حوارات

العشرية السّوداء أثرت على قطاع السياحة في الجزائر وحان الوقت لإعادة الاعتبار للسياحة الصّحراوية

المنظمة الجزائرية للتراث والسياحة والصناعات التقليدية في حوار مع التحرير

العشرية السّوداء أثرت على قطاع السياحة في الجزائر وحان الوقت لإعادة الاعتبار للسياحة الصّحراوية

( السياحة التونسية انتعشت بفضل السواح الجزائريين)

(الثغرات القانونية و استغلاها من طرف المضاربين السبب الرئيسي في نهب العقار السياحي)

(7000 وكالة معتمدة بالسياحة الداخلية وخاصة الصحراوية، إلا أن القليل منها في السا حة)

ترى المنظمة الجزائرية للتراث و السياحة و الصناعات التقليدية أنّ العشرية السوداء أثرت على قطاع السياحة في الجزائر، و رغم مرور 20 سنة تقريبا ما زال الواقع السياحي في الجزائر  يسوده القلق ولا يبعث على التفاؤل، إذ لم يرق إلى المستوى المطلوب و بقيت إنجازاته جدٌّ محدودة، إذا ما قورنت بالدول الشقيقة ، فحجم الاستثمارات التي خصصت لهذا القطاع، تعتبر ضعيفة مقارنةً و مساحة الجزائر القارة، فالمجهودات التي بُذلت في الماضي لم تشهد استمرارية، لأشباب عديدة منها  أن الثغرات القانونية و استغلاها من طرف المضاربين وراء تقلص مساحات مناطق التوسع السياحي،  ثم أن ظاهرة اللاأمن التي عرفتها الجزائر خلال العشرية الماضية، زادت من عزلة الجزائر على المستوى الدولي، وبالتالي القضاء على الآمال التي كانت قائمة لإعادة بناء قطاع السياحة، هذا ما أشار إليه النشاط الجمعوي و عضو المكتب الوطني للمنظمة السيد حمديني عبد الكريم الذي صال و جال في الحديث عن قطاع السياحة و آليات النهوض به في هذا الحوار الشيق 

التحرير:ممكن أن تحدثنا عن فكرة تأسيس المنظمة الجزائرية للتراث والسياحة والصناعات التقليدية، و ماهي أهدافها ؟

 جاءت فكرة تأسيس جمعية وطنية تهتم بتطوير العلاقات بين أفراد الجيل الواحد وحتى الأجيال القادمة من طرف مجموعة من الشباب المثقف الواعي المدرك لأهمية السياحة في بلد بحجم قارة مثل الجزائر، وعلى راسهم السيد صالحي طارق، في البداية كانت نشر الفكرة عن طريق التواصل الاجتماعي التي أسست لربط العلاقات وبلورة الافكار بين الشباب الغيور على وطنه  و المحب للسياحة والأسفار، و كانت الفكرة الغالبة هي تأسيس جمعية وطنية سميت المنظمة الجزائرية للتراث والسياحة والصناعات التقليدية، انعقدت الجمعية العامة التأسيسية تزامنا مع الاحتفال باليوم العربي للسياحة يوما 24 و25 فيفري 2019 ، احتضنته ولاية أم البواقي بمشاركة أكثر من 25 ولاية وانبثق عنها مكتب وطني يرأسه السيد طارق صالحي واعتمدت رسميا في 18 جويلية 2019 ، أما عن أهدافها فالمنظمة تسعة لإبرازها على الساحة الجمعوية  من خلال المساهمة في تنشيط قطاع السياحة و الترويج له داخليا وخارجيا ، و تقديم مشاريع  حسب الإمكانيات والقدرات السياحية بالتنسيق مع قطاع السياحة، الاهتمام بالموروث الشعبي من خلال إقامة المهرجانات الخاصة بسباق الخيل والهجن والإبل وغيرها من النشاطات ذات الصلة،  تشجيع الأبحاث و الدراسات في المجال السياحي، وقد شرع المكتب الوطني للمنظمة في إعداد برنامج عمل سنوي، أما المشاريع المسطرة في الآفاق تتمثل في إقامة صالونات للصناعات التقليدية على مدار السنة وبصفة دائمة .

 التحرير:كيف تقيّمون واقع السياحة في الجزائر؟

 تعد السياحة أهم قطاع اقتصادي نموا في العالم باعتبارها قطاعًا إنتاجيًا يكتسي أهميةً كبيرةً في زيادة الدخل الوطني ، ومصدرًا هاما للعملات الصعبة، وإتاحة فرص التشغيل للأيادي العاملة، وهدفًا لتحقيق برامج التنمية الاقتصادية والخدماتية الشاملة مثل ( النقل، المصارف، المؤسسات المالية، مؤسسات الدعاية والتشجيع و الترويج…الخ)، والجزائر تمتلك من مقومات سياحية و تاريخية تجعل منها دولة رائدة في المجال السياحي و تطمح مثل بقية الدول، الى أن تكون السياحة إحدى أولوياتها وتكون أحد مراكز الجذب السياحي طبقا للتوجيهات الواردة في ميثاق السياحة المستدامة الصادر سنة 1995 والذي ينص على انه يجب ان تكون السياحة المستدامة على المدى الطويل غير مؤثرة في المجال البيئي وذات ديمومة من الناحية الاقتصادية، إلا أنّ الواقع السياحي في الجزائر لا يبعث على التفاؤل، إذ لم يرق هذا القطاع إلى المستوى المطلوب الذي يكفل الوصول إلى الأهداف المرجوة منه، وبقيت إنجازاته جدٌّ محدودة، إذا ما قورنت بالدول الشقيقة ، فحجم الاستثمارات التي خصصت لهذا القطاع، تعتبر ضعيفة، كما أن المجهودات التي بذلت في الماضي لم تشهد استمرارية، وأن ظاهرة اللاأمن التي عرفتها الجزائر خلال العشرية الماضية، زادت من عزلة الجزائر على المستوى الدولي، وبالتالي القضاء على الآمال التي كانت قائمة لإعادة بناء قطاع السياحة

التحرير:هناك دول لا تملك إمكانيات التي تملكها الجزائر كتونس مثلا لكنها نجحت سياحيا، في رأيكم هل الأسباب تعود إلى غياب استراتيجية أو رؤية استشرافية للنهوض بالقطاع؟

 نعم الجزائر تملك امكانيات هامة ولكنها غير كافية في بلد قارة كالجزائر كما أنه تحتاج الى اعادة تأهيل البنية التحتية والجمالية وكذا رسكلة وتكوين اليد العاملة في المعاهد و المراكز المختصة حتى تواكب التطورات الحاصلة في السياحة من أجل توفير عامل الجذب والاستقبال اللائق للوفود السياحية الاجنبية، وهذا ما تسعى إليه الوزارة الوصية التي انطلقت في تأهيل كل المركبات والفنادق التابعة لها ،هذا في القطاع العمومي ، أما القطاع الخاص، يجب كذلك إعادة تأهيل الفنادق والمحلات الخدماتية المرافقة وتوظيف يد عاملة مؤهلة و حاملة للشهادات، من أجل تقديم خدمات أفضل، سواء في المقاهي و المطاعم وخاصة السياحية منها او المتواجدة في مناطق التوسع السياحي، كما أنه يمكن إجراء تصنيف لهذه المقاهي والمطاعم السياحية حسب نوعية الخدمة المقدمة.

التحرير:يمكن القول إذن أن تونس دولة سياحية بامتياز مقارنة بالجزائر؟  

  لايمكن مقارنة الجزائر بتونس التى نجحت سياحيا لأن الجزائر مرّت بمرحلة العشرية السوداء التى و بسببها تم عزل الجزائر سياحيا بدعوى ان الجزائر بلد غير آمن، أثر ذلك على ممارسة الفعل السياحي في الجزائر عكس ما نراه في تونس وكذا نقص هياكل الاستقبال، و هذا لا يعني أننا لا نملك ثقافة سياحية، فالمواطن الجزائري ذواق و لديه حس عالٍ للسياحة سواء داخل الجزائر او خارجها، والسياحة التونسية انتعشت بفضل السواح الجزائريين والوفود التي تخرج سنويا ، إلا أنه في الآونة الاخيرة وبعد ان تحسنت الاوضاع الامنية بدأت السياحة الداخلية تنتعش من جديد بفضل سياسة وزارة السياحة في هذا المجال بإنشاء منصات ومواقع الكترونية للمتعاملين في مجال خدمات السياحة والفندقة وكذا الوكالات السياحية والفنادق ومراكز العطل التي يؤطرها اطارات شابة مؤهلة متكونة في المعاهد الوطنية، التي استفادت من كل التسهيلات في الحصول على الاعتماد و الجمعيات والنوادي النشطة في هذا الميدان. هذه المؤسسات المختلفة تعمل على جذب المواطنين الجزائريين والاجانب للسياحة الداخلية وفق برامج سياحية، و نحن نأمل أن يكون لهذه الأخيرة شأن في المستقبل وخاصة بعد أن تم إقرار تخفيض 50 بالمئة على الرحلات بالطائرة للمجموعات الجزائرية المتجهة للولايات الداخلية الجنوبية للسياحة .

التحرير: لكن 20 سنة تقريبا من محاربة الإرهاب ألا تعد كافية لإحياء قطاع السياحة من جديد؟

 بالإضافة إلى العشرية السوداء التي شهدتها البلاد في فترة ما ، كانت هناك مسببات أخرى فالنظرة الأحادية والسلبية للبعض الآخر مثلا كانت وراء تراجع قطاع السياحة والحد من تطوره ، و الجزائر اليوم تسعى لأن تتحول من بلد مصدر للسياح إلى بلد مستقبل لهم، وهذا ما بدا جليا للعيان أن السياحة الجزائرية بدأت تنتعش و تستعيد عافيتها من جديد، وهو ما مكنها من استقطاب عدد  أكبر من السياح الأجانب سنة بعد أخرى، فكل المعطيات والدلائل تشير إلى أن الوضع الأمني هو ما ساهم في هذا التراجع لكن بالرغم من تحسن الاوضاع الامنية في السنوات الاخيرة و وجود امكانيات ومؤهلات سياحية طبيعية ساحرة و انتهاج الدولة لاستراتيجية وطنية خاصة لتطوير القطاع تجسدت في وضع المخطط التوجيهي للتهيئة السياحية آفاق 2030 ، إلا أن هذه الاستراتيجية لن تجدي نفعا إن لم تصاحبها ارادة سياسية قوية تجعل من القطاع السياحي قطاعا استراتيجيا اوليا وليس ثانويا .

التحرير:ما تزال السياحة الصحراوية مغيبة في استراتيجية الدولة، أين هو دور الوكالات السياحية في هذا المجال؟

 الجنوب الكبير يتميز بمناطق ساحرة كالواحات و منطقتي الهقار و الطاسيلي المصنفتين في التراث الإنساني من طرف اليونسكو، مثل مدينة ” سيفار” الضائعة في الطاسيلي التي يعود تاريخها الى أكثر من 20 ألف عام وتحتوي على أكثر من خمسة آلاف منزل كهفي وأكثر من 15 الف لوحة جدارية ونقوش قلما وجدت في مناطق أخرى، كما توجد بها أعلى قمة بالجزائر وهي قمة “تهاة” بعلو 3003 مترا ، ولكن تبقى مجهولة وغير معروفة لدى معظم الجزائريين بسبب انعدام هياكل الاستقبال، وان وُجدت فهي ذات قدرات استقبال ضعيفة ليست في متناول الجميع والمرافق الضرورية الاخرى كالصرافات الآلية لتغيير العملة بالنسبة للسائح، الاجنبي، وفي ظل عدم اهتمام وكالات الاسفار والسياحة التي تعدت 7000 وكالة معتمدة بالسياحة الداخلية وخاصة الصحراوية، إلا أن القليل منها يعد على الأصابع، لأسباب عديدة منها ماهو راجع إلى قلة المرافق وهياكل الاستقبال في المناطق الصحراوية التي يزداد عليها الطلب في مواسم السياحة الصحراوية ويقل في المواسم الاخرى، وبالتالي ترتفع تكاليف الرحلة والتي لا تكون في متناول الجميع،  لأن الجنوب الكبير يتميز بمناخ جاف يتسم بموسم حار طويل يمتد من شهر ماي الى سبتمبر حيث تتراوح درجات الحرارة بين 40 و45 درجة مئوية ، و بقية الاشهر تمتاز بمناخ متوسط الحرارة، والتي تشكل مصدرا هاما للسياحة الشتوية ، كذلك غياب الترويج والتسويق الاشهاري من طرف هذه الوكالات للمناطق السياحية الصحراوية للتعريف بها داخليا وخارجيا، تفضيل السائح الجزائري السياحة في المناطق الشمالية، لقلة التكاليف و وفرة مرافق وهياكل الاستقبال على السياحة الصحراوية ، و لإن كانت الوكالات السياحية وسيلة فعالة لجلب السواح و ركيزة أساسية يُعوَّل عليها لتحقيق أهداف المخطط السياحي ،إلا أنها لاتزال بعيدة عن تحقيق الأهداف المرجوة منها في تحقيق الفعل السياحي المنتظر.

التحرير:أزمة العقار تُطرح بحدة في الجزائر، ماذا تقولون في ذلك؟

 السياحة والعقار وجهان لعملة واحدة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للتنمية الاقتصادية. فالعقار السياحي الذي يتطلبه النشاط فيه موارد كبيرة لإنشاء المرافق السياحية الأساسية من فنادق ومراكز سياحية وغيرها، فنجد ان العنصر البشري وباستغلاله للثغرات القانونية في هذا المجال وتلاعب فيه بإحداث عدة عمليات مضاربات، استفاد منها أناس لا صلة لهم بالقطاع، ادت الى تقلص مساحات مناطق التوسع السياحي بسبب التدهور المستمر للمواقع السياحية و الشغل العشوائي لمناطق التوسع السياحي وكذا تدهور المحيط الطبيعي، كنهب الرمال مما أدى إلى تحويل الموارد عن طبيعتها السياحية، وهو الأمر الذي قلل بشكل كبير من فرص الاستثمار في بعض المناطق ذات القيمة السياحية العالية، وعليه قامت السلطات المعنية بإعادة تحديد مفهوم مناطق ومواقع التوسع السياحي، بالرجوع إلى قوانين ما تزال سارية المفعول لاسيما قانون التوجيه العقاري رقم 90/ 25 المؤرخ في 18/ 11/ 1990 الا ان المشرع استثنى العقار السياحي و ذكر فقط ما يسمى بالمساحات والمواقع المحمية وذلك في المادة 03 منه، حتى جاء القانون رقم 03/ 01 المؤرخ في 17/ 02/ 2003 المتعلق بالتنمية المستدامة للسياحة ، والقانون 03/ 03 المؤرخ في 17/ 02/ 2003 المتعلق بمناطق التوسع والمواقع السياحية، فكل هذه النصوص القانونية وغيرها من شأنها بعث الحياة في العقار السياحي في الجزائر كونه من العوامل الرئيسية لإنجاح السياحة الجزائرية.

التحرير:كناشط جمعوي ماهي البدائل لتحقيق نهضة سياحية، و كيف يمكن تفعيل السياحة الداخلية و غرسها في ذهن المواطن الجزائري؟

 أرى أنه من أجل  تحقيق نهضة سياحية وتفعيل السياحة الداخلية ، يجب تحديد رؤية مستقبلية شاملة لتحقيق مجموعة من الاهداف الاستراتيجية على المديين القصير والطويل وهذا بإعطاء صورة سياحية للمنطقة وإمكاناتها لترغيب المستهلكين وجلبهم وإقناع وترغيب السواح للتوافد على المناطق السياحية، من خلال تقديم التسهيلات والإغراءات والتعريف بالخدمات السياحية الرائعة المقدمة وامتيازاتها من خلال الإشهار السياحي وتنظيم وتفعيل التظاهرات المختلفة التي تعنى بالسياحة الداخلية ، والمساهمة في التنمية المحلية، والمحافظة على البيئة والفضاءات الحسنة لتوسع السياحة البيئية. هذا، بالإضافة إلى تلبية حاجات الطلب الوطني المتزايد باستمرار، قصد تقليص عدد المتوجهين إلى الخارج لقضاء العطل، وكذا تثمين وحماية الشواطئ للاستفادة منها، وتوفير شروط تنمية منسجمة ومتوازنة، مع تحديد نظام تسلية مدمج ومنسجم مع النشاطات السياحية الشاطئية.

التحرير:ماهي الرسالة التي توجهونها للشباب الجزائري من أجل ان يتعرّف على بلاده بدلا من الذهاب إلى الخارج؟

من هذا المنبر أوجه رسالتي للشباب الجزائري، إن الجزائر تحتاج الى جميع سواعد ابنائها لخلق ثروة سياحية تجعل من الجزائر  قطبا سياحيا من الدرجة الاولى باعتبار السياحة النشاط الأكثر اعتمادا على العنصر البشري مقارنة بالقطاعات الإنتاجية الأخرى لكونها فضاءً استثماريا محفزا للشباب لتفجير طاقاتة الابداعية ، فالشباب اليوم مطالب بالمساهمة الفعالة في تنشيط قطاع السياحة من خلال الترويج داخليا و خارجيا للمشاريع و الإمكانيات و القدرات السياحية في اطار الحركة الجمعوية والنوادي السياحية ومن ثم العمل على رفع درجة الوعي العام بأهمية الموروث الشعبي، و ترقيته و تشجيع الأبحاث و الدراسات في المجال السياحي و إظهار أنواع و مقومات السياحة التي تميز الجزائر عن بقية دول العالم، و في الختام أقول للشباب: لا داعي للسياحة في الخارج فبلدك الجزائر أولى من دول أخرى.

حاورته علجية عيش

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق