل أهم سبب دفعني للكتابة ولعي باللغة العربية وحبي لها بشكل غريب جدا حتى أني كنت أمارسها في الواقع المعيش .

أهم العوامل التي أسهمت في إبراز موهبتي في الكتابة هي :

قراءتي لبعض الروايات التي تم اقتناؤها من المعرض ومستواها شجعني كثيرا لأكون كاتبا ..، اختياري لتخصص اللغة العربية كان له دور كبير في إيماني بموهبتي في الكتابة .. مشاركتي في المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة في العديد من المسابقات النثرية والشعرية وإعجاب الجمهور بما أكتب وكيفية إلقائي كان له دور كبير في صقل الموهبة .. الكتابة متنفسي حين الغضب ولعل هذا أهم عامل ، أضف إلى ذلك تأثري بالناس والكتابة على ألسنتهم لأن في اعتقادي من لا يستطيع أن يعبر على ألسنة الناس ليس بكاتب..

ما هي طقوس الكتابة لديك ،ظروفها , زمنها و سياقاتها ؟

طقوس الكتابة لدي تتغير حسب الموقف ، المزاج ، الوضع .. لا أقول إن كتاباتي مناسباتية ، لكن حسب الظروف الراهنة ، طبعا كتاباتي شملت مختلف المجالات بين تاريخ وأدب وسياسية بطريقتي ..وفلسفة ، وفي العديد من الأحيان أحاول ترويض اللغة حسب ما أود، فأنسج من الرياضيات لوحة تغذي الأدب ومن الفيزياء أرضية للحب ومن التاريخ ملعبا للذاكرة، فهذه الأخيرة لا تحفظ إلا الذكريات السيئة ..

ظروفها : أكتب في حزني ما يعكس تفاؤلي، أكتب في غضبي ما يروّج لسعادتي، أكتب في ألمي ما يحيك أملي ..وهكذا دواليك ..احاول دائما التعبير على لساني وألسنة من هم حولي ..

اكثر زمن أكتب فيه : في الحقيقة لست مقيّدا بزمن، أكتب متى أشاء حسب الموقف ، لكن أكثر زمن أحب الكتابة فيه آخر الليل حين ينام الكل وتسود السكينة المكان ..ناهيك عن حافلات الطلبة تحت طي الضجيج، أضع سمّاعتي وأشرع في الكتابة .

أمّا عن سياق كتابتي : أكتب حسب خلفيَّتي واعتقادي ..في شكل جنس يمزج بين الخاطرة والرواية والقصة القصيرة ..صحيح أن دقة اللفظ مهمة جدا لأن المعاني مرمية في الطريق حسب قول الجاحظ ، ولكن أحيانا يكون المعنى أهم إذا لم يُتداول من قبل .

التحرير:صدرت لك مجموعة  ” حبر يتألم ”  عن دار نشر يوتوبيا ، حسب العنوان يبدو لديك رؤية خاصة ،حدثنا عن هذا المنجز المثير للاهتمام ؟

كتاب “حبر يتألم ” هو مجموعة من النصوص المختلفة تعالج قضايا متنوعة ، يحوي 26عنوانا ، كل عنوان يحمل في طياته رواية قصيرة يمكن أن يتم توسيعها إلى رواية عادية ، وعلى سبيل المثال عنوان : وما ذنب الرّياح ، أوصتني أميّ ، حلم تشبّث برصاصة  ، لأنه أحبها بصدق ، خفقان قلب ، أمّآه .. والعديد من العناوين ..ويبقى للقارئ طبعا حق النقد حسب ثقافته وإيديولوجيتة وتطلعاته..

التحرير:وما هو مدلول هذه التسميّة عندك ؟ وكم كانت ذاتك حاضرة فيها ؟

مدلول التسمية عندي : “حبر يتألم” سأصدقك  القول إنه لم يكن العنوان الأول لهذا الكتاب ، أخذت وقتا مطولا في انتقاء العنوان ثم اهتديت لهذا العنوان حسب ما ورد في الكتاب .. العنوان يعكس ما بداخل الدفتين ..لأن أكثر من يتألم “القلب ” أعتقد أن الحبر عكس القلب تماما ..لأنه من يفشي الخواطر.. كدلالة عمّ يستنزفه الكاتب من خلال قلمه أو بالأحرى من خلال حبره..

اختياري لهذا العنوان لم يكن عبثا وإنما نتاج اطلاع على اللغة العربية، لذلك جعلته جملة اسمية دالة على الثبات مما يعكس قوة الكاتب أو القارئ ..وفتحت المجال من الجهة الأخرى “يتألم: لأن الألم لم ولا ولن يتوقف ..وصيغة يتفعل تدل على الاستمرار ..

التحرير:نلحظ في مجموعتك بأنها تتميّز بأسلوبها الخاص المتفرّد في صياغة الجملة القصصيّة القصيرة، والتي تعتمد على الفعل والحركة وعلى التكثيف والإيجاز في اللغة ، كما تمتاز معظم قصصها باللغة والصور الشعريّة دون ابتعاد عن متعة السرد القصصيّ، برأيك، ما هو الجديد الذي يميّزها عن بقية الأعمال الإبداعيّة ؟

لم تكن ذاتي حاضرة بشكل كبير ، القارئ هو من كنتُ أستلهم منه خياطة الحروف ، لأني كتبت أمله وألمه ، كتبت حزنه وبهجته ، كتبت تفاؤله واستياءه ..وهكذا دواليك وحاولت أن أحافظ على لباقة الكلمات ورقيّها ..لأني لا أحب رفع الصوت بقدر ما أحب رفع حجم الكلمة المكتوبة

فيما يخص الجديد في كتاباتي والذي يميزها عن باقي الأعمال الأدبية : في الحقيقة كلّ وأسلوبَه في الكتابة ، أنا من الناس الذين ينقدون كتاباتهم بشدة لذلك لا أنتج نصا إلا بعد تمحيص ..وفوق هذا أنا ممن يحبون مجادلة الورقة البيضاء أثناء  الكتابة ، لعل الجمع بين الأجناس ميزة تخص ما أدون، لعلّ الإيجاز وترك مساحة للقارئ ليستكشف  شفرات ما أكتب ، لعل مشاركة القارئ من بداية تدوين هذا الكتاب ما يميز كتاباتي ..

في الحقيقة كتاباتي بسيطة وليست سهلة ، تحتاج إلى تفكير عميق ، طبعا هذا ليس دائما ، وفوق هذا ؛ هذا رأي الكاتب وأكيد الرأي  الأجدر بالمتابعة هو رأي القارئ .

التحرير:ما هي القضيّة الرئيسيّة عند خالد والتي يعالجها داخل نصوصه السردية  ؟

– القضية الرئيسية في نصوصي السردية : أعتقد أني في كل نص أحاول أن أعرج إلى قضية يفهمها الناس فهمهم الخاص ، وأحاول أن أُدلي بوجهة نظري حسب خلفيتي واعتقادي ..لا أقول أن القضايا التي خضت فيها جديدة ، لكن ما تحويه اعتبره جديدا بالنسبة لي ، لأنه يغلب على كتابتي أسلوب التهكم والسخرية بطريقة لبقة جدا ..وهذا ما يميز معاملتي مع الناس حسب رأيي .. ولعل أهم شيء هو الجمع بين الأجناس الأدبية لمحاولة تمرير رسالة ، لأن كل التخصصات مكملة لبعضها البعض، وهذا ما رأيته من خلال دراستي للتخصص العلمي والأدبي ..وطبعا يبقى القارئ سيد كتابتي ..

التحرير:كيف تبدو لك لحظة الكتابة، وماذا تقول عنها؟

لحظة الكتابة مهمة جدا بالنسبة للكاتب ، قد يعتقد البعض أن الكتابة أمر هيّن، وطبعا الحكم عن الشيء فرع عن تصوره أو مثلما قال لوبون : المعرفة التي تعرفها هي حدود عالمك ،

الكتابة تحتاج إلى ظروف عديدة مساعدة حسب مزاج الكاتب ، لا يمكن أن نعمّم ظروفا معينة لأن التعميم لغة الأحمق ، لكن لديها نشوة خاصة لإفراغ الكثير من الآلام ..محاورة الورقة سر لا يعرفه إلا من اعتاد على ذلك ، أهم الشيء في كل أمر تود الخوض فيه البداية .

الكثير ممّن يود أن يؤلف اليوم يبحث عن نفسه في التأليف.. تصلني العديد من الأسئلة حول كيف ألّفت ؟ متى بدأت ؟ كيف حقق كتابك النجاح ؟ هل كنت تخاف من عزوف القراء عن اقتناء كتابك ؟

في الحقيقة لم أكن أفكر بهذا مطلقا .أهم شيء كنت أفكر به : كيف أجعل من حروفي آلة تطرب الأذن و تريح النفس وتلهم العقل  وتُيسر الكتابة  لمن أراد ذلك.

ولعل أهم أرضية يبدأ بها الكاتب الأسلوب الخاص والقراءة، الكثير من  المؤلفين الأكثر جودة والأدنى من ذلك

التحرير:ما الذي تريده من الكتابة ، وبماذا تحلم ، وماذا عن تصوّرك للمستقبل ؟

الذي أريده من الكتابة هو تصويب بعض الأفكار الخاطئة التي تروج في المجتمع ونذكر على سبيل المثال ” الحب ” هذا المصطلح أخذ حيزا خاطئا في المجتمع باعتبار ماهو كائن وليس باعتبار  ما يجب أن يكون ، حتى صار الواحد منا يخجل من قول هذه الكلمة لأمه، لأبيه ، والمشكلة أننّآ ربطناه بالماديات ، مثلا ليعرف الطفل أن أباه يحبه ينبغي أن يشتري له لعبة لتعرف الزوجة أن زوجها يحبها يشتري لها قطعة من الذهب أو شيء من هذا .. .. الحب أعمق بكثير من هذا وإن تم ربطه بالماديات فإنه سيذبل.. لأنه سيزول بزوال هذه الماديات ..

في الحقيقة أحلامي كبيرة جدا ، لا أسميها أحلاما لأن الحلم لا يتحقق وإنما طموحاتي كبيرة واعتقد اني سأصلها بإذن المولى .. ولعل أهم طموح أن يذيع صيت كتاباتي في العالم العربي ويتم ترجمتها . أما عن تصوري للمستقبل : بالنسبة لي كانت آخر جملة في كتاب “حبر يتألم “آه على نقطة تضع حدا لكلامنا ولعل الكلام المتبقي والمحذوف ما أكثره ..لذلك هدية للقراء : ترقبونا في القريب العاجل من خلال إصدارات جديدة بإذن المولى تبارك وتعالى..

أما عن الكتابة فأعتقد أن النقاد هم من يجعلون الكتابة في الطريق السوي …

لست متفائلا كثيرا بمستقبل الكتابة لأن المؤطرين قليلو العدد ..والمشكلة غياب الهيئة المسؤولة على قَبول الأعمال الأدبية من رفضها .. لترتقي الكتابة .

أضف إلى ذلك العاطفة الجياشة التي تغلب علينا ..في الكتابة ينبغي الموضوعية التامة إذا أردنا  أن نرتقي بالكتابة ..

التحرير:حَدِّثنا عنِ النَّشر عمومًا؛ على نفقتكِ الـخاصَّة… وهلِ التزم النَّاشرون بالتَّوزيع؟

النشر في الجزائر صعب جدا ..يستوجب من الكاتب نفسا عميقا ليستطيع تأليف ولو مجرد أقصوصة .. الأمر الأول: عدم الالتزام بالمواعيد.. وأنت تعلم سيدي الفاضل ولع الكاتب لمؤلفه الأول…لكن حينما يجد التقاعس من دور النشر يسأم ويرمي بكل أوراقه.. الأمر الثاني : الأخطاء اللغوية : الكثير من دور النشر تعتمد مدققين لغويين لكن حينما تقرأ المؤلفات تجد هذه الأخطاء مما يفتح نقطة تساؤل : هل يتم توظيف المدققين اللغويين حسب الكفاءة ؟

ثالثا : النفقة الخاصة بأسعار باهظة صراحة .. هذا الكلام عامة أما عن نفسي، في الحقيقة دار النشر بمجرد اتصالي بالمدير التنفيذي للدار تم قبول عملي طبعا بعد اطلاع لجنة معينة عليه ..وتمت الموافقة في شكل عقد بيني وبين الدار.. في الحقيقة حدث تأخر في طبع الكتاب خاصة أنه دخل في اليوم الأخير من المعرض بكمية محدودة نفدت في دقائق ..لكثرة الطلب عليه ..ولعل أهم سبب هو عدم ملكية الدار لمطابع خاصة ..أي مشكلة ستؤخر طبع الكتاب .. أما الآن فنحن في انتظار الطبعة الثانية بعد زوال هذا الوباء بإذن الله .. لأن الأولى نفدت ..

التحرير:هلْ تُدافع في كتاباتك وقصصكِ عن أفكاركِ؟

ليس دائما ..

في أغلب الأحيان أدافع عن أفكاري إذا كانت صائبة طبعا ، أما إذا كانت خاطئة، نعمل على تصحيحها وتصويبها .. ليس عيبا أن نخطئ لكن العيب أن نصر على الخطأ .. الكاتب ينبغي أن يكون متفتحا .. قابلا للنقد والنقاش ، الاختلاف رحمة مالم يولّد خلافا حسب كاتب  أعرفه ، لأنه لطالما يردّده . الكتابة فكرة خاصة ننطلق منها ، إما أن ندعمها أو ننقدها بفكرة أخرى أبلغ منها ..

التحرير:كلمة أخيرة للقراء والجريدة ؟

تقصد كلمة لي قبلهم بحكم أني من محبي القراءة ..

أنا أقر لهم بشيء ” إذا أترف الجسد تعقدت الروح ” كما جاء على لسان أحدهم..

مثلما يحتاج الجسم الأكل والشرب يحتاج إلى القراءة ليشبع فكره ، كلما تنوعت ثقافة القارئ اتضحت لديه الكثير من الرؤى … أحيانا ينبغي أن تقرأ الأعمال الأدبية القوية وغير القوية لتعرف موطن القوة من الضعف : عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الخير من الشر يقع فيه ..لكن القراءة لا شرًّ فيها .. .. بالعكس تماما ..تجعلك تفهم العديد من الإيديولوجيات الحضارية ، تجعلك تفهم سكة العالم التي يسير عليها.. ولا تعتمد عما يقال، هذا كتاب جيد وهذا رديء ، كن أنت الحَكَم من خلال قراءتك المتأنية لأي مؤلف .. وطبعا الاطلاع على آراء النقاد .. ولا بأس بقراءة مختلف الكتب بمختلف اللغات لأن اللغة تكشف نوع الحضارة ، توجه فكر أمة معينة ..جميل أن ينوع القارئ بين أدب عربي وإنجليزي وروسي وفرنسي…وغير ذلك ..حتى وإن كانت الترجمة تخفي العديد من الجماليات ..ولعل الرافعي من أجمل من قرأت لهم أنا كقامة في الأدب العربي .. .. أما عن الجريدة ، فأرجو لها كل التوفيق عمالا وإدارة  ، خاصة من خلال تخصيصها  مساحة للموهوبين  ما يدل على اهتمامها بالجانب الثقافي وغيره .. كل الشكر موصول لك على أسئلتك التي حقيقة تنِمّ عن صحفي بارع بامتياز..

شكرا جزيلا لكم جميعا …

بقلم / أ . لخضر . بن يوسف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق