الرئيسية » ملفات » حوارات » ابراهيم مضواح الألمعي في حوار لـ “التحرير”: المرأة تبدو كائنا إيجابيا مسالما …فلا أتصور أن تكون امرأة وشريرة في آن واحدا

ابراهيم مضواح الألمعي في حوار لـ “التحرير”: المرأة تبدو كائنا إيجابيا مسالما …فلا أتصور أن تكون امرأة وشريرة في آن واحدا

ابراهيم مضواح الألمعي ابن قرية الألمعية جنوب السعودية، يحكي لنا عن شغفه للكتابة، اين يقضى معظم وقته ما بين قارىء وكاتب، إذ ينفس من خلالهما، وفي حديث خاص للتحرير يقول :
ابراهيم مضواح الألمعي الإنسان؟

هو إنسان ممتلئ بالحنين للبراءة، مسكون بالخوف من الغد، مأهول بالحب لمن حوله، يتقاسم قلبَه الذين يحبهم ويخاف عليهم عوادي الزمن، وهو موقن بعجزه عن حمايتهم، متألم أشد الألم، لما يرى من القسوة والكره الذي يكفي لفناء أجيال من الجنس البشري عن هذا الوجود، ويتساءل أما كان للحياة أن تُعاش دون أن يؤذي الإنسان أخاه الإنسان؟ ولا يجدُ مسوغًا لسفك قطرة دم، فكيف إن كانت الدماء المسفوحة دماء الأطفال والنساء، كل هذه البشاعة تكاد تطبق على الإنسان المتواري خلف أقنعة الكتابة..

التحرير:ماذا تعني المرأة لك؟ في كتابتك؟

المرأة في كتاباتي تبدو كائنًا إيجابيًا مسالمًا طيبًا، حتى حينَ تتسبب في  أذية الآخرين، فإني أتدبر لها عذرًا ما، فلا أتصور أن تكون امرأة وشريرة في آنٍ واحد، وهي كذلك في الواقع، أو يجب أن تكون، فمن كان قدرها أن تزهر في داخلها الإنسانية وتسهم في الخلق لا بدَّ أن تكون منبعًا للخير والجمال والمحبة..

 

التحرير:قطف الأشواك، على رصيف الحياة، التابوت، أوشال حزينة، عتق، أوزار، عناوين حزينه؛ مالسر وراء اختيارها؟ أم أن ذلك محض صدفة؟

لم أتعمَّد أن تكون عناويني بهذه السوداوية، ولكن كل عنوان جاء بظروف الحالة التي كتب فيها العمل، وهذه العناوين مرتبطة بمضامين هذه الأعمال والشجن عامل مشترك فيها دون قصد، ولا شكَّ عندي أنها تعكس ما تنطوي عليه نفس الكاتب من أشجان، فهناك شجن عميق يتسرب من سنة القلم، مهما حاولتُ أن أقفز عليه في الحياة اليومية، ومهما حرصتُ أن أكبله خلف أستار من المُتَع والمظاهر، والمشاغل، والركض في جنبات الأيام، فإنه لا يلبث أن يظهر في أول مواجهة مع الصفحة البيضاء.

التحرير: الحزن.. الشجن.. التيه.. عدم الرضى.. الخوف من المستقبل.. مشاعر تملأ معظم كتاباتك. هل هي انعكاس لشخصية إبراهيم الألمعي أم أنها لا تعدو خيال كاتبر ؟.

قد أستطيع أن أخفي مخاوفي وأحزاني وحيرتي عن الناس، وأتشاغل عنها عموم الوقت، ولكنني في لحظة مواجهة الورق أو لوحة الحروف أبدو مكشوفًا تمامًا من الداخل، وهذه لحظة الصدق التي لا أختارها ولكنها تفرض نفسها، فأتعرف على دخيلة نفسي من خلال قراءة ما كتبت، لا من خلال ما يظهر مني، أو ما يظنه الناس بي، أو حتى ما أظنه أنا في نفسي.. وهذه حقيقة لا علاقة لها بالخيال، فإنما يتحكم الخيال في الأحداث وردود الأفعال تجاهها، أما المشاعر فهي نَسْغُ أوردتنا تتسربُ عبر سنة القلم دون أن نشعر، وإن شعرنا فإننا نعجز عن فرزها أو استبدالها، نعم هناك حزنٌ عميق، ومخاوف لا تخفى على من يقرأ نصوصي قراءة نفسية، وما لي في ذلك اختيار.

التحرير:هل ترى أن الكاتب مجرد هاوٍ أم أنه ينبغي أن يكون صاحب رسالة؟

تعميم الحكم على جميع الكتاب لا يصح، فهناك من هو صاحب رسالة وقضية بالأصل، ويكتب لخدمتها، فالكتابة بالنسبة له مجرد وسيلة لخدمة قضيته، وآخر هو كاتب بالأصل، ثم تعرض له قضايا فيوظف إمكاناته التعبيرية في خدمة هذه القضية، ومن الكتاب والمبدعين من تستهويه جغرافية اللغة، وجماليتها فيكون الجمال والخيال فضاءه الذي يحلِّق فيه، وهذه قضية قديمة دار حولها جدل طويل؛ ما إذا كان الأدب للأدب، أم لا بد أن يتضمن الأدب رسالة ما، وأميل إلى قبول هذا التنوع، والرضى به، بل والإيمان بضرورته؛ وما يعيبه بعض المتلقين على ما يعتبرونه أدب الإمتاع والتسليه، أراه رسالة أدبية مهمة، فما أحوج الإنسان في كل زمان إلى ما يُنَفِّس عنه بعض همومه، ويربت على مشاعره، وإن الحاجة إلى ذلك في زماننا هذا أعظم من أي زمانٍ مضى، ولذلك فهي رسالة مهمة تُحْمَدُ للمبدع الذي يمتّع دون ابتذال ولا إسفاف..

التحرير:ماهي رسالتك من خلال ماتكتب؟

لكل قصة أو مقالة أو رواية أو كتاب هاجسه ورسالته. منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي، ولا يمكن لكاتب أيًا كان أن يكتب من منطقة الصفر؛ دون أي دافع أو هدف سواءً أدركه الكاتب أم لم يدركه، ناهيك عن المتلقي، ولعل أيسر ما يمكن أن يكون مشتركًا من دوافع الكتابة: التعبير عن الذات، والتمسك بالبقاء، ونفث ما يعتمل في داخل الإنسان من أوجاع، وما يشغله من هواجس، وفي إحيانٍ كثيرة فإن الكاتب يرغب أن يُقدِّم نفسه من خلال ما يكتب، أو يقدم رؤيته لأمرٍ ما من زاوية مختلفة عما يراه الآخرون.. وكل هذه الدوافع التي يصح أن تُسمى رسالة كلها متحقق في مجموع ما أكتب.. ولست أظن – على الإطلاق – أن فيما أكتب إنقاذًا للعالم التعيس، ولا حلاً للمعضلات الإنسانية التي يمور بها هذا الكوكب.. ولا حتى قريتي الصغيرة..

 

التحرير:في ظل الذي تعانيه المرأة ماذا تتمنى أن تقدم لها من خلال كتابتك؟

هموم المرأة الإنسانية لا تختلف كثيرًا عن هموم الرجل في جوهرها وإن اختلفت في شكلها أو طرق التعبير عنها، وما أكتبه وفق ما أسلفتُ من دوافع أرجو أن يحقق لقارئه شيئًا من الإمتاع والمواساه والشعور بالصدق؛ من خلال أثره في المتلقي، بغض النظر عن جنسه، حينَ يشعر أن النص الإبداعي يعبر عن ذاته، ويشاركه همَّه، ويثير لديه بعض الأسئلة، ويحفزه للتفكير في الأمور من وجهة نظره الخاصة، وأن في هذا العالم من يشاركه همومه وآلامه، حتى لو كان شخصيةً وهمية في نص قصصي أو روائي..

التحرير:ماهو الشيء الذي تطمح للوصول إليه في المستقبل؟

سألتُ نفسي هذا السؤال، وفكرتُ في الإجابة مطولًا،  ولم أجد لديَّ طموحًا أكثر مما أعيشه في حب القراءة ومعالجة الكتابة، عندما يتوافر الدافع للكتابة، دون التزام، بزمان أو مكان، والركون إلى الهدوء والسكينة، وراحة البال، المؤكد أن أكثر القراء سيعتبر هذا خمولاً وكسلاً ودنو همة، وقد يكون كذلك فعلاً، ولكن هذه هي حدود طموحي فعلاً، وحيثما قدَّر الله أن ينتهي بي الأمر، رضيتُ وحمدته على قسمته..

التحرير:هل يحظى المثقف العربي بما يليق بمستواه؟

الأدواءالتي يُعاني منها المشهد الثقافي العربي كثيرة، وإن كانت تتفاوت من بلد إلى بلد، وهذه واحدة من الأدواء، وأميلُ إلى أن المثقف نفسه جزءٌ من المشكلة، فالإنسانُ حيثُ يضع نفسه، وبعض المثقفين ضحايا مثقفين آخرين، مع تفاوت بين المثقف الحقيقي وأدعياء الثقافة الذين يملؤون الفضاء الثقافي في كل مكان، ما يضطر المثقف الأصيل إلى التواري عن المشهد، أحيانًا، حفاظًا على نفسه وقلمه، أو عجزًا عن التعايش مع وسط لا يلائمه، والمثبطات كثيرة، والشكوى أضحت جزءًا من تراثنا الثقافي، حتى غدت ملمحًا مهمًا من ملامح المثقف؛ أن يكون شكاءً يلقي باللوم على من وما حوله، ولكن بالمقابل هل أخلص المثقف للمعرفة والثقافة، وقدَّم ما يقتضيه هذا الوصف، وما يستتبعه من قيادة وريادة وتضحية، وإخلاص للحقيقة والفن والجمال؟ علينا نحن المثقفين أن نؤمن بواجباتنا ونحن نطالب بالتقدير الذي يستحقه المثقف، وأعود فأقول: إن المثقف مهمش إلى حدٍ كبير، وخاصةً إذا ما قورن بمشاهير الفنون الأخرى..

التحرير:أنت متعدد الاهتمامت؛ كتبتَ القصة، والدراسة، والرواية، والمقالة الأدبية، والتراجم الشخصية، فأي هذه الفنون أقرب إليك؟

كل عمل من هذه الأعمال يسيطر عليَّ طالما أنا منشغل بإنجازه، ويكون الأقرب إليَّ ، لحظة إنجازه، ولكني خلال مشواري مع الكتابة لم أتخلَّ عن كتابة القصة القصيرة، فهي الهوى الأول والأخير، غير أن الانغماس في عمل روائي يملك عليَّ كل نوافذ الحياة، ولذلك أعد العمل الروائي هو الأقدر على إغراقي في تفاصيله، فأندمج مع أحداث وشخوص الرواية، حتى أصبح جزءًا منها، تشغلني في اليقظة والمنام، وأكاد أنفصل عن محيطي، وأعيش آلام شخوص العمل وأفراحهم، وأفكر في أحوالهم..

التحرير:ربع قرن من العمل بالتعليم؛ هل أثر عملك التربوي في أعمالك؟

لا شك أن لطبيعة عملي التربوي أثرا بالغا على نصوصي، ولكن ليس إلى درجة أن تتحول إلى توجيهات تربوية، أو حكايات من الميدان التربوي، ولكنَّ الهمَّ الأبوي للمربي سيظهر بشكل أو بآخر، فنجد شخصية معلم أو مدير أو طالب، ونحو ذلك، كما نجد حادثةً تربوية قد تحولت إلى نص قصصي، وسنجد أن بطلَ رواية: (جبل حالية) كان معلمًا، ونجد بعض تفاصيل المدرسة بيئةً لبعض النصوص، هذا على المستوى الإبداعي، أما في مجال الكتابات المقالية فقد كتبتُ مقالات تتعلق بالمعلم والتلميذ والمدرسة والتربية، ونُشِرَتْ خلال سنوات في عدد من المجلات، ثم جمعهتا في كتاب بعنوان: (ذاكرة الطباشير).

ولأنني شغوف بقراءة السير الذاتية، وقد كان الحس التعليمي والتربوي حاضرًا، فقد أصدرت كتابًا عن حياة كبار الأدباء والمفكرين العرب في المدارس، وحكاياتهم مع معلميهم، وما كتبه المعلمون عن هذه المرحلة المهمة من حياتهم، وتأثير المعلمين في تشكلهم العلمي والفكري، وتوجيه خطواتهم نحو المستقبل المعرفي والأدبي..

التحرير:من الطبيعي أن يتعرض عمل الكاتب للنقد؛ ماهي أكثر الأعمال التي انتقدت؟ وكيف كان ردك؟ ماذا يعنى لك النقد؟

الأحكام النقدية لا تخلو من بعدٍ ذاتي، نحاول تفهمه، ولكن النقد الحديث لم يعد معنيًا بإصدار الأحكام، فليس الناقد شرطيًا ولا قاضيًا، فالمنهج في يد الناقد أداة يستعين به ليمارس قراءته الخاصة للنص، بما يستطيعه من الموضوعية والحياد، فيتجاوز كاتب النص إلى النص ليتناوله بنقدٍ وصفيٍ، وتحليلٍ موضوعي لمكوناته وخصائصه ومظاهره الشعرية، فلا يجعل الناقد من نفسه حارسًا أو حاجزًا بين النص والقارئ.. ووفق هذه الرؤية الحديثة للنقد، وبتجاوز الخلفية التاريخية للنقد سنجد أن العلاقة تكاملية بين الكاتب والناقد..

وبهذه الرؤية فإن تناول النقاد لأي عمل أدبي يعدُّ إضافة وخدمة للعمل الإبداعي، وقد تناول عدد من النقاد أعمالي السردية بالنقد، وهناك أطروحات أكاديمية حول بعض أعمالي السردية، وأكثرها تناولاً هي رواية (جبل حالية)، ثم رواية (عتق)، ثم أعمالي القصصية، وموقفي مما يخلص إليه الدارسون هو الاستفادة من قراءاتهم، والأخذ بالممكن من رؤاهم، ولكني لا أجعل من نفسي حارسًا أو مدافعًا عن هذه الأعمال، فقد أديتُ ما أستطيعه تجاهها، وبما أنها صدرتْ وأصبحتْ بين يدي القراء والنقاد فقد انبتت صلتي بها تقريبًا..

التحرير:هل من مشاريع مستقبلية؟

أعكف على مراجعة كتاب فرغتُ توًا من تأليفه عن الحركة الأدبية في بلدتي (ألمع) خلال نصف قرن، وهناك عملٌ روائي تشكلت شخوصه، وبداياته وسأستأنف الاشتغال عليه قريبًا بعون الله.

التحرير:كلمه ختامية؟

الشكر لكم أستاذة صباح ولصحيفة التحرير الجزائرية، على التواصل مع أدباء المملكة العربية السعودية، في وقت تشهد الحركة الأدبية والثقاية السعودية تنوعًا وحراكًا كبيرًا ومؤثرًا، وتقديم تجاربهم للقارئ الجزائري المعروف بعمقه الثقافي وانفتاحه على ثقافات العالم..

حاورته صباح بن عطالله

 

عن محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .