الرئيسية » ملفات » حوارات » حديث في أدب السّجون و أدب المُقَاوَمَة وقفة مع الكاتبة الفلسطينية عائشة عودة و الجزائرية نجود قلّوجي

حديث في أدب السّجون و أدب المُقَاوَمَة وقفة مع الكاتبة الفلسطينية عائشة عودة و الجزائرية نجود قلّوجي

الحديث عن أدب السجون أو ثقافة المقاومة ذو شجون، لأنه يرسم لوحة  لمعاناة الأسرى، و العيش داخل السجون و المعتقلات و ما يرافقه من تعذيب و تجويع  ليس أمرٌ هينٌ ، ففي السجون من المعاناة والمقاساة ما يصلح لكتابة تاريخ مظلم لسجون الاحتلال، و هناك أسماء عديدة لنساء مقاومات عانين مرارة التعذيب داخل السجون ، ففي كل دولة من هذه الدول نقف على الحركة النضالية للشعوب،  و قد سجل التاريخ أسماء مقاومات و فدائيات لعبن أدوارا لا يستهان بها و حفرن البعض منهن خنادق للهروب من السجون و المعتقلات، و إلى جانب حياة السجون، هناك الحديث أيضا عن عملية “التهجير” للشعوب المستعمرة و تسليط الضوء عليها

يرفض التاريخ أن يظل منغلقا و جامدا إزاء حقائق يعتقد البعض أنها ظرفية، و لا نتناولها إلا عند الحاجة، أو حين يطرق العقل الراهن الأبواب بأسئلة  و هو يقرأ عن أدب السجون  و عن أدب المقاومة، و لا يتذكرها إلا في أوقات الانحسار، بعد ذلك تركن الكتابات في هذا المجال في زاوية النسيان، ففي فلسطين و العراق و سوريا باتت واشنطن تصور  تنظيمات المقاومة إرهابا، و تحاول أمريكا أن تكون الضحية  و ليس الجلاد، من خلال ما تروجه الماكنة الإعلامية  من أكاذيب و تضليل كبير لتخدير الرأي العام الدولي حول ما يحدث ، ففي المرحلة الراهنة يجري خلط كبير بين حق الشعوب في مقاومة محتليها و بين الإرهاب، و ربما وجب السؤال هنا ما المقصود بأدب السجون أو أدب المقاومة؟ هل هي ثقافة وطنية قومية تدافع عن الشعب و الأمة ضد محاولات الغزو الخارجي، سواء كان سياسيا عسكريا أو ثقافيا، إذ يرى البعض انه لا يمكن الحديث عن ثقافة المقاومة في ظل القمع و تقييد الحريات، مثلما نشاهده في فلسطين و الاستهداف الإسرائيلي الذي لم يقتصر على الشعب الفلسطيني فحسب، و إنما على الأمة العربية بكاملها، لم يكن لهذه الشعوب خيار سوى المقاومة.

لقد  خاضت النساء  إلى جانب الرجال الحروب و النزاعات المسلحة، و تعرضن إلى الاعتقال و التعذيب و القتل فكنّ صوتا يعبر عن الوعي الثوري،  و يضم السجل التاريخي أسماء عديدة لمقاومات و ثائرات حملن السلاح في وجه العدو و ناضلن في فضاء اتسم بالقسوة و العنف لطالما كان حكرا على الرجال، إنه جيل التحدي و الثورية داخل الحوز الكولونيالي، فما من دولة عربية عاشت و تعيش تحت نير الاستعمار، إلا و خرجت من رحمها امرأة ثائرة مقاومة، في فلسطين، لبنان، العراق ، سوريا، مصر، الجزائر، المغرب تونس و ليبيا، و لا ننسى بورما ، الفيتنام و بلدانا أخرى رسمت فيها المرأة صورة للتحدي، أثبتت قدرتها على حمل السلام و قيادة الجماعات، و لو وقفنا على ظروف الحرب في فلسطين كنموذج نجد النضال النسوي الفلسطيني في القرن العشرين، عرف تحولات دفعت بالمرأة الفلسطينية لتحمل دورا أكبر من الدور الذي لعبته نساء أخريات  و الذي كانت تلعبه في فترات سابقة من القرن الماضي، بعضهن آثرن الكتابة عن أدب السجون و ما تعرضت إليه نساء مقاومات وقعن في الأسر .

المناضلة عائشة عودة رسمت حروفها بقلم أحمر

و أنا أتصفح صحيفة الفكر العربي، لفت انتباهي حديث عن  المناضلة عائشة عودة و تجربتها الكتابية عن أدب السجون، كونها واحدة من الأسيرات اللواتي ذقن مرارة السجن، هي من مواليد 1944 في قرية دير جرير التابعة إدارياً لمحافظة رام الله ، انتظمت في صفوف المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني بعد انتهاء حرب1967 مباشرة، و تم اعتقالها في ( مارس) آذار 1969 وحكمت عليها محكمة الاحتلال الصهيوني العسكرية بالسجن المؤبد، وقد عانت عائشة عودة مرارة الاعتقال و التعذيب و ظلم السجون الإسرائيلية طيلة عشر سنوات ، ثم تحررت في عملية النورس لتبادل الأسرى بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل في آذار 1979، وقد اشترطت إسرائيل إبعادها خارج فلسطين، فأقامت في الأردن حتى عودتها إلى فلسطين بعد توقيع اتفاقية أوسلو، وعودة كوادر منظمة التحرير الفلسطينية وتأسيس السلطة الفلسطينية في عام 1994، و بالنظر إلى تجربتها في المعتقلات و السجون الإسرائيلية ، قررت المناضلة عائشة عودة الكتابة عن وضع الأسرى الفلسطينيين و  خاصة النساء، و في كتاباتها نقرأ عن أدب السجون من خلال تجربتها النضالية ، وثَّقَتْهَا في كتابين “أحلام بالحرية” و”ثمنا للشمس”،  و تأتي كتابة تجربتها في الأسر من باب الالتزام الوطني في توثيق معاناة الأسرى وما يتعرضون له، و المتتبع لأراء النقاد، نرى أن عائشة عودة في كتاباتها  رسمت حروفها بقلم أحمر، و بلغة دامية، كتبت تجارب شعب كامل عانى وما يزال يعاني القسوة والظلم، فقد نقلت عائشة عودة مشاهد كثيرة عاشتها في السجون الإسرائيلية، عن محاولة الاغتصاب التي تعرضت إليها في السجن وكيف قاومتها وانتصرت فيها،  و قليل طبعا  من اللاتي لهن الجرأة في الكشف عن تعرضهم للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب، حيث فضحت ممارساتهم وعنصريتهم ووحشيتهم.

و يكفي أن نقف على  تفاصيل التحقيق معها و تعذيبها بالعصا،  من خلال هذا السرد المؤلم، يمكن لمن لم يجرب حياة السجون أن يعيش و لو افتراضيا هذه التجربة و يطلق العنان لمخيلته ليرى مشهدا من مشاهد التعذيب على يد جندي صهيوني، إلا أنها تعارض مصطلح أدب السجون و ترى  مصطلح أدب المقاومة هو البديل، و بالعودة إلى الكتابات في هذا المجال نرى أن كثيرا من الباحثين  يرون أن أَدب السجون والمعتقلات في فلسطين جزء لا يتجزأ من الأدب العربي ، الذي يتطلع للحرية ، حيث ذهب البعض لتسميته  بأدب الحرية ، أو الأدب الاعتقالي، وحرص آخرون على صبغه بمفاهيم إيديولوجية، فأطلقوا عليه ” الأدب الأسير”، وذهب آخرون إلى تسميته بأَدب السجون، ولكن الجميع مجمعون على أنه يندرج تحت عنوان أدب المقاومة، فيما يرى  بعض النقاد أن الكتابة عن أدب المقاومة بعيد المنال، لأن  الكتابة عن المقاومة  لا يكون إلا بعد  الانتقال بها إلى حيز الفعل و التطبيق، و يجري التأسيس لها ذهنيا و وعيا و يقينيا، في ثقافة تقوم بتنظيم الذاكرة الجماعية و تعزيزها و الحفاظ عليها.

فالثقافة المجتمعية وحدها كما يقول بعض الأدباء تؤسس للمقاومة، بالنسبة للمقاومة الفلسطينية يقول الباحثون أن أدب المقاومة الفلسطينية تأثر بالمراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها الثورة الفلسطينية، تجدر الإشارة أن الكاتبة عائشة عودة فازت بجائزة ابن رشد التي أعلنتها مؤسسة ابن رشد للفكر الحر في برلين  2015 في مجال أدب السجون، و لعل كتابات عائشة عودة تعتبر جزءا مما أصدره كتاب و روائيون رجال في هذا المجال، حيث نقرأ لبرقوق نيسان و تصور شخصية الفلسطيني التي تتسم بالتحدي و المقاومة بعد عام 1967، و رواية جبرا إبراهيم جبرا بعنوان صيادون في شارع ضيق، و هي رواية تحمل هموم القضية الفلسطينية و القضايا العربية، و رواية إيميل حبيبي بعنوان سداسية الأيام الستة في عام 1967 ، هي عبارة عن ست لوحات أو قصص قصيرة، صُورت فيها الأوضاع الفلسطينية، ثم رواية المجموعة 778 للروائي توفيق فياض، و رواية و “إن كنت الليل وحيدا” للروائي نواف ابو الهيجا و غيرهم، و هم يمثلون جيل ما بعد النكبة..، ما يمكن قوله أن المعاناة التي عاشتها عائشة عودة  داخل السجون و المعتقلات،  هي نفس المعاناة التي عاشتها نساء عربيات و إفريقيات، و لعل ما حدث للمناضلة و المقاومة الجزائرية جميلة بوحيرد هو نفسه ما حدث لعائشة عودة و أخريات .

نجود قلوجي التي بحثت عن جميلة بوحيرد

و إن كانت عائشة عودة استطاعت أن تحرك ذكرياتها و تؤرخ للنساء المقاومات في فلسطين،  فهناك كاتبة جزائرية شابة تتنعم بالحرية و الاستقلال و لم تعش معاناة الأسر و التعذيب ، لكنها أرّخت للنساء المقاومات من العرب و الأفارقة،  و نقلت صورا من نضالهن و معاناتهن، إنها  الكاتبة نجود قلوجي، التي أنجزت مجلدا ضخما تحت عنوان ” عرائس بربروس”، و هو كتاب شاركت به في ملتقى دولي حول ” النساء المقاومات” نظم بعاصمة الثقافة العربية، و هو  يحتوي على 725 صفحة، مع دعم بالشهادات، بصور حية، تنشر لأول مرة، و الكتاب يضم  أكثر من 25 مجاهدة منهن ثلاث شخصيات من أوروبا شاركن في حرب التحرير الجزائرية، و الكتاب كان ثمرة عمل طويل استغرق 14 سنة في البحث و التنقيب و تسجيل شهادات حية لمجاهدات جزائريات و أوروبيات، ومن هذه الأسماء تذكر الكاتبة ( زهرة ظريف، جميلة بوعزة، جميلة بوباشة، جوهر عكرور، مليكة قريش، مريم بلميهوب، جاكلين فروج، آني ستينر، إليات لو، فاطمة سعداوي، حليمة بن مليك، مليكة حمروش، فاطمة بوجريو، فاطمة طرودي و غيرهن).

تقول نجود قلوجي في لقائنا معها : ” كنت أعيش في الكواليس، و لم أكن تابعة لي مؤسسة ثقافية، لكن حبي للوطن هو الذي دفعني للبحث عن رموز الثورة من النساء، و كنت قد طلبت المساعدة من المجاهدة جميلة بوحيرد، و اقترحت على أن تكون  هي أول امرأة أستمع لشهادتها، و لكنها رفضت و أرشدتني  إلى أسماء لم نكن نسمع عن تضحياتهن، و تضيف: “كنت أبحث عن جميل بوحيرد، فوجدت أكثر من جميلة” ، و تضيف ما يؤسفني هو أن دار النشر منحتني سوى 10 كتب ، و كان من الصعوبة بمكان أن أرضي كل من التقيت بهن من المجاهدات، بهذا العدد القليل من الكتب، فاضطرت إلى شراء كتبها لتمنحها للمجاهدات، ثم تستطرد قائلة: رغم ما عانيته في نشر كتابي ، لكن السعادة التي أشعر بها هي أني سلمت الكتاب للمجاهدة جميلة بوعزة قبل أن ترحل إلى بارئها، خاصة و أن جميلة بوعزة كانت أول جزائرية يحكم عليها بالإعدام من قبل المحكمة العسكرية إبان الاستعمار الفرنسي عام 1957، كما تكشف نجود قلوجي عن لقائها بمجاهدة أوروبية كانت من المجاهدات اللاتي شاركن في الثورة الجزائرية، و هي “إليات لو” أوروبية كرمت في برنامج “جائزة العرفان” ، والمجاهدة جاكلين قروج و هي فرنسية الأصل، كانت تنشط تحت إشراف  ياسف سعدي، و كلفت بوضع القنابل، تزوجت إليات لو بجزائري اسمه عبد القادر قروج الجيلالي، مسؤول سياسي في حزب الشعب، ثم تم توقيفه، قبل أن يتم توقيفها هي ، و حكم عليها بالإعدام، و الأشغال الشاقة بسجن الحراش، و بعد الاستقلال أطلق سراح كل المعتقلات إلا هي و ابنتها دانيال.

و هكذا تكون الكاتبة الجزائرية نجود قلوجي قد قدمت صورة عن نضال و كفاح المرأة العربية، و نحن بدورنا لا ننسى مقاومات أفريقيات كان لهن دورا لا يستهان به رغم قساوة ظروفهن، و ننوه هنا أيضا بدور المرأة في إفريقيا في التعامل مع القضايا و  تقرير المصير ،حيث أكدت حضورها القوي  في كل الحروب و عبرت عما يعانيه المجتمع،  حيث ارتفعت أصوات من هنا و هناك لإسكات صوت السلاح إلى غاية 2020  في إطار جهود التلاحم الاجتماعي العربي و الإفريقي، للتذكير أن الشبكة الإفريقية للنساء الوسيطات ( فام وايز) كانت قد نظمت لقاءً شاركت فيه أكثر من 50 امرأة افريقية، ناقشن فيه الوضع السياسي و الاجتماعي في دول إفريقيا، وقد  قدمن دولة كولومبيا نموذجا، ما دفع بالاتحاد الإفريقي أن يعلن خلال  العشرية 2010/ 2020  عن بسط العدالة و الأمن و منع نشوب الصراعات، و التصدي الحازم لظاهرة الإرهاب و التطرف و كل أشكال العنف، و فك النزاعات المسلحة و إحلال السلم و الأمن و الاستقرار من خلال إسكات البنادق بحلول عام 2020 .

 علجية عيش

 

 

 

 

 

 

عن محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .