الرئيسية » صفحات خاصة » مجتمع » المدرسة تدير ظهرها لـ”ملائكة متلازمة داون”

المدرسة تدير ظهرها لـ”ملائكة متلازمة داون”

لا حظ لهم في البرنامج التعليمي العادي وجمعيات تقوم بتدريسهم

المدرسة تدير ظهرها لـ”ملائكة متلازمة داون”

 

تدير المدرسة الجزائرية بظهرها عن فئة أطفال متلازمة داون، الذين لا حظ لهم في البرنامج التعليمي مثل أقرانهم العاديين، لتكون المعاناة مضاعفة مع نظرة المجتمع القاصرة و صعوبة إدماجهم في سوق العمل.

تبدأ معاناة أولياءٍ،  أبناءُهم  مصابون بمتلازمة داون حين بلوغهم سنّا يُسمح لهم بارتياد رياض الأطفال ، فخلافا عن  أقرانهم العاديين، اصطدم بشير حراثي المقيم بالجزائر العاصمة بتعليمة رسمية صادرة عن وزارة التضامن الاجتماعي و التعليم تمنع فلذة كبده المصابة بالتريزوميا من تسجيلها في روضة خاصة أو عمومية بدعوى غياب مختصين في المجال النفسي و الارطوفونيا للتكفل بهم، ما اعتبره وفق نداء وجهه إلى السلطات المعنية “إقصاء لأبنائهم و حرمان لهم من الحق في التمدرس. كما ينص عليه الدستور والمنظمات الدولية”، مؤكدا أن تعليم هذه الفئة بمثابة تمكينهم تدريجيا من الاندماج في المجتمع،  شأنهم شأن أقرأنهم في بلدان أخرى.

تعجيز

و يستغرب المعني شرط مديرية النشاط الاجتماعي التابعة لوزارة التضامن لقبول التحاق ابنته بالمدرسة تابعة للمديرية في 6 سنوات، فلابد لها أن تخضع لاختبار القبول و هو أمر صعب بسبب عدم مرافقتها في سن الرابعة أو الخامسة.

وتتسم حالة المصابين بمتلازمة داون أو التثالث الصبغي 21، وهو التفسير العلمي للمرض، بوجود تغييرات كبيرة أو صغيرة في بنية الجسم و يصاحب المتلازمة في الغالب ضعف في العقل والنمو البدني، وبمظاهر وجهية مميزة.

و تقدر نسبة أطفال مرضى التريزوميا كما يلقبون أيضا في الجزائر بمولود لكل 900 مولود و بمعدل 6 آلاف حالة جديدة سنويا، لكن إحصائيات الجمعيات المتخصصة تتعدى ذلك بأكثر من ثلاثة أضعاف، إن تم الأخذ بعين الاعتبار الأطفال غير المسجلين و القاطنين في المناطق الريفية.

و رغم أن عددهم كبير إلا أن الفئة تعاني من تهميش رسمي لا يضاهى أمام نظرة المجتمع القاصرة. و يحتج رئيس التنسيقية الوطنية لأولياء تلاميذ التريزوميا بن سديرة العيد من تمييز وزارة التربية في معاملة هؤلاء، مقارنة مع نظرائهم من الأطفال العاديين.

و بعدما أحصى بن سديرة مئة ألف طفل جزائري مصاب بمتلازمة داون المعروفة بتريزوميا 21، قال إن مطلبهم الذي وجّه إلى  الحكومة والجمعيات الحقوقية أن يكون انتسابهم في مسارهم الدراسي إلى وزارة التربية الوطنية. كما يحدث في معظم دول العالمن و وفق ما نصت عليه مواثيق الأمم المتحدة التي وافقت عليها الجزائر و ليس إلى وزارة التضامن.

…و التساؤل، أيعقل أن يدرس هؤلاء الأطفال في مدارس بطابع جمعوي تابعة لوزارة التضامن؟

و فسر الناشط الجمعوي إلحاحهم الشديد على تجسيد هذا المطلب بوضع الفئة تحت وصاية وزارة التعليم، باستفادتهم من البرنامج التدريسي المطبق شأنهم شأن التلاميذ الآخرين و فضلا عن ذلك فإن الوزارة تملك إمكانيات لجلب مختصين تربويين.

و يعبر بن سديرة عن خشيته عندما يرفض الأساتذة الذين يدرسون أبناءهم مواصلة تقديم فصول التعليم بسبب ضعف الراتب، علما أن بكل قسم يجب أن يضم ثلاثة مؤطرين أخصائية نفسية و ارطوفونية في علم النطق و تربوية.

لكن الأدهى حين يكمل سنته التعليمية الخامسة وهو ما يسمح له به القانون فقط، ليكون مصير الأطفال الملائكة في نهاية المطاف و هم في عمر 11 سنة في الشارع لغياب مرافق و فضاءات أخرى تستوعبهم. فيما يرفض المجتمع في الغالب إدماجهم في سوق العمل.

و تحظى مناطق معينة في الجزائر بتخصيص أقسام خاصة لتدريس   المصابين بالتريزوميا ، لكن في جهات أخرى و خصوصا في القرى و الولايات الداخلية يقصون من التعليم.

حظه مثل العاديين

و يرفض المختصون في علم النفس بالجزائر عزل هذه الفئة عن محيطها الاجتماعي فيصححون للعامة بأن الطفل المصاب بالتريزوميا ينمو كبقية الأطفال وله نفس حظوظ الأطفال العاديين في الحياة، و لا يجب أن يتم عزله عن باقي أفراد المجتمع. كما أنه ليس مريضا عقليا و لا يمكن اعتباره أيضا معاقا بنسبة 100 بالمائة، فهو طفل يمكنه التعلم و الاستيعاب و إن عانى من بطء في الكلام و المشين فهو يملك قدرات إيجابية كبيرة يمكن التكفل بها و تطويرها.

وينصح أخصائيون في الارطوفونيا بضرورة معاملة الطفل بطريقة عادية وتجنب الدلال الزائد مع ضرورة معاملته كأخوته العاديين إضافة إلى التنشئة على تقدير الذات، و تنمية التواصل معهم داخل الأسرة.

وبحكم تجربة الأخصائيين في الميدان فإن الصبر مفتاح النجاحن في التعامل مع الطفل التريزومي. فما يتعلمه الطفل العادي في 5 دقائق يتعلمه الطفل المصاب بمتلازمة دوان في 5 أيام. مشددين على أهمية تعليمهم كيفية تقبل الذات، و اختلافهم عن الآخرين.

و حسب دراسات باحثين في الجزائر، فإن سببين رئيسيين يعتبران من عوامل إنجاب أطفال التريزوميا وهو زواج الأقارب والزواج المتأخر، حيث احتمال تسجيل حالة في 2000 ولادة للنساء المتزوجات في سن العشرينات، مقابل تسجيل حالة في كل 400 ولادة للمتزوجات في سن الثلاثينات وحالة في كل 100 ولادة للنساء المتزوجات في سن الأربعين.

وبينما كان معدل عمر المصابين بمرض التريزوميا في الجزائر في سنوات الخمسينات لا يتجاوز 20 سنة تعدى سنة 2008 ستين سنة بفضل الرعاية الصحية والنفسية للمصابين بهذا الداء.

لكن أهم ما يؤرق أولياء الأطفال ظلم المجتمع لهم ففي الجزائر مثلا كثيرون يسمونهم بـ “المنغوليين”، حتى أصبحت هذه الكلمة ذات شيوع في أوساط الشباب والشابات، وتعنى البلادة و الغباوة وكان الطبيب البريطاني جون لانغدون داون الذي اكتشف الداء و قال بأن الأطفال المولودين بمتلازمة داون لهم ملامح وجهية خاصة من ناحية زاوية العين، تشبه الجنس المنغولي.

و لمحو هذه التسمية الخاطئة بهم، أطلقت جمعيات شعار” نادني باسمي ” لتغيير نظرة المجتمع و العمل على مساعدتهم لأن مرضى التريزوميا يملكون عاطفة قوية جدا و يشعرون بما يدور حولهم.

و يدعو في هذا الخصوص مختصون في علم الاجتماع إلى ضرورة المساعدة المادية لهذه الشريحة، مع فتح ثقافة تقاسم دور الرعاية داخل الأسرة من طرف الزوجين و ليس المرأة وحدها من تتكفل بابنها، لا سيما أن الكثير من النساء يطلّقن بسبب إنجاب لطفل تريزومي.

لؤي ي

 

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية