الرئيسية » B الواجهة » “التعدد اللساني”والتعايش بسلام في الجزائرمصدر للثروة يعزز نمو الاقتصاد بـ 10%، ويرفع بـ 5%دخل المواطن

“التعدد اللساني”والتعايش بسلام في الجزائرمصدر للثروة يعزز نمو الاقتصاد بـ 10%، ويرفع بـ 5%دخل المواطن

نور الدين جوادي لـ”التحرير”:

“التعدد اللساني”والتعايش بسلام في الجزائرمصدر للثروة يعزز نمو الاقتصاد بـ 10%، ويرفع بـ 5%دخل المواطن

الثروة اللغوية والثقافية في الجزائر يمكن أن تشكل أحد أهل مقومات الاقلاع الاقتصادي خاصة في ظل التعايش بين ناطقيها

والتجارب والدراسات الدولية تؤكد القوة الاقتصادية للتعدد اللساني والتنوع اللغوي

البداية تنطلق من إعادة تصحيح النظرة تجاه التعدداللساني كقطاع استثماري أكثر منه إرث ثقافي

■ويجب استحداث مرصد وطني للبحث في استثمار التعدد اللساني

 

 

 

 

 

 

 

 

شكل ولا يزال يشكل ملف “التعدد اللساني”والتنوع اللغوي في الجزائر جدلاً واسعاً، خاصة منه التواجد العميق والجد متداخل بين اللغة الرسمية للدولة “اللغة العربية” وبين اللغة الفرنسية كلغة تغلب على لسان المواطن في تعاملاته اليومية. كذلك، وبعد دسترة اللغة الأمازيغية مؤخرا كلغة وطنية زاد من حدة الجدل بين المختصين حول ملف “التعدد اللساني”والتنوع اللهجي في الجزائر. ولكن وبالتوازي مع ذلك تُشكل قوة التعايش بسلام ووئام بين الناطقين والمدافعين عن تلك اللغات واللهجات نقطة قوة تفتخر بها الجزائر، بقدر ما تثير غيرة الكثير من باقي دول العالم، فالهوية الوطنية الجزائرية الراسخة في نفوس المواطنين كانت ولا تزال وستبقى هي الحضن المنيع لوحدة الدولة وتماسك شعبها.

وبرغم أنه قد يبدوا أن الاقتصاد بعيدًا نوعا ما على ذلك الجدل، ولكن بالعكس تماماً فـ “التعدد اللساني”أضحى مصدر للثروة خاصة في ظل التعايش بسلام بين الناطقين بها، كما أمست اللغات واللهجات، تدعى اقتصاديا بـ”رأس المال اللغوي”، وقد قطعت الكثير من الدول أشواطاً هائلة في مجال الاستثمار في تنوعها اللساني واللغوي، وتحويله من ظاهرة اجتماعية إلى قطاع اقتصادي استثماري بامتياز.

والعائد الاقتصادي من ظاهرة “التعدد اللساني”مرهون بحسن إدارته والتعامل معه، وتحويليه من مدخل للتفرقة والصراعات الداخلية إلى ركيزة للهوية الوطنية، ومجالاً للاستثمار الاقتصادي في ظل قاعدة أساسية هي: لغات ولهجات كثيرة وهوية وطنية واحدة، وأعتقد أن الحكومة الجزائرية استوعبت ذلك.

في الهند على سبيل المثال، يتحدث سكانها حوالي 600 لهجة، وبرغمذلك لا توجد صراعات ثقافية أو عرقية فيها، وحققت الحكومة الهندية طفرات اقتصادية وتنموية هائلة في الكثير من المجالات بفعل الاستثمار الرشيد في ذلك “التعدد اللساني”والثقافي، بينما نجد الصومال دولة واحدة تتكلم لغة واحدة ولكن تمزقها الصراعات، وتنخر اقتصادها الحروب والمجاعات.

وحديثاً، أكدت دراسة للمنتدى الاقتصادي العالمي نشرت في 02 فيفري 2018 أن حوالي 10% من الناتج القومي الإجمالي لسويسرا مصدره من ثرائها اللغوي (مع العلم أن سويسرا لها أربع لغات رسمية) وهي نسبة يمكن أن تعمم على كل اقتصاديات العالم، كما أن بريطانيا تخسر قرابة 3.5% من ناتجها القومي الإجمالي سنوياً بسبب ضعف التنوع اللغوي لسكانها.

ويرجع ذلك إلى أن “التعدد اللساني”يسهل بناء علاقات تجارية متنوعة داخلية أو دولية. وقد وجدت دراسة تحليلية للشركات الصغيرة ومتوسطة في السويد وألمانيا والدانمارك وفرنسا أن الشركات التي استثمرت أكثر في اللغات واللهجات تمكنت من تصدير المزيد من السلع، وأن الشركات الألمانية التي وفرت مناصب أوسع لموظفيها متعددي اللغات واللهجات تمكنت من إضافة 10 وجهات جديدة لصادراتها، بينما فقدت الشركات التي أهملت ذلك الفرص التسويقية والتصديرية.

وعلى مستوى الدخل الفردي، أكدت الدراسة أن “التعدد اللساني”يرفعالدخل، ففي فلوريدا مثلا يكسب العاملون الذين يتحدثون الإسبانية والإنجليزية 7000 دولار سنوياً أكثر من أولئك الذين يتحدثون الإنجليزية فقط.كما أنه في كندا يحقق الرجال الذين يتحدثون لغتين مكاسب إضافية تصل إلى 3.6%، في مقابل 6.6% للنساء ثنائية اللغة أكثر من نظرائهن اللائي يتحدثن الانجليزية فقط.

وبحسب بيانات اللجنة الأوروبية، فإن أكثر من 56% من الأوروبيين يتقنون لغتين على الأقل، و99% من مواطني لكسمبورغ، و97% من السويديين، 91% من النيوزيلنديين، 88% من الدانماركيين. فيما أشار مكتب التعداد والإحصاء الأمريكي أن 19.37%من الأمريكيين يتكلمون لغة أو لهجة من غير الإنجليزية في منازلهم في السنة، وهي النسبة التي تضاعفت عما كانت عليه العام 1980.

“التعدد اللساني” والتنوع اللغوي يجب أن يعتبراوأن يتم التعامل معهما كإرث وطني ومورد اقتصادي ينبغي المحافظة عليه، وتعزيز الاستثمار فيه من أجل إدماجه في عملية الاقلاع الاقتصادي والتنمية الوطنية. وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الوعي لأهمية ذلك “التعدد اللساني”، وأيضا من خلال إعادة تصحيح نظرة المتعاملين الاقتصاديين من القطاعين الخاص والعام تجاه الاستثمار الثقافي عموما واللغوي خاصة، والأهم من ذلك التعايش بسلام بين الناطقين بتلكم اللهجات والمستعملين لتلكم اللغات داخل وطن واحد كانوا أو في دول مختلفة.

وفي ظل معدل التعايش العالي جدا بين مختلف اللهجات واللغات في الجزائر، فإنه من المهم التفكير جديا في الاستثمار في هذا الوضع الحضاري والثقافي، ولعل أهم ما يمكن أن يسهم في ذلك هو إنشاء هيئة عليا أو لجنة متخصصة بصلاحيات واسعة للبحث واقتراح سبل الاستثمار “التعدد اللساني” في الجزائر.

نور الدين جوادي

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .