الرئيسية » صفحات خاصة » مجتمع » “الأمراض المنقرضة” تستفحل و”تدوِّخ” الجزائريين

“الأمراض المنقرضة” تستفحل و”تدوِّخ” الجزائريين

أوساط طبية ومختصون يحذرون منها بعد تدهور مستوى القدرة الشرائية

“الأمراض المنقرضة” تستفحل و”تدوِّخ” الجزائريين

لم تكد تمر سوى أشهر قليلة على انقضاء الحديث عن تفشي داء “الحصبة الألمانية” الذي فتك بحياة عدة أشخاص ، دون أن توضح مصالح وزارة الصحة أسباب تفشي هذا المرض عاد كابوس “الكوليرا” ليثير الفزع بعد عشريتين من اختفائه؛ ما يطرح التساؤلات حول أسباب عودة الأمراض المنقرضة.

وكشف أمس مدير مستشفى بوفاريك رضا دغبوش، تسجيل حالة وفاة جديدة بين المصابين بوباء الكوليرا في مستشفى بوفاريك، ويتعلق الأمر بسيدة توفيت أول أمس، بعد وصولها إلى المستشفى في حالة متأخرة من المرض بعد إصابتها بحالة إسهال حاد، مما صعب على الفريق الطبي إنقاذها.

من جانبه قال مدير الوقاية والترقية على مستوى وزارة الصحة، جمال فورار أن مصالح الرقابة تمكنت فعليا من اكتشاف مصدر وباء الكوليرا في ولاية تيبازة، ويتعلق الأمر حسبه بمنبع سيدي الكبير للماء الطبيعي في بلدية حمر العين التابعة لولاية تيبازة. وذلك بناء على نتائج التحاليل التي تم الكشف عنها اليوم السبت من قبل معهد باستور.

و أثار هذا الداء الفزع وسط الجزائريين لكن أمراض أخرى لا تقل خطورة عادت خلال السنوات الأخيرة إلى حياة الجزائريين.  ففي كل سنة تسجل نسبة الوفيات بداء “السل” ما بين 100 إلى 200 حالة سنويا، ومقارنة بسنوات الثمانينات والتسعينات ارتفع عدد الإصابات لعدة عوامل، أهمها المقاومة الشديدة التي أصبحت تبديها البكتيريا اتجاه المضادات الحيوية المستعملة مع لفت الانتباه إلى خطورة انتشار العدوى بالمرض بسرعة، فبمجرد اكتشاف حالة إصابة تعمد المصالح الصحية إلى إجراء كشف و تحاليل لكافة أفراد الأسرة.

أما وباء “الملاريا” المتنقل عبر الحشرات فتؤكد الحكومة، تسجيل إصابات مستوردة سنويا تقدر ما بين 400 إلى 500 حالة، وما عدا ذلك فإنها لم تسجل أية حالات مستوطنة منذ سنة 2014 في حين تعهدت بالقضاء نهائيا على الداء في حدودها الجنوبية، وفق الإستراتجية الخاصة بسنة 2020 وتستمر إلى غاية 2030.

ومع تزايد حوادث انعدام النظافة واختلاط قنوات الماء الشروب مع قنوات صرف المياه يواصل داء “التيفوئيد” الانتشار في الجزائر، ولا يعتبر من الأمراض المنقرضة أو تلك التي تم القضاء عليها نهائيا أين سجلت حالات مرتبطة باستهلاك المياه من الآبار غير المراقبة ،وحالات نادرة باستهلاك خضر وفواكه لم تغسل جيدا، وسقيت بمياه قذرة.

بيد أن داء الليشمانيا الجلدية التي تصيب الإنسان عن طريق بعض الطفيليات، تشير إلى الوضعية الوبائية والانتشار المخيف له، خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لتصل إلى أكثر من 11 ألف حالة على المستوى الوطني العام الماضي، بعد تراجع عدد الحالات إلى أدنى مستوياتها سنة 2013، من خلال تسجيل حوالي 6400 حالة.

  أصل الوباء

و على إثره تذهب عمادة الأطباء الجزائريين، إلى حد التحذير من عودة أمراض الكوليرا و التيفوئيد والطاعون وغيرها من الأمراض القاتلة، التي تنتشر عبر المياه القذرة التي تغرق بها الشوارع فهذه الأمراض بكتيرية تنتقل بسرعة ومعدية، ويمكن تحولها إلى وباء حقيقي. وتقول العمادة أن المحيط الملوث يشكل مصدر الإصابة بسرطان الرئة والقصبات الهوائية، الذي يعرف انتشارا كبيرا في الجزائر، بالإضافة إلى سرطان الأمعاء الذي يسببه الأكل غير المراقب، لاسيما المصبرات والملونات التي تستعمل في الحلوى الموجهة للأطفال.

لكن لعودة ما يسمى “أمراض الفقر” المنقرضة كما يطلق عليها العارفون بخبايا الصحة العمومية ، رأي أعمق يكشف أسبابا تتجاهلها الأوساط الرسمية وعلى علاقة مباشرة بالنظامين الغذائي والبيئي لدى شريحة واسعة من المواطنينن الذين تأثروا بتراجع القدرة الشرائية خلال السنوات الأخيرة.

ويوافق أطباء هذا الطرح خاصة وأن تدني مستوى المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية في الولايات الداخلية تسبب في ضعف الجهاز المناعي لدى الكثيرين، وقد تسبب الأمر في تفشي أوبئة ودعها الجزائريون قبل سنوات ليفاجئوا بعودتها.

وينبه المعنيون كيف يمكن لحرمان الأغلبية من الغذاء الصحي أن يضعف جهاز المناعة ويعرضهم للكثير من الأمراض، على سبيل محدودي الدخل ممن لا يستهلكون النسبة المطلوبة من البروتينات، خاصة وان اللحوم البيضاء التي كانت في متناول الجميع خلال الأيام الماضية سجلت أسعارها أرقاما قياسية بينما الأسماك لا أحد يقدر على ثمنه إلا قلة على الرغم من فصل الحرارة.

وعلاوة على ذلك يرجع المختصون في الطب تسجيل أغلب الوفيات بسبب ما يعرف بأمراض الفقر لعدم استفادة خاصة الأطفال من التلقيح في وقته لتهاون أسرهم.

ولا يساور أدنى شك، مختصين في علم الأوبئة، حالة تأثر الجنوب الكبير في الجزائر بظاهرة الاحتباس الحراري ما يستدعي التعجيل في فتح مركز صحي مرجعي يعالج الأمراض الاستوائية، انطلاقا من تعرض هذه المنطقة لتقلبات جوية وقربها من بلدان النيجر ومالي و من شأن المركز تنظيم توعية واحتضان ملتقيات علمية ودراسية بالتعاون مع مختصين من أوروبا لمواجهة الظرف الطارئ.

فاتورة باهظة

وضمن السياق، وتجاوزا لمعضلة الأمراض المنقرضة يطالب المختصون بإعلان حالة طوارئ حقيقية والتجند لإيجاد حلول عملية وفورية لاحتواء الوضع المتفاقم، عن طريق الإسراع في رفع الوقاية إلى رتبة وزارية أو وزارة منتدبة تشارك فيها كل الوزارات الأخرى، وأشاروا إلى أن قانون الصحة الجديد لن يغير شيئا في الوضع الحالي كون المشكلة الحقيقية تكمن في التطبيق. كما يتطلب الأمر أيضا اعتماد مبدأ “النظافة القاعدية” القائمة على نظافة المحيط بكل المدن بما فيها الكبرى التي تغرق في الأوساخ والمياه القذرة.

وتخصص وزارة الصحة وإصلاح المستشفيات سنويا، ميزانية ضخمة لمواجهة عودة الأمراض المعدية والمتنقلة عبر المياه والحيوانات أو ما يعرف بأوبئة الفقر وقيمتها ما يقارب 6 مليون دولار وفق التصريحات الرسمية.

و ترتفع تكلفة علاج مريض واحد مصاب بداء التيفويد بأكثر من 1200 دولار دون احتساب نفقات أخرى غير مباشرة في حين تتجاوز التكلفة الإجمالية لعلاج مرضى السل في الجزائر أكثر من 4 مليون دولار.

ولجأت مديريات صحية إلى إجراء بعض التجارب على بعض أنواع النباتات، التي تتوفر على مواد فعالة في علاج بعض أنواع الأمراض المنقرضة إلى جانب بعض الطرق الوقائية نومنها ضرورة تحسيس المواطنين بخطورة الأمراض المعدية، وكيفية التعريف بالطرق البديلة لمواجهته.

ملف: لؤي ي

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية