ثقافة و أدب

الأستاذ والمربي الفذّ محمد بن عيسي قبسات وصفحات تربوية… مفخرة وقدوة وأنموذجا يحتذى به

– 35  عاما في خدمة التربية والنشاط الدعوي زينت مسيرته

– المطالعة سر النجاح و اليوم غائبة من حياة الطلاب تماما

– تعلمت من المدرسة دروسها ومن الحياة أكثر من دروسها

بعيداً عن عمليات الفرز العقلية التي صارت تسيطر على عقولنا قسراً وليس طوعاً، وبعيداً عن أغراض السؤال ونواياه وخلفياته، أجد نفسي أمام قامة من قامات العلم، أحد رواد التربية والتعليم الذي نذر نفسه خدمة للتربية  وأهلها

أخلاق وصفات … ذكرى عطرة

إنه مُرَبّي الأجيالِ وصانع الرجال الذي تبقى الكلماتُ عاجزَةً عنِ التعبيرِ والبلاغةُ قاصرةً مُخفِقةً في إعطائهِ حقهُ وما يستحِقهُ من مكانةٍ اجتماعيَّةٍ ومنزلةٍ أدبيَّةٍ وإبداعيَّةٍ ترك خلفه أبناء ومحبين وتلاميذ، وجيلاً آخر ممن لم يسعفهم الحظ بالدراسة عنده ، لكنهم سيسمعون عنه وسينضمون حتماً إلى قافلة المحبين له

الأستاذُ محمد بن عيسي َبن الحاج العيد ، إنسانٌ مُتواضعٌ جدًّا ومُترَعٌ قلبُهُ بالإيمانِ والنقاءِ والطيبةِ والبراءةِ ، عملَ لمدَّةِ (35) عامًا تقريبًا في مهنةِ التدريسِ وخرجَ للتقاعدِ فهوَ مُرَبِّي أجيالٍ بجدارةٍ ومعروفٌ في عين الحجل وولاية المسيلة  بالإنسانِ المثالي المُستقيمِ والقدوة والنموذج للأستاذِ الذي يُعَلِّمُ بكفاءَةٍ وَبنزاهةٍ وإخلاصٍ، والكثيرون من تلاميذهِ اليوم هم : أطباء، مُحامون ومهندسون، أساتذة ، شعراء وكتاب ورغمَ كفاءاتِ أستاذنا وقدرتهِ ومُؤهِّلاتهِ العلميَّةِ وإخلاصِهِ وتضحيتهِ وتفانيهِ لأجلِ رسالةِ التربية والتعليم التي كرَّسَ كلَّ حياتهِ لأجلها لم يأخُذْ ويتبّؤَّأْ مركزًا ووظيفةً عاليةً هوَ أهلٌ لها وبقيَ طيلةَ حياتهِ مُدَرَّسًا فقط ولم يُعَيَّنْ مُديرًا أو مُفتشًا ، وذلكَ لكونهِ إنساناً نظيفاً وشريفاً وكما هو معروف للجميعِ في هذهِ البلادِ أن كلَّ من يُريدُ أن يتقدَّمَ ويأخذَ المراكزَ والوظائفَ العاليةَ يجبُ أن يتنازلَ عن المبادئ  والقيمِ والمُثلِ ويبيعَ ضميرَهُ وشَرفهُ وإذا لم يفعلْ ذلك يبقى مكانهُ حتى لو كانت بحوزتِهِ كل الشهادات والكفاءاتِ والمُؤَهِّلات ومن صفاته الخيرة ، البساطة التي كان عليها أستاذنا الجليل والتي كانت تتجلى في سلوكه العام وفي حياته الخاصة ، مما أكسبه مكانة اجتماعية ومحبة في قلوب الجميع ، عازفا عن المناصب الكبيرة التي عرضت له وظل وفيا مكتفيا برسالته النبيلة  التي عشقها، وأعطاها الكثير والكثير.. مما يستحق الشكر والتقدير

طلب العلا …. النشأة والتعليم

الأستاذ والمربي محمد بن عيسي أستاذ أصيل أصالة المدينة  التي يعيش فيها ، رضع الصبر والأناة والمكابدة من ثراها الطاهر، ولد هذا المربّي الرّمز وبالتحديد يوم 19..11..1955 سيدي عيسى – حفظه الله – علم من أعلام التربية والتعليم في عين الحجل والمسيلة ، أستاذ  مبرز في عطائه التعليمي ، تربوي ملهم و محنك ، يملك الصفات الناجحة التي تتمثل في شخصيته وقدرته على إدارة الصف .

دخل  المدرسة  الابتدائية سنة 1964 حاملا ربع القرآن في صدره جزء ” يس  ” لم يدرس السنة الأولى ابتدائي لكونه متمكن من الحروف و قراءة الجمل كاملة وكتابتها على السبورة نقل مباشرة إلى السنة الثانية ، هذه النقلات كانت تحدث  تحت غطاء قانوني ، فالجزائر كانت حديثة عهد بالاستقلال ولا ضير في ذلك ، واصل الابتدائي من 1964/1965 إلى 1967/1968 ثم اكمل المرحلة الابتدائية  في ولاية المدية 1968 حتى عام 1969

تحصل على الشهادة الابتدائية – السيزيام – رفقة قلة قليلة من زملائه  ثمّ ما لبث أن انتقل إلى مدينة سور الغزلان ثانوية الغزالي ويكمل دراسته المتوسط والثـــانوي 1969 / 1970 إلى1974 /1975  ،  واصل مسيرته التعليمية التي لم تتوّجِ بحصوله على شهادة البكالوريا، بعدها نجح في مسابقة تكوين أساتذة التعليم المتوسط ببوزريعة وقتها كان القانون يسمح لمن يحصل على المرتبة الأولى أو الثانية والثالثة يسمح له بالتسجيل في الجامعة وهو كان قد حصل المرتبة الثانية ، قضى أربع سنوات في الجامعة المركزية لينال شهادة ليسانس آداب عام 1980 ،لتتوّجِ مسيرته بحصوله على شهادة الاستحقاق التربوي في تدريس اللغة العربية وآدابها ويلج ميدان التربية والتعليم بثانوية زيري بن مناد بوسعادة  من سبتمبر إلى شهر ماي ، بعدها لبى نداء الواجب الوطني لمدة عامين بعين الصفراء ليعود فيما بعد إلى ميدان التربية والتعليم بكلّ عزيمة وعنفوان كأستاذ بثانوية الامام مالك سيدي عيسى التي قضى بها حوالي أربع  سنوات، ما بين   (1983/  1987) ، ليشدّ الرّحال إلى مدينته الأم وبالضبط  ثانوية الشيخ عمر المختار بعين الحجل ما بين (1987-2015)، حيث اشتدّ فيها عوده ونضجت ملكاته وكفاءته التربوية فترَك أبلغَ الأثر في نفوس تلامذته من الناحية العلمية والأخلاقية ليترجل الفارس المغوار سنة 2015 .

أمضى نحو الـ35 عاما في مسيرته التعليمية ، تخرجت أجيال ، على يديه من الطلبة الذين تولى بعضهم مواقع مرموقة في مجالاتهم المختلفة ، ومنهم من تقلد مناصب قيادية عليا في الوطن وحتى خارج الوطن 

ويكمن سر نجاح أستاذنا الفاضل وتألقه ومحبة الناس له إنسانيته الجميلة والراقية ، فهو يحمل في قلبه روح الأبوة الحانية لتلاميذه ، والأخوة الصادقة لزملائه ، أحبهم فأحبوه لتواضعه الجم، وحسن خلقه الرفيع ، وشخصيته الفريدة التي تجمع بين الهيبة والسماحة ، وتعامله المتوازن بين الحزم والحكمة ، وغايته النبيلة تنصب في خدمة ومصلحة طلابه، في توفير الجو التربوي الملائم للارتقاء في تحصيلهم العلمي، وزرع القيم الفاضلة والأخلاق الإسلامية النبيلة في نفوسهم، وتبنيه لكل رؤية تطويرية تعود بالمنفعة عليهم ، مما ترك أثرا لا يمحى في ذاكرة طلابه وزملائه من الأساتذة الأفاضل، تلك كانت شهاداتهم في حق هذا المربي القدير أستاذ الأجيال المربي ، وهم يفخرون به كما هو يفخر بهم

القراءة والمطالعة …غذاء الروح والعقل

الأستاذ الانسان الشيخ محمد متمكنٌ ومتمرِّسٌ في اللغةِ العربيَّةِ ومُطلعٌ على الأدبِ العربي – القديم والحديث  ، يمتلكُ ثقافةً واسعةً جدًّا وإلمامًا في معظمِ المواضيعِ والمجالاتِ الأخرى وهذا لمداومته على مجلة العربي الشهيرة والثرية واشتراكه في مجلة أخرى ترسل إليه من لندن مجانا  وأريدُ أن أذكرَ وأنوِّهَ أن أستاذنا كانَ أستاذاً للغةِ العربيةِ في الثانوي وَمتبحِّرًا في هذه اللغةِ وآدابها بشكلٍ واسعٍ وقد تأثَّرَ ببعضِ الشُّعراءِ والكتاب العالميِّين كطه حسين ، توفيق الحكيم ، إحسان عبد القدوس ، نجيب محفوظ ، ونجدُ هذا التأثرَ في حياته التعليمية والتربوية  شكلاً ومضموناً، لغةً وأسلوبًا وبُعْدًا ثقافيًّا وفكريًّا وإنسانيًّا وفلسفيًّا وفنيًّا وتجديدًا .

متحدتنا قال بشأن المطالعة التي نراها غائبة اليوم تماما  ” اذكر أنني كنت في المرحلة الثانوية لا أنهي كتابا حتى أبدأ في كتاب ثان عن طريق الاستعارة فقط نظرا للظروف المادية الصعبة وقتها قرأت لطه حسين  توفيق الحكيم ، بإحسان عبد القدوس ، نجيب محفوظ

وأضاف حياتنا كلها تعلم في الساحات في الطرقات في المقاهي وخاصة أيام العطل مع الزملاء خاصة عيواج لخضر رحمه الله .الذي كنت أتبادل معه الكتب وكنا نشجع بعضنا البعض على المطالعة ليختم بقوله : ركزت على المطالعة لأنها سر النجاح ولأنها اليوم غائبة من حياة الطلاب تماما ، لقد تعلمت من المدرسة دروسها ومن الحياة أكثر من دروسها فلعبي مع الزملاء تعلم  والاحتكاك بالأساتذة تعلم بل قل فيها ما شئت من ألوان الحياة.  

حراك دعوي واجتماعي ..  حضور دائم وأعمال خيِّرةُ فاضلة

أستاذنا وَهَب حياته للعلمِ والعطاءِ  فلم يكن يملك رصيدا ولو بسيطا في المجال الديني ويفضل جماعة طيبة وجدها تنشط في المسجد العتيق بعين الحجل لما كان أستاذا في ثانوية الامام مالك بسيدي عيسى بدأ يلازمهم  ويحضر حلقاتهم وندواتهم وأنشأ مكتبة دينية في البيت تضم كتب الحديث ومختلف التفاسير ابن كثير ، المراعي ، السيد قطب ، وكذا صحيح البخاري فضلا عن الكتب الدعوية لمختلف الدعاة وبات لديه رصيد  جيد في الجانب الديني عززه بالدروس والحلقات التي كان يقدمها في المساجد  والمشاركة في المناسبات الدينية من عام 1984إلى غاية 1991 فكان نابذاً الضغينةَ والتعصُّبَ داعِيًا للتعاضدِ والتآخي والمحبَّة  بين الجميعِ إلى أن تم الحضر على النشاط الدعوي ولم يعد بإمكانه  تقديم الدروس في المساجد كما جرت العادة ولا خطب الجمعة ، فاقتصر العمل الدعوي بعدها حسب قوله : على الحضور في مناسبات الجنائز ولقاءات الصلح ومناسبات الزواج التي بدورها أصبحت تقل وتتراجع ، فقد كان وما زال مثالًا يحتذى في أخلاقه وتعاملاته مع الجميع ، مخلصاً ومثابراً ومتفانياً في عمله ، مبدعاً بمعنى كلمة الإبداع في غرس المحبة وترك بصماته القوية في عقول وقلوب من أحبوه  فزرع فيهم الامل وحب الوطن والوفاء ،  

يقول : كان نشاطي الدعوي  يتماشى مع التكوين البسيط والمتواضع وهو جهد شخصي لم يكن عن شيخ ولا من مدرسة ولا جامعة كان بفضل اخوان جزاهم الله خيرا  ، دروسا ومطالعة واحتكاكا بمن لهم باع في هذا المجال

محطات ومواقف  …  ذكريات لا تنسى

فارسنا  الهمام بنى سُمعتَه بكدّه واجتهاده طيلة هذه السّنوات كانت من أخصب فترات عمره عطاءً ونماء ، فكانت ملأى بالذكريات والمواقف الراسخة التي لم ولن تمحى من ذاكرته ، اذ تحدثنا إلينا عن بعض منها ، البداية مشاركته في تصحيح امتحان شهادة البكالوريا أكثر من 25 مرة في عدد من ولايات الوطن ، منحت له على علامة 18ونصف من 20 كعلامة تفتيش  وهي علامة ممتازة  بالاضافة إلى اسناد تأطير الندوات التربوية تحت إشراف السيد المفتش  علاوة على هذا كان يطلب منه تقديم الإجابة النموذجية وكتابتها على السبورة للسادة الأساتذة المصححين اذ قال : كان هذا يشرفني كثيرا رغم أنه كان متعبا ومحرجا في آن واحد فأنت أمام أكثر من مائة أستاذ في نفس الاختصاص ، ضيفنا عاد بنا إلى أروع اللحظات التي بقي شاهدا عليها في مسيرته والتي تركت بالغ الأثر في نفسه عند  تكريمه من السادة الأساتذة بإحدى ثانويات المسيلة تحت إشراف السيد مفتش المادة كما تم تكريمه من طرف السيد المدير جعنون مختار  والسادة أساتذة ثانوية الشيخ عمر المختار  التي اشتغل بها لسنوات طويلة  وأعرب لنا بقوله :  لم تكن لدي رغبة في المناصب الإدارية فلم أشارك فيها ، نجاحي في مهمتي التدريسية وعلاقتي بأبنائي التلاميذ وحبهم للمادة واحترامهم لي جعلني أخذ عهدا على نفسي أن أعلق المرور وهذا ما حدث فعلا ،  حادثة طريفة حدثت مع شيخنا سردها لنا هي  أن واحدا من التلاميذ لم يسعفه الحظ أن يدرس بالقسم الذي ادرسه  قال لي أنا مستعد لإعادة السنة بشرط أن أدرس بقسمك ،  فقلت سبحان الله ، لم ينسى شيخنا تلاميذه النجباء وذكر لنا تدريسه للشيخ الدكتور والداعية محفوظ رحماني والأستاذ بن سعيد حسن والذين يفخر بهم لحد اليوم .

هذا العطاء الثري البراق لمسيرة حافلة وسيرة عطرة لأستاذ أجيال زرع زرعا طيبا فجنى لهذا الوطن ثمارا يانعة من الرجال الأخيار، فمثله يذكر فيشكر بكل حب وامتنان وتقدير على جهوده الخيرة، فهل لنا أن نرد بعضا من هذا الجميل وهذا الوفاء ليكون لصاحبه نصيب من الاحتفاء والتكريم المعنوي الملموس، وكلي أمل أن نبادر إلى تكريم هذه القامة التربوية والأدبية الرائدة ، مناقبَ حميدةً وصيت مشرِّف سيبقى ذكرُهُ خالدًا مدى الأيامِ والدُّهورِ وجب الاستفادة منه : فنيًّا وفكريًّا وثقافيًّا وتربويًّا

بقلم / أ . لخضر . بن يوسف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق