ثقافة و أدب

طفولة جيلنا قاسية جدا لدرجة أننا ولدنا فيها كبارا بـ”شلاغم” الجوع

الأديب و الإعلامي محمد زتيلي.. يفتح قلبه للقراء و يكشف:

طفولة جيلنا قاسية جدا لدرجة أننا ولدنا فيها كبارا بـ”شلاغم” الجوع

  • الكاتب مؤسسة والكتابة مسؤولية وموقف

شرع الأديب محمد زتيلي في كتابة “مذكراته” يدوّن فيها مسيرته النضالية في مجال الإعلام و الإبداع، و كيف سعى إلى خلق ثقافة جزائرية أصيلة، و يأمل محمد زتيلي أن تطبع الأعمال الجزائرية من مسرحيات وروايات لاسيما أعمال الأديب مصطفى نطور التي قال أنها لم تنل القدر الكافي من الترويج و أعمال شعراء من جيله على غرار مسعود حديبي، ارزقي ديداني، الطيب طواهرية، و محمد زتيلي كما يقول عنه محمد ثلجي مدير الاتصال والبحث بالمكتبة الوطنية الجزائرية معروف بمواقفه الجريئة في قضايا ثقافية وطنية سجلها التاريخ، حيث لم تؤثر فيه المكاتب والمسؤوليات الإدارية الثقافية على منتوجه الأدبي والفني، و هو بذلك يستحق ان يحمل صفة المثقف المناضل

 في ندوة افتراضية نظمتها مكتبة المطالعة العمومية ببلدية عين فكرون ولاية أم البواقي على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحدت الوضع الصحي  جراء انتشار الوباء ، يكشف الكاتب و الإعلامي محمد زتيلي  الكثير من الأسرار و المواقف ، و عالج مشاكل الثقافة بصفة عامة، إذ يري أن الثقافة مفهوم واسع و لا تنحصر في الشعر والرواية والمسرح والفن التشكيلي و ما إلى ذلك، أي ألوان إبداعية  مفصولة بعضها عن بعض، بل هي كل متكامل، لكن المؤسف له كما يضيف هو أننا  لم نعط لفعل القراءة والكتاب الشروط المهنية اللازمة و كذلك الفنون التي توجد ورشاتها في دور الثقافة ولكن دون تجهيزات و وسائل وتكوين حديث بما في ذلك ورشات اللغات الحية، لهذا تجد المسؤولين يعانون بين واجب أداء الورشات وبين انعدام الوسائل، أما الأنشطة الثقافية فما زلنا لم نبتكر طرقا جديدة لأدائها، فمثلا ندعو شاعر موهوبا ونطلب منه الصعود الي المنصة ليقرأ هكذا المسكين أعزل من كل سلاح في مواجهة المستمعين، سلاحه الوحيد صوته، وهذا خطأ مازلنا نعمل كأننا في سوق عكاظ، ونفس الشيء للمحاضر وغيرهما، دون التفكير في إدخال تقنيات سمعية بصرية موسيقية تشويقية ومسرحية أيضا،  ففن وجهة نظره المسرح و الشعر هي فنون إلقاء متداخلة ، دون أن ينسى دور المنشط، وجب عليه أن يكون ذا موهبة وتكوين .

فمن هو محمد زتيلي؟

محمد زتيلي شاعر و روائي و كاتب و إعلامي بارز ، من مواليد جانفي 1952 بمدينة العنصر دائرة الميلية ولاية جيجل ، تربى على حفظ القرآن على يد والده الشيخ صالح في القرية ثم في قسنطينة ، و كما يقول هو نشأ  نشأة كلاسيكية ، انتسب لجمعية الإصلاح الأخلاقي ليتدرب و يصبح  من الوعاظ والمرشدين والأئمة كان ذلك بين 1966و1970، عرف بكتاباته الجريئة، و منها سلط الضوء على القضايا المتعلقة بالتحرر و الحداثة و حرية الرأي و التعبير، فعرف بالمثقف المناضل،  فكان له حضورا فاعلا  في المشهد الإعلامي و الثقافي و مكنته تجربته الواسعة في إدارة المؤسسات الثقافية، و منها استطاع أن يحتجز له مكانا خاصا في الساحة الإبداعية ، من  عضو  في اتحاد الكتاب الجزائريين  و مسؤول المكتب الجهوي لاتحاد الكتاب والصحفيين من 1981 إلى 1990، إلى عضو منتخب في المجلس الأعلى للإعلام من 2001 إلى 2005، ثم عضو هيئة تحرير مجلة أمال لوزارة الثقافة .

 و يعتبر محمد زتيلي من مؤسسي أول جريدة مستقلة في الجزائر رفقة الكاتب و الصحفي مصطفى نطور، صدرت في أكتوبر 1990، مدير تحرير جهوي على مستوى الشرق لجريدة الخبر 1998/2003، كما تولى مسؤوليات عديدة منها: عضو مؤسس ملتقى محمد العيد آل خليفة 1981 ببسكرة ، عضومؤسس ملتقى الرواية بقسنطينة عام 1984 ، عضومؤسس ملتقى مالك حداد الشعري بقسنطينة 1979 ، و بداية من 2008 أسس محمد زتيلي نادي فكر وفن بقسنطينة قبل أن ينقل إلى سطيف، كما أحيا نادي المزهر المرحي الذي أسسه الشهيد أحمد رضا حوحو عام 1946 وظل ينعقد لفترة طويلة وحقق صدى إعلاميا كبيرا والتف حوله الفنانون ورجالات المسرح والثقافة واستضاف وكرم وجوها بارزة تكرم لأول مرة،  أما إداريا تم تعيينه في سنة 2003 على رأس مديرية الثقافة لولاية قسنطينة ، ثم مدير الثقافة لولاية سطيف و ذلك  في الفترة بين  2007 إلى غاية 2010، عين بعدها مديرا للثقافة بولاية ميلة عام 2011، ثم مستشارا لوزيرة الثقافة من ماي 2013  إلى ماي 2017 و هي السنة التي عين فيها مديرا لمسرح قسنظينة الجهوي  وفيها تم الانقلاب عليه عندما أطلق اسم محمد الطاهر الفرقاني على مسرح قسنطينة، و أبدى موقفه رفقة  فنانين و ممثلين مسرحيين.

محمد زتيلي من قارئ لطه حسين إلي نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم

 يتحدث محمد زتيلي عن نفسه، و لأول مرة يستعمل اللغة الذاتية ( لغة الأنا) بأنه  ينتمي إلى جيل لم يكن فيه الكتاب متوفرا بالشكل الذي نراه اليوم و لم تكن توجد مكتبات، كما هو الحال في الثمانينيات أو كما هو اليوم  وحتي الكتاب الذي كان في السوق كان ثمنه مرتفعا أمام ظروف المعيشة الصعبة ساد فيها الفقر، كان والده  محبا للقراءة ، فأراد أن يزرع في قلب ابنه هذا الحب ، يذكر أن حصل له عام 1966/1967 على كتب لطه حسين و هو حديث الأربعاء بالكريدي أي بالتقسيط ومعهم ديوان الشنفري الذي فرض على الطلبة في المرحلة الإكمالية بمعهد عبد الحميد بن باديس بنهج طاطاش بلقاسم،  ويذكر ان الشاعر مدير الثقافة الحالي لولاية عنابة كان تلميذا بنفس الاكمالية، وقد أرسل له رسالة يقول له مذ رأيت في يدك ديوان الشنفري أحسست بأنه لابد أن نكون أصدقاء، الملاحظ أن محمد زتيلي فتح ذهنه على قراءة كتابات المشارقة كجبران خليل جبران والمنفلوطي وأدباء النهضة في مصر ولبنان والعراق وكل المشرق وكذلك محمد بلقاسم خمار والسائحي الأخضر ومفدي زكريا ومحمد العيد وفيما بعد ترجمات مالك حداد ، و في المرحلة الجامعية خرج الي الكتابات والكتاب المعاصرين ، يكشف محمد زتيلي أنه في عام  1970 وجد صعوبة كبيرة في قراءة نجيب محفوظ و يوضح أنه ليس سهلا أن تنتقل من طه حسين الي نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.

من أعماله التي صدرت في الثمانينيات: الأكواخ تحترق رواية صدرت في طبعتين ،  فصول الحب والتحول ، الضفدعة والمطر قصة للأطفال ،  فواصل في الحركة الأدبية والفكرية الجزائرية – عودة حمار الحكيم محاورات حرة مع حمار حر نصوص ساخرة الكتاب الأول والثاني “1985ثم في سنة 2007، إضافة إلى الأعمال الشعرية  صدرت له منها  04 مجموعات ، وله تحت الطبع كتب عديدة منها قصص للأطفال، فعن كتاب اللصوص المحترمون يقول محمد زتيلي أنه كان سبقا سياسيا أدبيا لما نعيشه اليوم مع العصابة  سياسيا من حيث غياب العدالة والظلم وتفشي ظواهر اجتماعية سياسية شبيهة بالخرافات ، كان بمثابة علاج و تطهير عقلي و يدخل ضمن الكتابات الساخرة كما في حمار الحكيم و لا أحد من الإعلاميين أو النقاد أو الدارسين انتبه إلي ذلك .

الفعل الثقافي كان ومازال مرتبطا بالسياسة

سأله الأديب إدريس بوديبة عن تجربته الإبداعية  التي ساهمت في تشكيل وعيه الفكري والفني، والمتون الأساسية التي صنعت هذا المثقف المتشبع بالقراءات المتعددة قديمها وحديثها والمتماسك في تكوينه ومواقفه ورؤيته للعالم، فكان رده كالتالي: لقد عشنا في قسنطينة طفولتنا البائسة المؤثثة بالفقر  وكان أول عنصر لعب دوره كما أظن في تشكيل وعي جيلنا هو البؤس والفقر والحرمان والضياع، أنت تعرف ياصديقي عمق هذه الكلمات التي قد تعني اليوم دلالات أخري غير دلالة الحاجة إلي الأكل والخبز، هذه الوضعية التي كان عليها أغلبية الجزائريين عشية طرد الاستعمار ، ولهذا كانت “طفولة جيلنا قاسية إلي الدرجة التي جعلتنا نولد كبارا بشلاغم الجوع ” وقد قلت في جملة في قصيدة منشورة : “يعذبني الانتماء لقائمة الفقراء” أما المؤثرات الأخرى وهي أيضا مشتركة لدى جيلنا فهي التكوين الديني فقد حفظت صغيرا شطرا من القرآن الكريم علي يد والدي في كتاب القرية أما القراءات فقد ذكرتها في اجابة سابقة،. تسألني عن لحظات مشتركة عشناها بقلب واحد، أحتاج إلي كتاب لأشبع ذاكرتي وهي كالحنين والشعر والعشق والمغامرات ، وسوف يأتي ذكرها في سيرتي التي كتبت منها حوالي عشرة آلاف كلمة.

و في رده على سؤال علي بوزوالغ مدير الثقافة بأم البواقي حول مدينة قسنطينة يقول محمد زتيلي أن لغته الشاعرية فجرت بأعماقه خزانا من العواطف والأحاسيس التي يحب أن يقاسمها معه و من خلاله الي المثقفين و الكتاب  المبدعين ، فعندما  عرض عليه منصب مدير مركزي للآداب والفنون بداية 2003 رفض لأسباب شخصية،  بشهور قبل أن يكون مديرا للثقافة لولاية قسنطينة، كانت له وقفة مع الذات ليصف المدينة  كيف كانت و كيف أمست و هو يقف على الأطلال بدءًا من الحي الذي تربى فيه و هو حي الأربعين شريفا وفيه تقع مدرسة التربية والتعليم التي أقام فيها الشيخ  ابن باديس بعد خروجه عن العائلة و مدرسة النهضة التي درس فيها المرحلة الابتدائية، و مطبعة بوشمال التي تطبع فيها مجلات وصحف الجمعية ، منازل متراكمة حجارتها ودكاكين خرساء ومدارس انهارت يضيف أن قسنطينة اليوم في الواقع لم تعد سوي في الذاكرة .

في رده على سؤال محمد ثلجي  مدير الاتصال والبحث بالمكتبة الوطنية الجزائرية حول الجدلية الجديدة القديمة حول من الأجدر بتولي مسؤولية تسيير الهياكل الثقافية، المثقف أم الإداري، يرى الأديب محمد زتيلي أن هناك نوعين من المسيّرين في قطاع الثقافة: النوع الأول الإداري الذي لا يربطه بالثقافة سوي المرتب والمكتب أو المنصب، و قد يعاديها، والنوع الثاني هو الشاعر أو الفنان او القاص أو الموسيقي أو مهندس الترميم الذي لا علاقة له بالمكاتب ولغة الإدارة وفنيات وقوانين التسيير، وهذا النوع لا يفيد إلا قليلا ، لأنه يريد أن يحرك الأمور ولا يعرف إدارتها أي تسييرها وفق القانون والمحيط، ولهذا وجب أن يكون مسير الثقافة يتمتع بشخصية خاصة تتمتع بالمعرفة الإدارية والمواهب المختلفة والعلاقات الإنسانية والبشرية السلسلة والمؤثرة ‘ وهذا النوع لا يكتشف سوي بالتكوين والمرافقة والترقية والدعم.

في رده على سؤال التحرير  حول تراجع الفعل الثقافي في ولاية قسنطينة ، يقول الأستاذ محمد زتيلي إن الفعل الثقافي كان و مازال مرتبطا بالسياسة ونظرة السلطة إلي الممارسة الثقافية ،لكن هناك ملاحظة وهي أن الممارسات الثقافية للمؤسسات ليست متشابهة حسب الأشخاص، إذ هناك من يتقرب من السلطة علي حساب المضمون، وهؤلاء ظلوا عالة في الماضي والحاضر والسلطة تشجعهم وترقيهم لأنها وسيلتها في تنفيذ مشروعها، أما دور الثقافة فليست متشابهة ففي الولايات الأخرى هناك مبادرات وإرادة ، ثم أن المحيط العام يتابع ويراقب ويرسل تقارير إلي السلطات مما يجعل الموظفين غير نائمين كما في الولايات التي سلمت مفاتيح الثقافة للمجهول،  و أشار بالقول أن المؤسسات منذ الحراك الشعبي ستعرف ثورة  لولا أن  ظاهرة الوباء (كوفيد  19)  عطلت الأمور وسوف لن يبقى كسول جاهل متواطئ دخيل.

متابعة علجية عيش

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق