ثقافة و أدب

منتدى جنان الصاباط يواصل نشاطه بمداخلة تحت عنوان: مهارات وصناعات تقليدية في الغذاء الصحي

اليوم السبت: 09/11/2019 هو اليوم الوطني للحرفي وبهذه المناسبة كان لمنتدى جنان الصاباط الثقافي موعد مع الحدث وبالتنسيق مع الديوان المحلي للسياحة والصناعات التقليدية – سوف- وبمقر فندق ترانزات القديم (وسط المدينة) الوادي. كان ضيف المنتدى الاستاذ علي مناعي وذلك بمداخلة تحمل عنوان: مهارات وصناعات تقليدية في الغذاء الصحي، وسط جمع من الاساتذة والمثقفين والأدباء ينتابهم الشوق والشغف لهذا اللقاء.

وقد أشرف على تنشيط فعاليات ومجريات المنتدى الاستاذ نجيب بله باسي مرحبا كعادته بالضيف الكريم والمهتم بالتراث المحلي لمنطقة سوف خصوصا والمبدع في الصناعات التقليدية للمنطقة ألا وهو الاستاذ علي مناعي الذي شرفنا بحضوره وشاكرا له تلبية الدعوة واضافته الايجابية إلى المشهد الثقافي والموروث المادي في تاريخ سوف.

ومعرجا في نفس الوقت إلى صميم الموضوع وأهميته القصوى خاصة تزامنه مع اليوم الوطني للحرفي وماله من دلالات ومعاني عميقة ضاربة في جذور وربوع سوف خاصة وأن الرجل السوفي يتمتع بقدرات فائقة وعبقرية وذكاء خارق وتفاني مستمر بإرادة قوية وعزيمة صلبة تحدى فيها قساوة الطبيعة وجفاف المناخ والحرارة القاهرة حيث طوع الرمال والكثبان الرملية المستعصية والصحراء الجرداء الوعرى وحولها إلى جنة خضراء، زيادة على تفننه الملفت والبارع في مهارات الصناعات التقليدية والمنتوجات من الغوط (غابة النخيل) حيث استغل النخلة اقتصاديا وعلاجيا واجتماعيا وجعلها مورد صناعي وطبي وغذائي وذلك مساهمة في النهوض بالتنمية المحلية والوطنية: بحيث استكمال المشوار فما حققه وأنجزه الاجداد يطوره الاحفاد بأساليب ومهارات حديثة وفق مناهج علمية مدروسة تتماشى وتتلائم مع التطور العلمي والتكنولوجي المعاصر يصل إلى قمة الابداع والاستخلاص الناجح والمفيد للبلاد والعباد وليس ذلك بغريب عن الرجل السوفي المتحدي دائما والمبدع بامتياز أمثال استاذنا الفاضل علىي مناعي الذي عرف بمهاراته وقدراته الفائقة بولوجه عالم الصناعات الغذائية التقليدية وغيرها وأثبت جدارته في الميدان .

ثم توجه بالشكر الجزيل إلى السادة الاساتذة الحضور على سعة صدرهم وحسن اصغائهم ومشاركتهم الايجابية والفعالة وفاءا لجلسات الشاي الثقافية للمنتدى وبعد ذلك مباشرة أحيلت الكلمة إلى الاساتذ المحاضرعلي مناعي الذي عبر عن سروره وسعادته لوجوده أمام هاته النخبة الثقافية المميزة من الاساتذة الافاضل والشيوخ المحترمين والذي حصل لي الشرف الكبير بأن أحضى بمجالستهم الحميمية التي يحتضنها منتدى جنان الصاباط الثقافي المميز في سبيل تنوير الفكر ونشر أواصر العلم والمعرفة، ومتطرقا في نفس الوقت إلى مداخلته مبرزا.

* تحدي الرجل السوفي للطبيعة القاسية والصحراء القاحلة:

لكل مجتمع تمليه طبيعة الحياة وظروفها والعباقرة والاذكياء، هم وحدهم الذين يواجهون الاهوال والتحديات ويتميزون عن غيرهم من اقرانهم في طلب المستحيل وصناعة المعجزات ومواجهة الشدائد والصعوبات وفرض وجودهم، كذلك هم سكان سوف الاوائل الذين تجمعهم عدة محاور وهي: محور وادي سوف ووادي ريغ والزيبان والجريد. من أجل ذلك اضطر الرجل السوفي البدائي أن يغادر موقعه الذي تمرد عليه إلى وجهة الصحراء المترامية الاطراف نحو المجهول، والمجازفة بحياته ليستقر به الترحال إلى تلك المنطقة الجرداء لا حياة فيها ولا نبات ولا شجر ولا ماء ولا كلاء.

زيادة على قساوة المناخ الحار جدا والجاف، وعواصف الرمال الشديدة والرياح الهوجاء (كثبان رملية على مد البصر وأشعة الشمس فيها كأنها الجمر إذا سعر) ولكن رغم ذلك الشبه المستحيل وعملا بمقولة الحاجة أم الاختراع وأصبح الخيار بين الموت أو البقاء، فكان أول تحدي عبر التاريخ يحسب للرجل السوفي العبقري هو بدع وإنشاء ما يسمى الغوط (غابة النخيل) والتي صنفت من طرف الامم المتحدة بالتراث العالمي، وأصبح يلقب بالهرم المقلوب فاستطاع الانسان السوفي ان يحفر حفرا في عمق الرمال تصل إلى 200م وعرضها يفوق عشرات الامتار ليصل إلى الطبقة المائية في عمق الصحراء ويبدأ بغراسة النخيل بشتى أنواعها وأشكالها بواسطة أدوات بدائية بسيطة جدا عن طريق رفع الرمال على ظهور الرجال والحمير والبغال ذلك الذي عجزت عليه وسائل التكنولوجيا الحديثة والعصرية، إلى أن أصبحت رمالا خضراء تحتوي على مئات الغيطان الغناء وكانت شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية لسكان سوف الاوائل، لأن الغوط يعتبر مصدر رزق وكسب لأهل سوف حيث يتحقق فيه الاكتفاء الذاتي تقريبا (إنتاج التمور وتربية الحيوانات والاغنام والابقار والابل والطيور والدواجن وزراعة الخضر والفواكه الخ).

* مهارات الحرف التقليدية والفنون المبتكرة:

أضاف الاستاذ علي مناعي بأن علاقة النخلة بالرمال والمناخ علاقة وطيدة انطلاقا من المحيط الصحرواي حيث تعتبر النخلة جزءا لا يتجزأ من حياة الرجل السوفي فهي غطاؤه وفراشه ولباسه لأن الحرف والفنون تتطلب مهارة مضنية وعمل شاق وبحث جدي ومهارة عالية تتفاعل اجتماعيا وضرب عدة أمثلة على الاستعمال الصحيح والطبيعي لاجدادنا في عدة مجالات مثل ما يسمى بالقربة التي تصنع من جلود الحيوانات (الماعز) يخزن فيها ماء الشرب فهي خزان صحي لا يحدث أي ضرر لأنها من مادة عضوية وليست كيميائية مضرة وليست كالتي هو موجود عندنا الآن لها اضرار صحية على الجسم وكذلك بالنسبة لتخزين الماء في براميل مصنوعة من الطين والخزف لأنها صحية وطبيعية، وأضاف الاستاذ المحاضر بأنه يصنع من صوف ووبر الاغنام والابل أفرشة واغطية طبيعية صديقة البيئة خالية من المركبات الكيميائية والملوثات.

ومثله في ميدان اللباس حيث صنع البرنس والقشابية من الصوف والوبر وكذلك ما يسمى العفان وهو حذاء مصنوع من ليف وسعف النخيل يلائم جدا تضاريس الصحراء الرملية الحارة والجافة وكذلك صنع المظلة والقفة من سعف جريد النخيل الخالص والتي تتلائم مع طبيعة المنطقة وشدة حرارة الشمس اللافحة التي تعكس الاشعة ولا تسبب أي ضرر هذا بالنسبة للمظلة أما القفة فهي صديقة البيئة تحفظ فيها الخضر والفواكه ولا تحدث أي ضرر كيمائي وغيره، كما أن لتخزين التمور في عهد الاجداد له طرقه السليمة والمميزة بحيث يحفظ في خوابي مصنوعة من مادة الجبس الطبيعية وتبقى التمور سليمة ولا يشوبها أي تخمر أو تعفن أو فساد لسنوات طويلة لأنها مخزنة في ظروف طبيعية وبيئية ممتازة وحتى أواني الشرب عندهم كانت طبيعية مثل ما يسمى بالقنينة مصنوعة من سعف النخيل وأيضا ما يسمى بالطبق المصنوع كذلك من سعف النخيل وما يسمى بالسناج وهو عبارة عن سطل مصنوع من مشتقات الجريد والنخيل وغيرهم من الادوات الاخرى المتعددة والكثيرة الاستعمالات وحتى الحبال هي الاخرى مصنوعة من ادوات النخيل.

ولما تطور العلم والابداع أصبح ما يسمى بالصناعات التقليدية التي توسعت وأبدعت في هذا المجال بالذات وبلغت شوطا كبيرا داخل الوطن وخارجه بفضل الاحفاد الذين يواصلون ويطورون ما صنعه الاجداد.

* استخلاص الغذاء الصحي الطبيعي من النخيل والنباتات:

وذكر الاستاذ علي مناعي بأن الانسان الذكي هو الصحيح الذي يفكر بتفكير سليم وسديد رافضا كل ما هو غذاء غير طبيعي وصحي الذي يتسبب في الامراض المستعصية مثل مرض السرطان عافاكم الله، وإن الرجوع إلى الطبيعة هو الاساس وعليه واستجابة للطبيعة فمثلا عدم رمي أي قشور للفواكه ويجففونها في الشمس ويستعملونها في عدة علاجات وغيرها من الغذاء الصحي، وخير دليل على الابداع الذي توصل إليه الاستاذ علي مناعي المهتم بشؤون النخيل والنبات منذ سنوات واستطاع بفضل الله والابحاث المضنية والتحاليل المخبرية أن يستخلص عدة مستحضرات غذائية طبيعية خالية من المركبات الكيماوية المضرة بالصحة وذلك من تمور النخيل والمنتجات الاخرى حيث جلب عينات منها إلى المنتدى وتم عرضها على السادة الحضور في مقر المنتدى الثقافي ونذكر منها ما يلي: رب التمر وهو معجون في زجاجة يحتوي على معجون التمر مفيد لصحة الجسم ولا يحتوي على مركبات كيماوية ملوثة وكذلك ما يسمى: خل التمر وهو محفوظ في زجاجة وله فوائد صحية متعددة واستعماله في كل السلاطات والاغذية الاخرى.

كذلك هناك ما يسمى بزيت البرتقال وهو مستخلص مستحضر من قشور البرتقال المجففة تحت أشعة الشمس (زيوت طيارة) وله ايضا فوائد صحية جمة وطبيعية وكذلك ما يسمى زيت الريحان وهو مستحضر في زجاجة مستخلص من ورق النعناع المجفف وهو مفيد جدا وله قدرة فائقة على القضاء لعدة أمراض وحساسيات وغيرها وكل هاته المستحضرات صديقة للبيئة وطبيعية، كما أضاف الاستاذ علي مناعي بأن أمهاتنا في الماضي كانوا يستعملون زيت الزيتون مع الورد لدهن الشعر والمحافظة عليه من التلف ويبقى الشعر قويا محافظا على قوته ولمعانه وحيويته وجماله.

* الزيوت العطرية (كانت مدينة بجاية تغسل بماء الورد):

ذكر الاستاذ بأن في العالم هنالك دولتان تستخدم الزيوت العطرية وهما: فرنسا وتركيا لماذا: لأنهم مروا بالجزائر في الماضي بواسطة الاحتلال أو الحماية لأن الجزائر كانت أول دولة تنتج نبات العطرشة ويحتوي على عديد النباتات العطرية كما أكد علي وجوب ادخار التقطير إلى بلدنا الجزائر وعدم رمي قشور الخضر والفواكه واخضاعها إلى التقطير، وإن أهم وزارة سيادية في هولندا هي وزارة البيئة.

وفي الأخير وبعد فتح باب النقاش والحوار أكد الأستاذ علي مناعي بأن التنوير يكون بالعمل المستمر والورشات، وأنه قام بعدة دورات في بسكرة وغرداية وصلت إلى عشر(10) ورشات، وأكد على أهمية الرجوع إلى الأصل الذي هو أساس كل تقدم الشعوب والأمم وخاصة في الميدان الغذائي الصحي البيئي السليم وإن تحرك المثقفين يحولون هذا إلى مفعول ايجابي يساهم في تحقيق عدم التبعية للغير ويضمن التنمية المحلية المستدامة.

نجيب بله باسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق