ثقافة و أدب

معارج الأرواح ومقامات الأفراح في رحاب رمضان

سهرات افتراضية بالمسرح الجهوي بالعلمة

معارج الأرواح ومقامات الأفراح في رحاب رمضان

  • الصورة المشهدية في الحديث النبوي ، برنامج افتراضي وإعلامي ريادي

واصل الدكتور خلوف مفتاح منذ بداية شهر رمضان في تجسيد برنامج سهرات رمضانية عن بعد عبر صفحة المسرح الجهوي بالعلمة سطيف بالفيسبوك بمجموعة من المحاضرات ، البرنامج الافتراضي أملته الظروف المعيشة حاليا في ظلّ تفشي وباء كورونا الذي يقتضي تباعدا اجتماعيا و حجرا منزليا بكل ما تعنيه هذه المقاييس، إلا أنّ حاجة الجمهور للنشاط الثقافي و الفني تقتضي هي الأخرى مساهمة المسرح الجهوي بالعلمة بمجموعة من الفقرات الثقافية الرامية إلى تلبية الحاجة المعبر عنها من خلال بث مجموعة من المحاضرات المرتبطة بالفكر والثقافة والفن في بادرة تهدف إلى إثراء الرصيد الثقافي للمتتبعين و الجمهور الذي تعوّد التردّد على المسرح على مدار السنة.

 و كان الأستاذ الباحث خلوف قد افتتح البرنامج الافتراضي للمحاضرات الرمضانية في الأسبوع الأول من شهر رمضان أين استضاف الناقد المسرحي الأستاذ عبد الحميد ختالة من جامعة عباس لغرور خنشلة ، في إطار تفعيل الظاهرة الثقافية بالمنطقة ، بحيث كشف لنا أنّ الحصص المباشرة عبر صفحة الفايسبوك و المتعلقة بمختلف المحاضرات عن بعد خلال شهر رمضان ستتواصل إلى غاية نهاية الشهر لفائدة الأساتذة والباحثين والطلبة المهتمين ممن يقعدون هذه الأيام في بيوتهم تحت طائل الحجر المنزلي .

حصة العدد الثاني التي استضاف فيها ضيقا جديدا وهو الأستاذ سعادة لعلى من جامعة محمد خيضر ببسكرة ، وكان نقاش العدد حول الصورة المشهدية في الحديث النبوي الشريف ، مقدم الحصة خلوف قال بأن التصوير الفني الجمالي في الحديث النبوي الشريف يحتل مكانة بالغة الأهمية  لأن الأسلوب التصويري الفني هو جوهر الحديث الشريف ، وبؤرته الفنية والجمالية ، كما أن الحديث الشريف إبداع تصويري بليغ ، يسخر الصورة للتبليغ والتوصيل وفي التعبير والتشكيل والبناء من جهة ، والتأثير على المتلقي سلبا أو إيجابا من جهة أخرى ، بفضل آلياتها الفنية والجمالية ، فالأسلوب الفني الجمالي في السنة  له نطاق رحب وواسع ، ولا يحتكم إلى مقاييس البلاغة التقليدية ، بل يأتي في المرتبة الثانية بعد كتاب الله عز وجل ، لتعدد معاييره الجمالية والوصفية التي تستوجب آلياته التحليل في الفهم والتوصيف والتفسير.

ضيف العدد الدكتور سعادة  لعلى استشهد بالحديث النبوي ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم, يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً… )) رواه الترميذي ..

وركز على جملة – إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم – فكلمة فتنا جاءت بصيغة الجمع ومفردها فتنة ، ومعناها النكبات والمصائب والهموم والبلايا التي تنزل بالإنسان فتصيبه في نفسه وماله وحياته ، إذ شبه الفتن بقطع الليل ، وتأتي هذه الفتن متلاحقة ومتتابعة كما تأتي أجزاء الليل ، فكلما تقدم الليل اشتد الظلام ، وهنا صورة جمالية فنية تجسدت فيها الحركة المشهدية ، حركة الزمان والمكان وحركة في الدافع الروحي الذي يحرك كل أجزاء هذه الصورة وهو الإيمان وتذبذبه بين الصباح والمساء والعكس ، إذ شكل النبي صل الله عليه وسلم لوحة مشهدية  بثنايا المكان والزمان والحركة والشخص المؤدي لهذه الحركة .

الناقد المسرحي ختالة عبد الحميد لخص كل شيء في إجابته عن السؤال الذي وجه له ، ماهي قراءتك لجمالية الصورة المشهدية في الحديث النبوي وقال : بأن الصورة المشهدية أو التصوير الفني الجمالي في الحديث النبوي الشريف  بصفة عامة ، تصوير لغوي وعقلي وذهني وخيالي وحسي ، لكن أهم ما في الصورة المشهدية النبوية هو طبيعتها اللغوية والفنية والجمالية الخاصة ، وارتباطها بمتخيلات غنية وثرية ، كما أن للصورة آليات تعبيرية قد تتجاوز الصور البلاغية العربية التقليدية  إلى صور سردية ودرامية موسعة ، تجعل من مبحث الصورة عالما منفتحا وخصبا.

ختالة قال بأن اعتماد (التصوير الفني الجمالي ) في النظر والمعالجة والتحليل وظيفته الكشف عن الآليات الجمالية المتحكمة في الإنتاج البلاغي والفني الجمالي والوصفي لكل ما ورد عن النبي صل الله عليه وسلم من قول أو فعل لتقليص الحواجز المصطنعة.

مضيفا بأن الصورة في مفهومها العام ، تمثيل مرئي ذهني أو بصري ، أو إدراك مباشر للعالم الخارجي الموضوعي تجسيدا وحسا ورؤية ، ويتسم هذا التمثيل بالاختزال والاختصار والتخييل والتحويل من جهة ، لتكون علاقة الصورة بالواقع التمثيلي علاقة محاكاة مباشرة ، أو علاقة تماثل وتكون الصورة في السنة النبوية صورة لغوية تارة ، و صورة مرئية بصرية تارة أخرى ، وبتعبير آخر، تكون الصورة لفظية ولغوية وحوارية ، كما تكون صورة بصرية غير لفظية ، مؤكدا في الوقت ذاته ما للصورة من أهمية كبيرة في النقل الموضوعي بشكل كلي اختصارا وإيجازا ، إذ أن الصورة المشهدية  أوسع من تلك التي جاءت في القرآن والتي تعتمد التكثيف .

الناقد المسرحي أشار إلى الصورة على أنها تتألف من دال ومدلول ومرجع أي الصورة السمعية (الدال) والصورة المفهومية (المدلول) وبتداخلهما ، بشكل اعتباطي واتفاقي ، يتشكل ما يسمى بالصورة أو العلامة بالمفهوم اللساني أو السيميائي كما عند دوسوسير .

الدكتور سعادة لعلى قال إن الصورة استعارة قائمة على التماثل والتشابه بين الطرفين المشبه والمشبه به ، فالتشبيه هو استعارة ، إلا أنه يختلف عنها قليلا وفي الحقيقة عندما يقول ” إن بين يدي الساعة ” هو حديث موجز ولكن يصور بمختلف الطرائق أو الوسائل أو الصيغ الحالة التي يعيشها الإنسان في زمن معين من هذه الحياة ، وهي استعارة  حيث شبه الرسول صل الله عليه وسلم  الساعة بالرجل فحذف المشبه به ورمز له بشيء هو لفظ ” يدي ” على سبيل الاستعارة المكنية فمن الاستعارة إلى لفظ ” فتنا كقطع الليل ”  فهذا تشبيه ، شبه الرسول صل الله عليه وسلم الفتن المتلاحقة التي تثقل كاهل الإنسان في الحياة بقطع الليل المظلم  ، أي شبهها بالليل عند ما يسدل ستائره أو تشتد وطأة  ظلامه ، هذه الفتن بسوادها وتأثيرها السلبي على حياة الإنسان تشبه الليل عند اشتداد سواده ، لا يكاد الإنسان يسير وهذا التشبيه عند البلاغيين هو تشبيه مرسل  وأيضا مفصل ، لأن وجه الشبه وهو الظلمة قد ذكرت فيه و تمت الأركان ، وهناك أيضا تأثيث آخر في الحديث عند لفظ ” يصبح ويمسي ” وفي قوله ” مؤمنا وكافرا ” هذا يسمى التقابل وفي عرف البلاغيين  يسمى الطباق  ، كما قد يكون في الفعل ” يصبح ويمسي ” وأيضا في الاسم  “مؤمنا وكافرا ” والحرف  ” ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ” فالصورة البلاغية أو الخطابية في الحديث النبوي الشريف قائمة على التشبيه والاستعارة ، وتشترك الصورتان معا في عنصر المشابهة والتماثل وترتبط بمولد الحس والعقل والخيال .

الأستاذ لعلى أكد بأن الصورة الفنية  في الحديث النبوي تتجلى في علاقة المشابهة القائمة على التشبيه والاستعارة ، دون الارتكاز على علاقة المجاورة (المجاز المرسل والكناية) التي تهيمن على النثر والسرد بشكل لافت للانتباه ، فالصورة البلاغية الفعلية في الحديث النبوي بسيطة  من ناحية ، وسهلة الاستخلاص وتحديدها من قبل المتلقي من ناحية أخرى ، إذن الصورة الحقيقية هي صورة المشابهة.

يعني هذا أن الصورة هي تحويل لما هو مألوف ومستعمل من الكلام إلى لغة مجازية واستعارية وبلاغية خارقة لما هو عادي ، ومن ثم ، فالصورة هي عملية تحويل وتغيير وتعويض واستبدال ، إذ أن المفاهيم الاصطلاحية والنظرية للصورة هي  الوصف والتحليل  والفهم والتفسير ، ، فالصورة هي التي تنقل لنا العالم إما بطريقة حرفية مباشرة وإما بطريقة فنية جمالية ، فالصورة قد تكون لغوية بيانية كما هو حال الصور البلاغية من تشبيه ، واستعارة، ومجاز، … وقد تكون صورة حسية بصرية أيقونية ، أو عبارة عن أنساق سيميائية غير لفظية ، تتجسد بشكل جلي في الجسد والسينما والمسرح والفوتوغرافيا ، فالصورة أفضل من الكلمة على مستوى التبليغ والتواصل والإفهام باعتبار الصورة قد تنقل لنا بإيجاز وإيحاء واختصار، أو قد تنقل لنا مفصلا واضحا وجليا بصريا ومرئيا وحسيا.

في نفس السياق قال الباحث المسرحي ختالة بأن الصورة في مفهومها هي تصوير لغوي وفني وجمالي وتخييلي ، تعبر عن الابتكار والإبداع الإنساني و تتشكل من سياقات عدة : نصية ، وذهنية ، ولغوية ، وبلاغية ، وهذا ما تفرد به القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، بمعنى أن الصورة ، سواء أكانت جزئية أم كلية ، هي تعبير لغوي وتخييلي وبلاغي لها ثوابتها الحسية والجمالية ، وطابعها الخيالي ، والتموضع بين الواقع الخارجي وذهن المتلقي ، مشيرا إلى أن الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورا بصرية فحسب ، بل تثير صورا لها صلة بكل الإحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الإدراك الإنساني ذاته ، فالصورة بصفة عامة حسبه ، هي مجموعة من الآليات البلاغية والبصرية بغية التأثير والإمتاع والإقناع ، وتمويه المتلقي ، مثل : التكرار، والتشبيه ، والمجاز المرسل ، والتقابل، والتضاد، والجناس، والاستعارة، والمبالغة والإيجاز، ، والتماثل، والتشكيل البصري…دون أن ننسى الآليات الأخرى التي تستنبط من داخل النصوص نفسها.

أ . لخضر . بن يوسف

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق