ثقافة و أدب

ظاهرة تتوسع وتزيد الانقسام

إفساد حفلات الغناء

 ظاهرة تتوسع وتزيد الانقسام

منذ قيام مواطنين في ورقلة، يوم 26 جويلية الماضي، بمنع قافلة ” لنفرح جزائريا” من إقامة أول حفلاتها.  وقيامهم بأداء صلاة العشاء جماعة في الساحة المقابلة لمكان إقامة الحفل ، يواصل مواطنو ولايات أخرى برفع شعارات تدعو إلى تحسين الظروف المعيشية، بدلا من إهدار المال العام في حفلات الغناء والرقص عشية كل موعد فني مبرمج من قبل وزارة الثقافة.

وانتقلت موجة الاحتجاجات إلى ولاية سيدي بلعباس، حيث خرج المئات من المواطنين، يحتجون على إقامة الطبعة العاشرة لمهرجان أغنية الراي، ثم تم إلغاء حفلين آخرين في ولاية تبسة والوادي ، بعد خروج مطالبات بإلغائهما.

وفي حادثة غريبة شهد حفل قافلة “لنفرح جزائريا” بالقالة، عزوفا جماهيريا، حيث لم يحضر الحفلة سوى المغنون والعازفون وأقيم بكراس شاغرة!.

كل هذه الأحداث رافقها تفاعل كبير من قبل الجمهور الجزائري وظهر ذلك جليا في وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة وسائل الإعلام للنقاش الحاصل بين المؤدين والمعارضين، بالإضافة إلى دخول السياسيين على الخط وإختلاف  مواقفهم من الظاهرة وأسبابها.

مطالب اجتماعية تشعل الفتيل !

من أساليب الاحتجاج وتعبير المواطنين عن رفضهم للحفلات، كان رفع شعارات لمطالب اجتماعية، منها خفض فاتورة الكهرباء، وبناء المستشفيات، وتحسين البنى التحتية.

ويقول، الدكتور أحمد زين الدين بوعامر، أستاذ التعليم العالي في جامعة أم البواقي، مفسرا سلوك الرفض الجماعي للحفلات الغنائية، أنه سلوك انفعالي ناجم عن حالة استياء شديد، وتذمر من الوضع الاجتماعي، والحالة المزرية للكثير من الفئات الاجتماعية، خصوصا في مناطق الجنوب، التي تعاني نسبا مرتفعة للبطالة.

ويصف الدكتور رد الفعل الساخط، بالمطلب التعبيري العادي الذي يمكن أن يحدث في أي مجتمع من المجتمعات التي تعاني ظروفا معيشية قاسية.

وعن الانتفاضة المشتركة، وانتقال حالة الرفض من الجنوب نحو الشمال، يقول الدكتور بوعامر أن الجماعة تتأثر بسهولة، إذا توفرت ذات الشروط والظروف فإنها من السهل أن تنقاد وراء رد فعل مشترك، وهذا ما حدث مع سكان الجنوب والشمال، حيث اشتركوا في حالة من السخط الشعبي ، فعبروا عن مطالبهم بطريقة متشابهة كنوع من التضامن مع بعضهم البعض .

في المقابل، يؤكد محدثنا أن المواطن المحتج، مواطن بسيط  ومن السهل التغرير به، حيث من السهل أن يُستغل ذلك من بعض الأطراف، التي تصطاد في المياه العكرة، لتحركه وفق أجندتها،  لذلك يجب أن يدرك أنه من الخطأ توجيه مطالبه الاجتماعية لوزارة الثقافة، فهي مسؤولة عن تقديم أنشطة ثقافية، ولا علاقة لها  بالمطالب التي تدعو لتحسين الوضع المعيشي.

الصلاة في مواجهة الغناء 

وعن استغلال الصلاة كمظهر ديني وأخلاقي ، للتعبير عن رفض حفلات الغناء، يفسر الدكتور بوعامر، أن للأمر علاقة حقيقية بالتدين، باعتبار أن المجتمع الجزائري مجتمع مسلم والدين وتر حساس، لا أحد يقبل بالمساس به،  لذلك يبقى من حق المواطن، الاحتجاج على ما يمكن وصفه بالأنشطة التي تخدش الحياء،  وقيم المجتمع المسلم.

لكنه في المقابل، يشدد، على أن الحس  والتذوق الفني، هو سمة الشعوب المتحضرة و الراقية، لذلك فإننا بحاجة إلى تنمية هذا الحس، خصوصا وأن الجزائر في السنوات الماضية ، قد عانت من الظلامية و الرجعية، وأكد أن الأنشطة الثقافية التي تبني الهوية الجزائرية المسلمة، دون تفسخ و انسلاخ، يمكن أن تساهم في ذلك، وعلى المواطن أن يفرق بين الفن الراقي ، وما شأنه أن يهدم وينتهك أخلاق المجتمع، حتى لا يقع في فخ التطرف فيرفض كل الفنون باختلاف أشكالها وألوانها.

مسؤولون ينتقدون ويتوعدون !

رد فعل السلطات على الاحتجاجات، حمل  وعيدا للمحتجين، حيث صرح الوزير الأول، أحمد أويحيى، في تعقيبه على الحادثة  ” أقول إن الشغب، وألح على كلمة الشغب، ليس حلاً للمشاكل، وأعلل على ذلك بأن لدينا مشاكل البطالة من عين قزام (أقصى الجنوب) إلى حسين داي (وسط العاصمة)، ولا نعتقد أن البطالة حجة لبعض من شبابنا كي يحرموا مواطني ولاية ورقلة من حفل ثقافي”.

وهو التصريح الذي طالته انتقادات عديدة في منصات التواصل الاجتماعي، لكن رغم ذلك  فقد عاود أويحيى في ظهور إعلامي ثان في الـ 6  أوت 2018، للتأكيد على موقفه من احتجاجات الصلاة قائلاً: “إن اتخاذ المطالب الاجتماعية لحرمان آخرين من حق ما، في بعض البلدان يؤدي إلى السجن.. إذا لم يسم شغباً ماذا يسمى إذاً”.

من جهته، أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين بدوي،  أن الدولة لن تتسامح مع من يريد العبث باستقرارها وأمنها، مضيفا: “على أولئك الذين يريدون أن يقتاتوا من يوميات المواطن عشية كل استحقاق سياسي، مغردين خارج السرب، أن يعوا بأن المواطن الجزائري، لا يختبر في حب وطنه ودعمه الكامل واللامشروط لأمن واستقرار بلده ، والتفافه حول جيشه”.

أمّا وزير الثقافة عزالدين ميهوبي ، فقد عبر ،مرات عديدة عن استغرابه لحملات المقاطعة لحفلات وزارته، واعتبر أن الثقافة حق دستوري وفقا للمادة 45 من الدستور الجزائري، حيث من حق المواطن أن تقدم له أنشطة ثقافية متنوعة. مشيرا إلى أن  وزارته غير معنية بالمطالب الاجتماعية التي توجه لها.

ويؤكد المحلل الاجتماعي، أحمد زين الدين بوعامر، أن تصريحات السياسيين، كان من الممكن أن تزيد الطين بلة، نظرا لحجم الفجوة بين الحكومة و تلك الفئات الاجتماعية، و أكد أن حب المحتجين للوطن أمر لا شك، كونهم سيهبون للدفاع عنه بمجرد  إحساسهم أن خطرا ما يحدق به، لكنهم بحاجة إلى التفاتة حكيمة و سياسة راشدة، خصوصا تجاه تلك الفئة المحرومة والمتضررة .

و أضاف ذات المتحدث، أن المواطن البسيط يشعر بالتهميش من قبل المسؤول، و بالفجوة بينه وبين طبقات اجتماعية أخرى تزداد ثراءً يوما بعد يوم، لذلك فاستغلال مآسيه من قبل بعض الجهات لتحريكه و توجهيه، يمكن أن يكون سهلا مع اقتراب الاستحقاقات الرئاسية، خصوصا إذا استمرت الحكومة في تجاهل مطالبهم، دون أي اعتبار لصرختهم ضد ما يتعرضون له من ظلم وتهميش.

محمد علي

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق