حوارات

“الإحصائيات”: هي “النفط الجديد” المهمش في الجزائر، و تستحيل التنمية من دون “قواعد البيانات” بأرقام شاملة و متاحة للجميع

الدكتور نورالدين جوادي لـ : التحرير

“الإحصائيات”: هي “النفط الجديد” المهمش في الجزائر، و تستحيل التنمية من دون “قواعد البيانات” بأرقام شاملة و متاحة للجميع

■ بداية مشروع التنمية مرهون بحسن اختيار القطاع الرائد

■ و الإحصائيات الدقيقة و آنية التحيين هي منطلق الإقلاع الاقتصادي، وهي “النفط الجديد” للقرن الراهن

■و الحكومة مطالبة بوضع قاعدة بيانات إحصائية شاملة و متاحة و في أقرب وقت، و إقرار حق الوصول للمعلومة

■ وهنالك أربع آليات لخلق بنك معلومات إحصائي يخدم مشروع الجزائر الجديدة.

منهجياً، يحتاج مشروع الاقلاع الاقتصادي وقبل كل شيء لتحديد “القطاع الرائد”، والذي يشكل النواة لاستراتيجية التنمية المزمع تطبيقها؛ و الجزائر ليست في استثناء على هذه القاعدة التنموية، ولعل هذا ما يفسر ضعف نجاعة و نواتج  الكثير من المبادرات التنموية التي برمجت خلال العقود القليلة الماضية، و التي لم تنتبه لهذه القاعدة الرئيسية في التخطيط التنموي.

و”القطاع الرائد” يختلف حسب متطلبات كل دول و كل مرحلة؛ فالقطاع الرائد الذي يجب أن تستثمر فيه الجزائر مثلاً ليس هو نفسه القطاع الرائد الذي استثمرت فيه أي دولة أخرى ونجحت، كما أن “القطاع الرائد” الذي يجب الانطلاق منه في هذه المرحلة ليس نفسه الذي قد نحتاج الانطلاق منه في مرحلة لاحقة من مشروع التنمية الوطنية.

و برغم ذلك، فإنه وفي حالة الاقتصاديات الهشة والنامية عموماً بما فيها الجزائر تحديداً، هنالك قطاع استراتيجي واحد أُهمِل لسنوات طوال ويستحيل التخطيط للتنمية من دون إعادة تأهيله و تطويره، إنه قطاع “النفط الجديد” (the new oil) مثلما سماه الباحث البريطاني “كلايف هامبي” العام 2006 مشيراً إلى “الاحصائيات الدقيقة وآنية التحيين” و”قواعد البيانات الشاملة و المتاحة”، و التي أضحت ثروة الأمم للقرن الحادي والعشرين؛وأصبحت السلعة الأكثر قيمة في الاقتصاد الحديث، مثلما شكل النفط السلعة الأكثر قيمة على مدار عقود مضت، وبل ويؤكد الكثير من المختصين أن البيانات الشاملة والاحصائيات الدقيقة أمست ثروة لا تقدر بثمن.

و بالتأكيد، هذا التشبيه صائب لحد كبير و خاصة بالنسبة لحالة الجزائر، فكل من “النفط” و”الاحصائيات” يعتبران مدخلات استراتيجية للاقتصاد؛ كما أنه يجب معالجة البيانات و الاحصائيات مثلما يجب تكرير النفط لاستخراج شيء ذي قيمة، فالنفط الخام لا فائدة منه، وكذلك البيانات الخامة لا فائدة منها؛ و أيضاً، كلما زادت جودة النفط المستخرج ارتفعت عوائده، و الأمر كذلك بالنسبة للإحصائيات كلما زادت جودتها و دقتها ارتفعت القدرة على استخراج نتائج دقيقة من تفسيرها، و بالتالي الاعتماد على تلك النتائج لبناء نماذج تنموية متوسطة وبعيدة المدى و ذات مردودية عالية.

ومن هذا المنطلق، نعتقد أن الحكومة الجزائرية مدعوة أولاً و قبل كل شيء لبناء منظومة إحصائية شاملة ودقيقة، ومتاحة بشكل واسع، وآنية التحيين، ما سوف يسمح بتحديد الاجراءات والبرامج اللازم تطبيقها على المستوى القريب، المتوسط و البعيد، و إلا فأنه لن يكون لمشروع الاقلاع الاقتصادي أو خطط التنمية المبرمجة أي نتائج مرضية مهما ضخت من أموال، و مهما استعين بكفاءات أو خبرات، ومهما شرع من قوانين وإجراءات وتم تطبيقها…الخ.

و من حيث الجانب العملياتي، فإن بناء قواعد البيانات تلك، و بتلكم المواصفات (الدقة، الشمولية، الآنية، و الشفافية) ليست عملية شاقة و لا تتطلب الكثير من الأموال أو الوسائل، بل العكس تماماً ‘ذ أنها عملية بسيطة جداً و منخفضة التكاليف؛ يمكن اختزالها فيما يلي:(01)إعادة هيكلة “الديوان الوطني للإحصائيات” و تفعيل دوره، ومنحه الاستقلالية التامة و توسيع صلاحياته من حيث القوة القانونية في طلب المعلومات والتحقيق في جودتها، و رفع قدراته المالية و المادية لتمكينه من تجميع، تخزين وتحليل أعمق للمعلومات الاحصائية وإعادة نشرها بالشكل الذي يمكن المهتمين بمعالجتها من الحصول عليها في أسرع وقت وفي قوالب سهلة ويسيرة التعامل.(02)، الرقمنةالشاملة: والتي يجب أن تشمل كل المعاملات و الاحتياجات اليومية للمواطن، من المعاملات الاقتصادية، إلى الصحة، التعليم…الخ. والربط المباشر لقواعد البيانات الفرعية بقاعدة بيانات وطنية مفتوحة حسب طبيعة البيانات، وحسب الطلب.(03) البناء التصاعدي لعملية إعداد قواعد البيانات: فيجب البداية بتفعيل و تطوير المنظومة الاحصائية المحلية على مستوى البلدية و فروعها، و من ثم صعوداً إلى المستوى الولائي، الجهوي ثم الوطني.(04) الاستعانة بكفاءات ذات تكوين عال في عمليات جمع البيانات و الاحصائيات و ترتيبها و تخزينها.

وفي الأخير، نؤكد أن قواعد البيانات و الاحصائيات ضرورة لا مفر منها، وأنه لا ولن يمكن إعداد برامج تنموية فعالة بدون أرقام دقيقة، شاملة، آنية، ومتاحة للجميع، كما نؤكد أن الحكومة الراهنة للجزائر الجديدة يجب ن تولي هذا القطاع وهذا الملف الأولوية الأولى في برنامجها، و يجب إصدار قانون الحق في الوصول للمعلومة الاحصائية دون قيود أو حواجز.

نورالدين جوادي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق