ثقافة و أدب

نبيل عودة يدعو إلى ترجمة أعمال محمد أركون و تقريب أفكاره من القارئ العربي

الظاهرة الأركونية تحت المجهر الفلسطيني.
نبيل عودة يدعو إلى ترجمة أعمال محمد أركون و تقريب أفكاره من القارئ العربي
( نبيل عودة: الحضارة الإنسانية لا تعرف حدودا قومية أو دينية)

يشكل محمد أركون ظاهرة فريدة في الفكر العربي، في نظر الأديب الفلسطيني نبيل عودة،  إذ جعل من الفكر مقياسًا إنسانيًا، بعيدًا عن حالة اللاتفكير التي باتت مميزاً لجميع مجتمعاتنا العربية، رغم أنه كما يقول هو لم يقرأ عنه الكثير و لا يعرف من طروحاته إلا القليل، و السبب قلة تواجد مؤلفاته في المكتبات العربية الغارقة بالكتب التقليدية،التي تلقى تسويقا وربحا عكس الكتب الفكرية و الثقافية، و يأمل الأديب  الفلسطيني نبيل عودة أن تصل أفكار هذا المفكر الجزائري إلى أبعد مدى، حيث دعا إلى ترجمة كتبه و تقريبها من القارئ العربي و حتى يتمكن الآخر من الاطّلاع على محتواها و يقف على فكره التنويري، و كما يقول نبيل عودة فالحضارة الإنسانية لا تعرف حدودا قومية أو دينية
     و قال نبيل عودة أن الثقافة لم تترك موضوعا ثقافيا فكريا فلسفيا لم تنقله للغة العبرية، و  من وجهة نظره فإن إهمال أعمال هذا المفكر يعد  تجاهلا مع سبق الإصرار على فكر عربي متنور؟ ، يقول الأديب نبيل عودة “إن ما عرفته من كتابات قرأتها عن أركون، فتحت لي آفاقاً فكرية، وأعادت لي بعض الثقة بقدرة العقل العربي على الإبداع، إذا ما أنقذ من حالات التسيب التي تسود مجتمعاتنا في كل مرافقها”، فالنموذج الذي يقدمه الراحل الكبير أركون، للأجيال العربية الناشئة، وجب أن تعتمد العقل منهاجاً تستنير منه، وأن تبتعد عن مظاهر الجمود والنقل والمحاكاة والتلقين، ، ففي الكثير من طروحاته، انتقد محمد أركزن المناهج المغلقة، خاصة ما تعلق بالمعتقدات الدينية، حيث دعا إلى أنسنة الفكر لتصبح معايشة المجتمعات المختلفة، وخاصة المجتمعات الأرقى تطورا ممكنة ومتاحة، للتعلم منها ومن تجاربها وتطورها.
 و لعل كتابه الأخير الذي حمل عنوان : “الأنسنة في الإسلام – مدخل تاريخي نقدي”  الذي صدرت طبعته إلى اللغة العربية، من الكتب التي ،ثارت انتباه و اهتمام الأديب نبيل عودة، الذي عبر عن أسفه و حزنه  أن يكون هذا الكتاب  مفتقد، كالعادة في المكتبات العربية، إذ يقول: ربما لو عرض لما اقترب منه قراء الأبراج وفكر الخوارق. وكل ما استطعت معرفته هو من مقالات كتبها مفكرون عرب عن أركون، ولولا وجود الشبكة العنكبوتية لما تسنى لنا أن نطلع على مضمون مقالاتهم أيضا”، فقد حدّد  محمد أركون معالم الانغلاق في الفكر العربي، بأنها بدأت تبرز منذ القرن العاشر وتتجذر بشكل ملحوظ في القرن الحادي عشر حتى يومنا هذا، بل يشير إلى أن الانغلاق أصبح أكثر عمقاً وشراسة، وهو يرجع ذلك إلى أن الثقافة العربية لم تكترث بوجود الأنسنة، رغم أهميتها، ومن هنا نجد أراكون يجعل من بحثه الانسنة هدفاً فلسفياً في أبحاثه وربما في مشروع حياته، ما يلاحظ أن الأديب نبيل عودة لم يتطرق إلى التفاصيل حتى لا  يخلق العدائية في تحليل فكر هذا الرجل  الذي لا يعرف عنه إلا القليل .
     في حين هناك  من الباحثين من غاصوا في تحليل الظاهرة الأركونية، و إشكالية  بعث الأنسنة من جديد في العالم العربي والإسلامي التي طرحها محمد أركون؟ و استلهامها مجددا لكي نبني عليه نهضتنا المقبلة ؟، فمحمد أركزن يرى أن الحضارة الإسلامية قد ساهمت في تطوير نزعة “الأنسنة” من منتصف القرن الثاني حتى منتصف القرن الخامس الهجري، و يربط محمد أركون جيل الأنسنة بمسكويه و التوحيدي؛ و قال إن هذه النزعة تألقت على يديهما ، لأن الثقافة الدينية وقتذاك كانت مزدهرة و منفتحة على العالم، و لم تكن تحمل أي عنف أو تطرف، و يأتي اهتمام محمد أركون بموضوع الأنسنة في وقت كانت أوروبا قد شهدت نهضة ثقافية فكرية لكنها ترعرعت في جو ديني، فيما اصطلح عليه بالوثنية ( تعدد الآلهة)،و تعرضت هذه النزعة الى التسييس لأنها كانت في وقت من الأوقات تمثل الفكر المتحرر من السلطة و ضد السلطة، فحركة المعتزلة مثلا بدأت في البصرة في العهد الأموي و ازدهرت في بغداد ، لأنه كان هناك تواجد ثقافات ولغات بالعراق قديمة جدا، و يقول محمد أركون من يتأمل سورة “الكهف” يجد فيها إشارات واضحة إلى هذه الثقافات.
     فمن يقول إذن أن محمد أركون علماني فقد ظلمه لأن كتاباته تشهد على أنه مفكرٌ إسلاميٌّ رغم فرانكفونيته و بشهادة مفكرين عرب ، و كان هو و مالك بن نبي من بين علماء الفكر العربي الذي كتب عنهم المؤرخون العرب، و منهم الدكتور السيد ولد أباه في كتابه “أعلام الفكر العربي” مدخل إلى خارطة الفكر العربي الراهن، في طبعته الثانية، فالرجل معروف بغزارة إنتاجه في الإسلاميات، غير انه يعتبر ناقدا للعقل الإسلامي، حيث انطلق في بناء مشروعه في نقد العقل الإسلامي في نهاية الستينيات، وشخَّص عناوين نقده الكبرى في مصنفه: ” نحو نقد العقل الإسلامي” صدر باللغة الفرنسية عام 1984، و كان طموحه أن يطبق مناهج العلوم الإنسانية المعاصرة على النص الإسلامي، وقد تحدث محمد أركون عن الإصلاح الديني، و كانت له نظرة خاصة لما يسمى بـ: “الإنتروبولوجية الدينية”، كما تكلم عن العلاقة بين تطبيق الدين الإسلامي تطبيقا صحيحا و تقليده، على غرار ما حدث في التقليدين اليهودي و المسيحي، وصولا إلى غاية علمنة المجتمع الإسلامي و تنويره.
      و كان لمحمد أركون منهجا خاصا في تطبيق النص القرآني و هو منهج  كما ورد في الكتابات ، كان قد طبق على النصوص المسيحية، و تتلخص في إخضاع القرآن للدراسة النقدية التاريخية المقارنة، و التأمل الفلسفي لمعنى النصوص، و هذا لا يعني أن محمد أركون يقف ضد كلام الله، و لكن دعوته إلى إخضاع النصوص القرآنية إلى النقد من وجهة نظر تاريخية، يعود إلى الخلافات بين العلماء في تفسير القرآن و طريقة نسخه في ظل تعدد الحقول المعرفية، و اختلاف المذاهب ( الشيعة و السنة) التي تغطي مباحث عديدة أجملها محمد أركون في: ( القرآن و تجربة المدينة، جيل الصحابة، و رهانات الصراع من أجل الخلافة و الإمامة، السُّنَّةُ و التَسَنُّنٍ، و قضايا أخرى تتعلق بالعقل و رهانات العقلانية و تحولات المعنى، و مسلمات التراث الإسلامي الكلي، و يقصد محمد أركون التقليد الجماعي المشترك بين المسلمين..الخ.
     الذين درسوا الفكر الأركوني يشيرون إلى أن حديث محمد أركون حول نقد العقل الإسلامي ، برز في الفترة نفسها التي تحدث فيها الجابري حول نقد العقل العربي، و كلاهما طرح مشروعا تاريخيا إنتروبولوجيا في آن معا و النظر فيه مرحل بمرحلة من مراحل التاريخ، و محمد أركون حسب الدكتور السيد ولد أباه من جهة يريد أن ينتقد الأطروحات الاستشراقية للعقل اللاهوتي عند أهل الكتاب، و من جهة أخرى يريد أن يفسح المجال أمام الحداثة و الأنوار، بمعنى أنه يحرص على التمييز بين المُفَكِّر فيه و بين اللا مُفِّكِر فيه، و ما لا يمكن التفكير فيه داخل النسق الإسلامي ، و هنا يمكن طرح عدة أسئلة جوهرية منها: هل الدّين ثابت أم متغير؟، و هل دعوة محمد أركون عامّة الجمهور إلى قراءة حرة و مفتوحة للنص القرآني، شبيهة بالظاهرة القرآنية التي طرح فيها مالك بن نبي رؤية جديدة للإعجاز القرآني ، و دعوته إعطاء فرصة للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج للدّين؟
أما عن الظاهرة الإستعمارية  يقارن الأديب نبيل عودة  رؤيته بما يراه محمد أركون، هذا الأخير  يرى أن  الاستعمار لحظة تاريخية لم تؤثر على الفكر الأوروبي، لكن من وجهة نظر أولية نبيل عودة أن تأثير الاستعمار كان إيجابياً على تطوير العلوم والثقافات في أوروبا،بحيث قاد  إلى تطوير العلوم والتكنلوجيا والثقافة أيضا، بصفتها جهازا في تسويق سيطرته وسيادة ثقافته على ثقافات المجتمعات ضعيفة التطور، ولا شك أن الثقافة أساسا شكّلت الواجهة الإعلامية للاستعمار في مرحلة صعوده، وهذه الظاهرة نجدها في كل الفتوحات والحروب الاستعمارية أو التي غلفت بسط سيطرتها ونفوذها برسالة الهية، و يستدل نبيل عودة بموقفه بكتابات المفكر الفلسطيني الكبير، المرحوم إدوارد سعيد الذي تحدث عن نفس الظاهرة في كتابه “الثقافة والإمبريالية”، إلا أنه انتقد إدوارد سعيد و قال أن جعل الظاهرة الاستعمارية معياراً لنبذ الحضارة الغربية خطأ قاتل،  موضحا بأن هذه الظاهرة حملت جوانب متناقضة عدة، بينها الإيجابي وبينها السلبي. السلبي تلاشى أو يتلاشى باستمرار، وظلّت الظواهر الإيجابية هي السائدة والحاسمة في الرقي الحضاري، وتشكل مضمون الحضارة والأنسنة في المجتمعات الغربية اليوم.
أراد نبيل عودة في تحليله الظاهرة الأركونية أن يلفت انتباه القارئ العربي لماذا يكتب محمد أركون بلغة المستعمر رغم ثقافته العربية الواسعة، ثم ما يلبث أن أركون لاحظ إشكاليات اللغة العربية وعجزها عن التعبير عن بعض المصطلحات، مما جعله يكتب بالفرنسية، حتى لا تخونه التعابير، وهي ظاهرة شبيهه بما يواجهه الباحثون والمفكرون والكتاب والمترجمون العرب في إسرائيل، عن نفسه (أي نبيل عودة) يقول: لا يمكنني نقد لغة مترجمها وإلمامه الموسوعي بلغة الضاد، كما حدث مع كتاب “الإستشراق” لإدوارد سعيد مثلا، الذي تحتاج لغته العربية إلى ترجمة للغة عربية مفهومة حتى لقراء مثقفين ثقافة عالية ( النخبة) وكنت أظن أن المشكلة شخصية، حتى اعترف لي أكاديميون عرب انهم لم يفهموا النص العربي أيضا، واضطررت لقراءة الكتاب بترجمته العبرية الرائعة، وآمل أن لا يشتمني أحد لصراحتي!!
و نقف هنا، أن نبيل عودة وقف موقف المدافع عن الفكر الأركوني الذي انتقد بثقة مطلقة ما سمّاه رفض الإسلام للحداثة وتعامله معها بحذر شديد وخاصة في وقتنا الراهن، حيث بلغ الرفض أشده وظاهرة هذا الرفض تتجلى حسب رأيه… في تنامي الإرهاب والعنف الديني بشكل ملموس، ويعبر عن خوفه من أننا ننغلق فكرياً أكثر وأكثر، العديد من الكتّاب العرب رأوا في طروحات أراكون نزعاً للقداسة عن القرآن وكل ذنبه أنه أخضع النصوص الدينية والتراث الديني للتحليل والدراسة وفقا للمناهج الدراسية العلمية الحديثة، معتمدا المساءلة العقلية. واتُّهم أنه يقلد الفكر والثقافة الغربية، وغيرها من الثرثرات التي لا تعي مسألة عالمية الفكر وعالمية الحضارة بغض النظر عن مصدرها، إذ لا قومية للعلوم ولا دين للفلسفة، ولا طائفية للفكر.
 فهو يرى أن كل حديث عن اختلاف البيئة، هرطقة لا أساس عقلاني لها، إلى حد أن بعض من وصفهم بـ: ” التافهين” وصل بهم الأمر أن يعزوا أنفسهم بأنهم لم يخسروا كثيراً برحيل نصر حامد أبو زيد المفكر الإسلامي القدير، وبالتالي لم يخسروا كثيراً برحيل المفكر الكبير محمد أركون، و يختم نبيل عودة تحليله للظاهرة الأركونية بالرد على التيارات الرافضة للحداثة والعقلانية، والمتمسكة بالجمود الفكري والديني، بأن كل ما تملكه هذه التيارات المعادية للفكر التنويري هو تكرار ممل لمقاطع جاهزة، من هنا يستصعب نبيل عودة فهم تهم الإلحاد التي تُطيح بمفكرين عرب من مستوى محمد  أركون ونصر حامد أبو زيد والقائمة طويلة، ولولا مساحة الحرية في الغرب، التي انطلق الفكر العربي حرا في أجوائها، لما استطاع الفكر العربي أن يخرج من قرونه الوسطى.
علجية عيش

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق