حوارات

حراك 22 فبراير كان ردا شعبيا على التحنيط المبرمج للدولة الذي مارسته عصب عديمة الوطنية

الدبلوماسي والباحث عامر بغدادي للتحرير:

حراك 22 فبراير كان ردا شعبيا على التحنيط المبرمج للدولة الذي مارسته عصب عديمة الوطنية

– تعاني الجزائر حقيقة من ظاهرة الانفجارات الدورية، وهي ظاهرة تعرفها المجتمعات التي تشهد صراعات حول الهوية

-الإتحاد الإقليمي مع ليبيا في عهد القذافي عارضه ضباط فرنسا في المؤسسة العسكرية مدعومين بقطاع من الفرونكوفونيين

-أحداث أبريل 1980 جاءت كرد فعل على عملية تعميم استعمال اللغة العربية في قطاع التربية والتعليم التي شهدها عقد السبعينات

-مايسمى بالراية الأمازيغية ظهرت فقط في السبعينات وتنسب إلى متطرف فرنسي من أصول يهودية ،فكيف ننسبها للأمازيغ؟

حاوره/العربي بريك

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏جلوس‏‏‏

     مرحبا بكم سيدي، نريد في البداية أن نعرف قراء الجريدة بشخصكم الكريم.

عامر بغدادي من مواليد بداية الخمسينات، اشتغلت في بداية حياتي المهنية بسلك التعليم لمدة سنة على غرار معظم أبناء جيلي وبعد حصولي على شهادة البكالوريا كمترشح حر في النصف الأول من عقد السبعينات التحقت بجامعة الجزائر حيث درست بمعهد العلوم السياسية وبالتوازي مع ذلك اشتغلت في جريدة الشعب كمحرر مترجم والتي كان مديرها في تلك الفترة السيد عبد القادر بن صالح رئيس الدولة السابق. بعد تخرجي من الجامعة التحقت بوزارة الشؤون الخارجية حيث مارست العمل الدبلوماسي في العديد من السفارات الجزائرية بالعالم العربي. بعد تقاعدي تحولت إلى البحث والكتابة حيث نشرت العديد من المقالات في جريدة صوت الأحرار وفي 2014 نشرت أول مؤلف لي وهو المكون العربي الإسلامي في الهوية الجزائرية والذي أعدت طباعته سنة 2016 في كتابين منفصلين هما “الدولة والهوية في الجزائر” و “القبائل العربية العدنانية في الجزائر”. وقد تعرضت كتبي طيلة العهد السابق للمصادرة والمنع من العرض بالمكتبات العامة والخاصة ولذلك اضطررت لإهدائها.

    تتبعنا من خلال منشوراتكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنكم كنتم من المباركين للحراك الشعبي وأنكم أيضا تقفون مصطفين مع المؤسسة العسكرية في قيادة هذه المرحلة الحساسة والصعبة. نود توضيحا أكثر لموقفكم.

لقد كان الحراك الذي انطلق في 22 فبراير 2019 هبة شعبية غير مسبوقة في تاريخ الجزائر المعاصر، كان شبيها بتلك المظاهرات الشعبية العارمة والفياضة التي عرفتها مدن الجزائر وقراها ومداشرها يوم الإعلان عن الاستقلال في 5 يوليو 1962 وكنت حينها طفلا وشاهدت التجمع الشعبي الضخم الذي نظمته منطقتنا في بلدة مدوكال بالولاية السادسة التاريخية.

كان حراك 22 فبراير ردا شعبيا واسعا على التحنيط المبرمج للدولة الجزائرية الذي مارسته عصب (جمع عصابة) عديمة الوطنية تصارعت على السلطة في مرحلة ما بعد بوتفليقة، ومارست في إطار صراعاتها القذرة مختلف أساليب النهب والسلب لثروات الشعب وأشاعت طرق الفساد وعممت صنوفا من الجهوية والمحسوبية والولاء للأشخاص وليس للوطن. لقد مست تلك الصراعات – على السلطة والمال والإعلام لكسب النفوذ – مناعة الجزائر وهددت أمنها وهزت صورتها أمام العالم وأفقدت ثقة المواطن في بلده ومؤسساته.

لقد وضع الحراك الشعبي حدا لمختلف صور الإهانات التي أُلحِقت بالجزائر نتيجة تلك الممارسات ومن أخطرها اختطاف القرار الرئاسي حيث جرى إصدار قرارات مشبوهة في غفلة من الشعب وانصرافه عن متابعة الشأن العام. لقد كان الحراك ردا شعبيا وضع الجزائر في أفق جديد لتواصل مسيرتها، ولذلك وقفت مع هذه الهبة الشعبية وأصدرنا في الرابطة الجزائرية للفكر والثقافة بيانات متتالية تؤكد ذلك الموقف.

وبعد اكتشاف مؤامرة بقايا عصابات النهب والسلب والتكالب على السيطرة على مقدرات البلاد، انحزت تماما مع قيادة الجيش الوطني الشعبي بعد كشفها لخيوط تلك المؤامرة والتصدي لها. تكرس موقفي هذا النابع من قناعة وطنية راسخة بعد شعوري كذلك من تحول تلك الهبة الشعبية من حركة تتميز بالطابع السلمي والحضاري إلى حركة هلامية عديمة الرأس. وفي هذه الحالة أصبح دور الجيش الوطني الشعبي دورا محوريا في مواجهة هذه التطورات حفاظا على الدولة الوطنية من السقوط في براثين الفوضى والاقتتال بين أبنائها كما هو جار في دول أخرى.

    كيف تقيمون هذه المحطة من تاريخ الجزائر مقارنة بمحطات سابقة كأزمة التسعينات وحوادث أكتوبر 1988 وما عرف بالربيع البربري؟

 تعاني الجزائر حقيقة من ظاهرة الانفجارات الدورية، وهي ظاهرة تعرفها المجتمعات التي تشهد صراعات حول الهوية. ولذلك فإن الانفجارات الدورية التي عاشتها الجزائر كأحداث 1980 والتي عرفت لاحقا بالربيع البربري وأحداث أكتوبر 1988 ومأساة التسعينات وأحداث يونيو 2001 والحراك الشعبي الحالي تندرج في الغالب ضمن أفق عدم الحسم في مسألة الهوية وإن تعددت دوافع تلك الأحداث. الملاحظ أن هذه الأحداث تترافق عادة مع أي انتقال جديد للحكم في الجزائر. فما عرف بأحداث الربيع البربري التي جرت في أبريل 1980 جاءت بعد انتخاب المرحوم الشاذلي بن جديد رئيسا للجزائر. وجاءت أحداث أكتوبر 1988 لدفعه للاستقالة وهو ما حدث في يناير 1992. أحداث يونيو 2001 جاءت في السنوات الأولى لانتخاب عبد العزيز بوتفليقة رئيسا للجزائر وحراك 22 فبراير جاء لدفعه لعدم الترشح للمرة الخامسة.

وإن تعددت دوافع هذه الأحداث لكن محركها واحد. فأحداث أبريل 1980 جاءت كرد فعل لسكان منطقة القبائل على عملية تعميم استعمال اللغة العربية في قطاع التربية والتعليم التي شهدها عقد السبعينات في عهد المرحوم هواري بومدين. وكان هناك توجه لدى المرحوم بن جديد لتعميق هذا المسار. أما أحداث أكتوبر 1988 فجاءت نتيجة لصراع العصب (ج عصابة) حول دور جبهة التحرير الوطني داخليا والدور الإقليمي للجزائر خارجيا. كانت الجزائر ولأسباب بعضها يتعلق بأزمة أسعار النفط وبعضها يعود لتصاعد نفوذ جبهة التحرير في المجتمع، قد دخلت في مسار يستهدف إقامة نوع من الإتحاد الإقليمي مع ليبيا في عهد المرحوم معمر القذافي وهو توجه قادته جبهة التحرير فيما عارضه ضباط فرنسا في المؤسسة العسكرية مدعومين بقطاع من الفرونكوفونيين المتنفذين في مختلف دواليب الإدارة. كانت تلك المعارضة تقف ضد التوجه العربي للجزائر، بينما جاءت مأساة التسعينات نتيجة لحسم الصراع الذي انفجر في أكتوبر 1988 وأدى لشل دور جبهة التحرير الوطني وإظهارها كمسؤول عن كل مشاكل الجزائر. لقد تمكن حينها ضباط فرنسا من الاستيلاء على السلطة في يناير 1992 مدعومين بالقوى المعروفة بنهج الاستئصال، والاستئصال هنا يعني استئصال كل ما له علاقة بالانتماء العربي الإسلامي للجزائر.

نتيجة بحث الصور عن كتب عامر بغدادي

كانت هذه الانفجارات الدورية في بداياتها ذات بعد داخلي ومنذ التسعينات حتى اليوم أخذت بعدا خارجيا بعد انهيار المعسكر الشرقي وبروز الولايات المتحدة كلاعب رئيسي في النظام العالمي لما بعد سقوط حائط برلين.

    هناك من يرى أن فرنسا الاستعمارية كانت وما تزال وراء تحريك الأمور سلبا في بلادنا، فهل هذا الرأي ما يزال مطروحا بعد اندحار مصطلح ضباط فرنسا واختفاء رموزه؟

الجزائر وحتى منتصف 1962 كانت جزءا من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية واستقلت بعد حرب تحرير كانت نموذجا لثورات الشعوب الخاضعة للاستعمار في القرن العشرين. ولذلك كان لفرنسا تأثير كبير على مجريات الأحداث في الجزائر. ولعله من المهم الإشارة إلى أن الحراك في بداياته كان مناهضا لأي شكل من أشكال التأثير الفرنسي في مجريات الأمور في بلادنا ومن الملاحظ أن الظاهرة المخزية المعروفة بضباط فرنسا تعبر بصورة ملموسة عن ذلك التأثير. تمكن هؤلاء العسكريون، مدعومين بلفيف من المثقفين بالفرنسية، من الحصول على القوة والنفوذ بعد إزاحة غالبية ضباط جيش التحرير الوطني منذ الحركة التي قادها المجاهد الطاهر زبيري في أواخر سنة 1967. وطيلة عقد التسعينات، عشرية الدم والدمار، ظل ضباط فرنسا مؤثرين وفاعلين في صناعة القرار السياسي وهم الذين يقفون وراء دفع الرئيس الأسبق الشادلي بن جديد إلى الاستقالة في يناير 1992 واستيلائهم على السلطة والآن بدأ نفوذهم يتقلص بعد إزاحة الواجهة الأساسية لهم في سنة 2015 وإذا كان تأثيرهم ما يزال عميقا وسط أطراف من الحراك الشعبي إلا أن ضباط جيش التحرير تمكنوا من استعادة زمام الأمور في المدة الأخيرة وتعديل الكفة لصالح الجزائر الوطنية النوفمبرية وعلى رأس هؤلاء المجاهد المرحوم الفريق أحمد قايد صالح.

    من بين أهم ما وقفنا عليه في هذا الحراك هو تذمر الكثير من رفع الراية “الأمازيغية” بالإضافة إلى أمور أخرى منها نصب تمثال ماسينيسا مؤخرا،فما هو تعليقكم؟

يجب أن نكون واضحين في تحديد المصطلحات. تاريخيا لا توجد راية تنسب للبربر أو الأمازيغ كما يقال اليوم. هذه الراية لم يرفعها طارق بن زياد في 711م وهو أحد فاتحي الأندلس وينسب للبربر، ولم يرفعها الرستميون ولا المرابطون ولا الموحدون ولا الزيريون ولا الحماديون ولا الحفصيون ولا الزيانيون ولا المرينيون وكلهم بدون استثناء بربر أقاموا إمارات وممالك واسعة في ربوع بلاد المغرب طيلة القرون الوسطى ولم يرفعها قادة المقاومة الشعبية ضد الوجود الإستعماري الفرنسي كلالة فاطمة نسومر ولا رفعها قادة الحركة الوطنية كمصالي الحاج وعبد الحميد بن باديس ولا قادة الثورة كمصطفى بن بولعيد وكريم بلقاسم لا في الجزائر ولا عبر ربوع شمال أفريقيا.

هذه الراية ظهرت فقط في السبعينات وتنسب إلى متطرف فرنسي من أصول يهودية هو جاك بيني، فكيف ننسبها للأمازيغ؟ المكون البربري في المجتمعات المغاربية ظل على الدوام جزءا من هذه المجتمعات سواء في ليبيا وتونس أو في الجزائر والمغرب وكذا الأمر في الصحراء الغربية وموريتانيا وحتى في بعض دول الساحل الصحراوي كمالي والنيجر. كان هذا المكون مندمجا في مجتمعات تلك الدول وكانت الرايات الوطنية للدول المتواجدة في فضاء شمال أفريقيا والصحراء هي الرايات الوحيدة التي ترمز لسكان تلك الدول.

القول بأنها راية ثقافية فقط هو نوع من الفجور الفكري وضرب من الفسوق السياسي وهو بلاء ابتليت به هذه المجتمعات منذ بدايات الألفية الثالثة. وهو يندرج في إطار الصراع حول الهوية، ولذلك فهي مسألة خطيرة جدا تمس في المستقبل وحدة المجتمع ووحدة الكيان السياسي الجزائري والكيانات السياسية المحيطة به.

بالنسبة لنصب تمثال ماسينيسا، كنت أفضل تخليد يوغرطة الذي مات في سجون روما جوعا وعطشا وليس ماسينيسا الذي تحالف مع الرومان ضد الملك صيفاقس الذي كان في حرب معهم بالتحالف مع القرطاجيين بناة أول حضارة في بلاد المغرب القديم. شكل تحالف ماسينيسا مع الرومان تمهيدا لاحتلالهم المنطقة، فبعد وفاته تم تقسيم إرثه بين أبنائه وكانت خلافاتهم سببا للقضاء على نوميديا وبسط السيطرة الرومانية على المنطقة لمدة دامت أكثر من ستة قرون.

في الواقع كل الدول الوطنية تخلد رموزا تراهم يعبرون عن موروثها عبر التاريخ لكن لا يجب أن نمارس عملية انتقاء في تخليد الرموز. ماسينيسا ينحدر من منطقة خنشلة وحكمه كان في شرق الجزائر وغرب تونس ولذلك كان يجب وضع تمثاله في مدخل البلدة التي تحمل اسمه وتم تأسيسها في السنوات الأخيرة قرب مدينة الخروب حيث يوجد ضريح تم نسبته إلى ماسينيسا دون التحري من ذلك.

ما يجري في الواقع هو نوع من البلطجة السياسية وفي الحقيقة هناك من هم في سباق مع الزمن لفرض تصورات معينة على المجتمع الجزائري وعموم بلدان المغرب في إطار الصراع على الهوية. هناك رموز تاريخية تستحق بكل جدارة أن تجد لها مكانا في عاصمة الجزائر كالفاتح عقبة بن نافع الفهري مرسخ قدم الإسلام في هذه البلاد والقائد بولكين بن زيري مجدد مدينة الجزائر والشيخ عبد الرحمان الثعالبي إمام المدينة وقطب علمائها ومجموعة 22 التاريخية التي كانت وراء التحضير لتفجير ثورة نوفمبر المجيدة ومجموعة الستة، الآباء المؤسسون للدولة الجزائرية المعاصرة. هذه هي الرموز التاريخية التي يجد الجزائري المعاصر صورته فيها وبالتالي يجب أن تجد مكانا لها في العاصمة، عاصمة كل الجزائريين.

   من المصطلحات العائدة في هذه الأزمة نجد مصطلح الزواف وهو ما يؤكد أن هناك اتهاما لجهة معينة أو تيار بعينه، نرجو التوضيح.

صحيح تماما، هناك مصطلحات جديدة ظهرت في المشهد العام كالنوفمبريين والباديسيين والزواف. وإذا كان مصطلح النوفمبريين يدل على عودة التيار الوطني بقوة إلى واجهة الأحداث والذي انحسر منذ أحداث أكتوبر 1988 فإن الباديسيين يشير إلى الثبات على نهج الشيخ عبد الحميد بن باديس المقاوم للوجود الفرنسي والمكرس للإنتماء العربي الإسلامي للجزائر وعلى العكس من ذلك يفهم من مصطلح الزواف الولاء لفرنسا.

تاريخيا، يعود مصطلح الزواف إلى تلك الفرق العسكرية التي شكلها الجيش الفرنسي مع بدايات الاحتلال من الأهالي المنحدرين من قبائل زواوة لمساعدته في بسط نفوذه على الجزائر. استمرت هذه الفرق عاملة ونشطة ضمن الجيش الفرنسي حتى نهاية الثورة التحريرية. ومن المرجح أن المصطلح يعود إلى كلمة السواف “Suèves” وهي قبائل جرمانية رافقت القبائل الوندالية في احتلال الجزائر خلال القرن الخامس حسب التقويم الميلادي. وتكون هذه القبائل قد استقرت في الجزائر بعد اندحار الوندال على يد الروم البيزنطيين.عودة استعمال هذه المصطلحات يشير إلى وجود تيارين يتصدران اليوم المشهد السياسي في الجزائر هما التيار الوطني المعادي للهيمنة الفرنسية والتيار الموالي لفرنسا.

    من خلال الأزمات المتعددة التي تتعرض لها بلادنا هناك طرح يريد التأكيد على أن أزمتنا بالدرجة الأولى هي أزمة هوية قبل أن تكون سياسية أو حتى اقتصادية، فهل تتفقون مع هذا الطرح؟

ذكرت في السابق أن الانفجارات الدورية التي يعرفها المجتمع الجزائري تدل على عدم الحسم في الخيارات الكبرى التي تحدد توجهات المجتمع حاضرا ومستقبلا وتدخل مسألة الصراع حول الهوية في صلب تلك الخيارات. كانت الحركة الوطنية قد حسمت خيار الهوية في انتماء الجزائر إلى عالم العروبة والإسلام وهو انتماء ثقافي حضاري خالٍ من النزعة العرقية. جاء بيان الأول من نوفمبر الذي صاغه الآباء المؤسسون للدولة الجزائرية المعاصرة ومنهم بالتأكيد المرحوم كريم بلقاسم معبرا عن ذلك الخيار. فقد نص البيان على إقامة دولة ديمقراطية إجتماعية ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية وتأسيس اتحاد إقليمي ضمن محيطه الطبيعي العربي الإسلامي. نركز هنا على عبارة “المحيط الطبيعي العربي الإسلامي”. هذا الإنتماء هو الذي كرسته الجزائر المستقلة بالنص في الدستور على أن مكونات الهوية الجزائرية تتمثل في الإسلام والعروبة والمازيغية. مقابل هذا التوجه العام في المجتمع ظهر توجه خاص كرد فعل بالتأكيد يدعو إلى هوية قائمة على العرقية البربرية أي “Berbérisme”. يجب هنا التوضيح بصورة أساسية أن هناك فرقا جوهريا بين “البربريزم” والطابع البربري. فالبربريزم هي نزعة عرقية قائمة على الصفاء العرقي البربري وهي مسألة لم تعد مطروحة في العالم المعاصر بينما الطابع البربري هو مسألة ثقافية بحتة تستمد مرجعيتها من تاريخ المنطقة ومن غلبة اللسان البربري على مناطق معينة من الوطن.

   لقد كتبتم كتابا متميزا تحت عنوان المكون العربي في الهوية الجزائرية، فما هو سبب تأليفكم للكتاب بهذا العنوان المثير وما هي الرسالة التي تريدون إيصالها من خلاله؟

مرت أطروحات دعاة النزعة المعادية للمكون العربي الإسلامي في الهوية الجزائرية بعدة مراحل. فخلال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين كان هذا التيار يدعو إلى الإعتراف بالمكون البربري في تاريخ الجزائر، وكان الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله يرد في بعض مقالاته على ذلك التوجه ويدعو إلى أهمية الأخوة والإتحاد بين البربر والعرب. كان يبدأ بعض أحاديثه بعبارة معروفة هي “يا أبناء يعرب وأبناء مازيغ” ويركز على أن وحدة اللسان العربي هي التي تجمع بين العنصرين ويبرز بصورة رئيسية دور الإسلام في اتحادهما بقوله “ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان”.

وقد واجهت الحركة الوطنية أخطر أزمة في تاريخها بما يعرف بالأزمة البربرية في أواخر الأربعينات والتي تم معالجتها بما يحفظ وحدة الحركة ويمهد لانطلاق الثورة. بعد الإستقلال مباشرة حصل تمرد في الولاية الثالثة التاريخية قاده المرحوم آيت أحمد، ومع منتصف الستينات قام عدد من المعارضين بتأسيس ما يعرف بالأكاديمية البربرية في باريس، وتحول النشاط إلى الحقل الثقافي حيث ظهرت في السبعينات الحركة الثقافية البربرية والتي تشكلت خلال التسعينات في حركة سياسية هي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية كفضاء سياسي رسمي.

العمل المحوري الذي يجمع دعاة النزعة البربرية هو نفي وجود المكون العربي في الهوية الجزائرية والدعوة إلى الصفاء العرقي تحت ستار نحن بربر عربنا الإسلام وهو ما يعني نبذ العروبة والإسلام والعودة إلى الأصول البربرية. لذلك كان كتاب المكون العربي الإسلامي في الهوية الجزائرية ردا موضوعيا على هذا الطرح. يبرز الكتاب بكل موضوعية مؤسسة على وقائع التاريخ تجذر الوجود العربي في الجزائر وعموم البلدان المغاربية من خلال التعرض للظروف التاريخية التي استقرت فيها القبائل العربية العدنانية في الجزائر واندماجها في النسيج الاجتماعي الجزائري، مما جعل الهوية الجزائرية هوية قائمة على الإسلام كدين جامع والعروبة كطابع ثقافي قوامه اللغة العربية والأمازيغية كطابع ثقافي قوامه اللسان الأمازيغي

   هناك من يزال يؤكد أن جوهر الصراع في بلادنا منذ الاستقلال وحتى قبله يعود للخلاف الجذري بين طرفين، طرف يؤكد على الانتماء العربي الإسلامي للجزائر وطرف يصنف ضمن ما يسمى بالفرنكوبربريست، وبصفتكم باحثا نرجو توضيح هذه النقطة.

كما ذكرت سابقا، يدور الصراع في الجزائر وعموم البلدان المغاربية بين من يدافعون عن الانتماء العربي الإسلامي لهذه المنطقة وبين دعاة الصفاء العرقي البربري. يتميز المدافعون عن الإنتماء العربي الإسلامي بأنهم يتشكلون في غالبيتهم ممن تعتبر العربية هي لغتهم الأم أو تلقوا تعليمهم بها بينما يعرف عن دعاة النزعة البربرية أنه يغلب عليهم اللسان البربري أو تلقيهم لتعليمهم باللغة الفرنسية التي يستخدمونها في حياتهم العامة ويفضلون التعامل بها في تواصلهم مع بقية المواطنين، ولذلك يوصف هؤلاء عادة بالفرنكوبربريست أي ذوي النزعة البربرية الذين يغلب على تكوينهم اللغة والثقافة الفرنسية.

لابد من التوضيح هنا أنه بعد الاستقلال تمكن الفرنكوبربريست من السيطرة على دواليب الحكم عبر التمترس في الإدارة وقطاعات الاقتصاد والنفط والمال والأعمال والإعلام وبعض القطاعات الحساسة كالأمن وتم عزل المدافعين عن الإنتماء العربي الإسلامي في قطاعات تعتبر ثانوية كالشؤون الدينية والثقافة وبعض الأطوار الأولى من التعليم بينما ظلت مجالات هامة من التعليم العالي تدرس بالفرنسية.

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق