كشك التحرير

الجمهورية في أيام زائدة

ريشة قلم1

سليمان تقي الدين/ السفير اللبنانية

تعيش الجمهورية أياماً زائدة. على مسافة أسبوعين من موعد شغور الرئاسة الأولى لا يعرف اللبنانيون صورة رئيسهم المقبل، ليس لرجحان أكثرية في الاقتراع، بل لأن الرئيس العتيد سيخرج من كواليس التفاوض بين مجموعة محدودة من الناخبين في الداخل والخارج. لكن الرئاسة الأولى لم تعد محور النظام فلا حماسة لها إلا في أحزاب طائفة بعينها مهما زعم الزاعمون. وكأن حكومة آخر الموسم الرئاسي جاءت بدلاً من ضائع وهو الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها كما جاء في الدستور. اعتدنا وسنعتاد في المدى المنظور على كل هذا التشوّه في حياتنا الوطنية ليس فقط عبر هذا الخلل المتمادي في تشغيل المؤسسات والانتقال الطبيعي للسلطة، في البرلمان والحكومة والرئاسة، بل في صناعة القرار الوطني خارج تلك المؤسسات بين اللبنانيين “وشركائهم في العالم”. نحن البلد الوحيد الصغير إلى هذا الحد الذي يرى فيه “الآخرون” خط الدفاع الأول عن مصالحهم في المنطقة.
معركة الرئاسة الأولى مظهر من مظاهر فساد الحياة السياسية. في هذه الجمهورية معركة حقيقية للدفاع عن منطق آخر هو وجود جمهور له مصالح اجتماعية حياتية ضاق ذرعاً بتجاهلها ومحاولات تنحيتها عن الأولويات، كما تهميشها أمام الاستباحة الفاجرة لموارد الدولة وثرواتها ومرافقها..
يعيش اللبنانيون منذ قرون على موارد أبنائهم في الخارج بما يوازي ثلث الدخل الوطني. وفي لبنان اقتصاد ذو قاعدة خدماتية تؤمّن الثلث الآخر. بينما يستحوذ فريق صغير من أصحاب النفوذ على معظم الثروة الوطنية أو يضعونها في خدمة مصالحهم. هذا الإرث من المظلومية الاجتماعية تجدد بعد الحرب بأشكال فجّة وصفيقة، فأغرق لبنان بالدين العام بهدف ترميم البنية التحتية وتحديثها لمصلحة هذا النوع من الاقتصاد. هناك “ثلاثية ذهبية” حكمت لبنان وهي غير متداولة في النقاش السياسي، هي ثلاثية الموازنة التي ذهبت إلى خدمة الدين العام، وإلى الإدارة العسكرية والأمنية والمدنية، وإلى الفريق السياسي والقيادة المشتركة في معركة “وحدة المسار والمصير”. وهذه كلها لم تدخل في رصيد اللبنانيين، لا بأمنهم ولا بإدارتهم الحديثة والنظيفة والفعالة، ولا في تقدمهم الاجتماعي ورفاهيتهم. إنه “النظام” الذي لم يتعرض إلى أي تعديل جدي برغم التضحيات وبرغم الوعود الورقية والخطب السياسية. بل هو يزداد سوءاً بسبب حديثي النعمة والشراسة في استثماره.
نعرف تماماً أن الموجة المطلبية لديها سقف وحدود وبطبيعتها آيلة إلى نوع من المعالجة ومن الاحتواء الإيجابي أو السلبي. ومن دون شك هي جزء من التمرين الدائم على بناء توازن بين المصالح المتعارضة اجتماعياً وسياسياً، وهو الأساس في الممارسة الديموقراطية. ما يتراكم الآن من تجارب وخبرات ضروري من أجل استعادة الحياة السياسية التي صادرتها أحزاب الطوائف ومشاريع الطوائف. ولن يكون الاستثمار الفعلي ممكناً إلا مع انحسار هذا النزاع الطائفي بوجهيه الوطني والإقليمي.
إن حكومة ممثلة لكل الأطراف في لبنان تقوم بالحد الأدنى من إدارة البلاد هو أمر إيجابي ينزع الكثير من عناصر التوتر وهذا ما يحصل الآن. أما الشأن الإقليمي فهو كذلك. برغم استمرار النزف الهائل، فقد تراجعت إلى حد بعيد المعارك الكبرى لمصلحة واقعية أكبر في التعامل مع صياغة العلاقات السياسية إقليمياً ودولياً ومحلياً. يجب ألا ينتظر اللبنانيون “النهايات” في

اظهر المزيد

Altahrir

مسؤول تقني بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق