الرئيسية » ثقافة و أدب » صراع القيم في رواية فجر الغيطان لخليفة قعيد.

صراع القيم في رواية فجر الغيطان لخليفة قعيد.

قراءة أنثروبولوجية .

صراع القيم في رواية فجر الغيطان لخليفة قعيد.

                                                                      د. أحمد زغب

كثيرا ما سمعنا ونحن صغارعن حكايات الغول الشرس القوي والذي يمتلك قدرات عجيبة في التخفي والتحول والانتقال وطي المسافات …الخ، ونجد ان الضحية فتاة صغيرة وضعيفة ومع ذلك ،وبعد صراع مرير، وتضحيات جسيمة ينتصر الخير على الشر بقدرة قادر أو بتدخل قوى خفية أو بمساعدة من طير او شجرة …الخ، وهي الثقافة السائدة في المجتمعات البدائية والمجتمعات التقليدية وحتى بعض المجتمعات المعاصرة، بل إن من كبار الفلاسفة إيمانويل كانط Emmanuel Kant في كتابهميتافيزيقا الأخلاق ،  ذهب إلى مثالية الأخلاق واختلافها عن الواقع ،ومن ثم  ذهب إلى رغبة الإنسان في انتصار الخير الأسمى (بدوي.ص288/ج2).

لهذا فإن عملية  نقل نص الثقافة إلى ثقافة النص، أو الاتجاهات الثقافية الكبرى للمجتمع في عمل روائي، تبين أنه لا يوجد خير محض أو شر محض كما تصوره مثاليات الثقافة التقليدية ، فالواقع يكشف عن تداخل شديد بينهما ؛ إذ توجد بذرة الخير في الشر ويكمن الشر مختفيا حيث يوجد الخير ليكشر عن انيابه متى سنحت الفرصة له أن يكشر،  ذلك ما تكشف عنه الأنثروبولوجيا، من أجل دراسة طبيعة الصراع بين مجموعة القيم الخيرة ومجموعة القيم الشريرة. وذلك ما يلاحظه قارئ رواية فجر الغيطان للكاتب الصحفي خليفة قعيد،التي تصور لنا التباين الشديد بين مجتمع الريف ومجتمع المدينة.

المستوى الأثنوغرافي:

  تبرز الرواية مجتمعين متباينين؛ مجتمع الريف والقرية، ومجتمع المدينة ، فالأول بعيش على  الفطرة والطبيعة، المجتمع بسيط في مستوى المعيشة، وفي مستوى التفكير، تظهر الثقافة التقليدية واضحة في الطقوس والاحتفالات والممارسات المجتمعية المختلفة.

 يعيش مجتمع الريف على الكفاف ،نلمح مظاهر لنمط المعيشة ، العمل الفلاحي المضني في واحات النخيل ، ومصارعة الرمال وإنشاء النخيل بجهد جهيد يودي أحيانا بحياة بعض الفلاحين (مثل الجموعي خال بطل الرواية صالح) وكذلك المحافظة عليها من زحف الرمال بجهد جهيد أيضا. وبعض القرويين لا يستطيعون شراء حمار لرفع الرمال فيضطرهم الفقر المدقع  إلى رفع الرمال على ظهورهم.

وكذلك العمل في الجبس وبناء البيوت من الجبس بما تثيره من غبار وتسببه من حساسية تنفسية، ولبناء المساكن  الجبسية التي  لا تصمد امام الأمطار الشحيحة أصلا. وعوامل الطبيعة الأخرى من رياح وحرارة شديدة في الصيف.

 نلمح الغذاء التقليدي وهو الكسكس، والبركوكش وهو كسكس كبير الحبات يستهلك مغموسا بالمرق، ويطيَّب بكميات من العقاقير العشبية وقد يطبخ مرقه مع لحم الديك والخضار. كما  يشرب الشاي بالنعناع.(ص8)

الفقر المدقع يجعل بعض السكان يمتنعون عن إرسال اطفالهم إلى المدرسة الوحيدة، لحاجتهم إليهم في المساعدة   في العمل الزراعي المنهك بواحات النخيل.

  أما الرعاية الصحية فهي جدّ ضعيفة فمعظم السكان يعالجون بالأعشاب الطبية والأدوية التقليدية ، مع عدم وجود مركز صحي بالقرية وينقل بعض المصابين إلى المدينة عبر طريق غالبا ما يكون مدفونا بالرمال التي تعرقل سير السيارات التي لا تتوافر على محركات الدفع الرباعي.

 ومع كل ذلك فهناك مدرسة، وهناك مسجد يؤمه  رجل يحظى باحترام السكان، وهو يقرأ آيات من القرآن عن قناعة  من السكان بأن هذه القراءة تخفف من وطأة الكوارث الطبيعية، لا سيما غزارة الأمطار التي تجعل البيوت الجبسية تنهار على ساكنيها، وتتسبب أيضا في هلاك ثورة النخيل (ص20)من التمور التي يعتمدون عليها في توفير قوتهم ومصروفاتهم الضرورية.

نلاحظ اعتزاز أصحاب الواحات بنخيلهم وأراضيهم ،  فوالد صالح أوصى بأن يدفن في طرف من أطراف الواحة التي أنفق عمره في إنشائها ورعايتها . ثم تبرع صالح بعد وفاة أبيه بأرضه لإقامة مقبرة القرية حين  قرر ترك القرية والتحول إلى المدينة.

 أما في الجانب الاجتماعي، فنلاحظ تماسك المجتمع وتآزره، كما أن العلاقات الأسرية قوية بين الأبناء والآباء وفيما بين الإخوة.

 نلاحظ تطور الأسرة من ممتدة إلى نووية بوفاة الأبوين،وعلاقات الجوار في القرية كانت قوية، والزواج إضوائي في القرية فصالح متزوج من رقية ابنة خاله بعد قصة حب عنيفة كانت مثار حديث يشيع  بين أهل  القرية.

أما الجانب الإداري والسياسي فالمسؤولون لا يصلون إلى القرية إلا في المواعيد الانتخابية، وهناك مجلس للبلدة لا يتفقد القرية إلا عند الكوارث الطبيعية، أو في المواعيد الانتخابية.

   أما الجانب الثقافي فلا نجد إلا الصلاة التي تقام في المسجد وبعض المدائح الدينية، والصوفية التي يقيمها أتباع طريقة من الطرق، وكذلك الزردة والحضرة وهي تجمعات شعبية تجتمع لإقامة طقوس للذكر والمديح وتناول الطعام.

 اما المجتمع الثاني؛ مجتمع المدينة، فنجد نمطا مختلفا تماما جعل البطل وكذلك زوجته رقية يشعران بالضياع ويتمنيان الرجوع إلى القرية الهادئة.

 المباني شاهقة والمساكن غرف ضيقة والشوارع مزدحمة بالسيارات، والإدارة عمارة أنيقة وزجاج براق يميزها ، والخزائن في المكاتب بلورية براقة، والأناقة في الملبس والتراتب الهرمي للمكاتب ونقابة للعمال وعلاقات متوترة بين العمال والإدارة من جهة ، وبين الإدارة والنقابة من جهة أخرى، كما نجد الوشاية بين الموظفين وتحدث أحيانا علاقات مشبوهة،  تعكس التدني الأخلاقي لمجتمع المدينة.

في المدينة أيضا أماكن للملاهي والقمار وتناول الخمور والدعارة، ونجد مديرا في الشركة غارقا في اللهو والمجون، يغير عشيقاته من حين لآخر، ويزعم أن الصفقات الكبيرة تتم في أوكار الرذيلة بين كبار المسؤولين.

  نجد علاقات القرابة بين الأفراد في مجتمع المدينة، لكن بسبب الأخلاق المتدنية، كانت العلاقات متوترة، ف(سونيا) السكريتيرة الجميلة  تعمل من أجل أن تعيش أمها المريضة، وأخوها  المدمن على الخمر ، والذي يمتنع عن العمل بسبب تنبهه إلى علاقة مريبة واكتشافه شريطا تظهر فيه شقيقته في وضع مخل بالحياء مع رئيس الشركة، لذلك فهو يؤذيها، ويضربها ولايريد أن يستجيب لها بقبول الوظائف التي تعرضها عليه  بفضل علاقاتها المشبوهة مع بعض المسؤولين.ووجدنا أن هذه العلاقة المتوترة  بين الشقيقين أسفرت في النهاية عن وفاة الأم بصدمة شديدة لم تتحملها.

 يعيش أهل المدينة على الترف ويتصارعون من أجل المكاسب المادية، ويسيطر عليهم الجشع  والأنانية والسقوط الأخلاقي ، بينما يعيش أهل الريف على البساطة والكفاف ويسود بينهم الأمان والهدوء والدفء في العلاقات الاجتماعية.

المستوى الأثنولوجي:

لا نكاد نلمح من الثقافة السائدة إلا الجانب المادي، اما الجانب الروحي فهو جد مهمش ولا سيما في المدينة. بينما كان باهتا في الريف فماعدا الإمام الذي تجمعه علاقة احترام بالسكانعامة وبطل الرواية على الخصوص. ولا نجد ما يشير إلى انتماء ثقافي معين، ولعل ذلك بسبب ماذكره دنيس كوشDenis Cush  من أن الثقافة، تمارس من دون  وعي هوياتي، أي انها تخضع لصيرورات لا واعية، بينما تحيل الهوية على معيار انتماء واع ضرورة، إذ ينبني على تعارضات رمزية (مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية ص148).

 ومع ذلك فحتى الهوية لا تظهر كمشكل ملح على المجتمع إلا عند الصدام مع الآخر، فلا يوجد آخر يمكن ان تبرز بسببه  التعارضات الرمزية التي أشار إليها كوش.

ومع ذلك يمكن أن نلمح آثارا للثقافة من خلال بعض العادات والتقاليد، فالمرأة لا تخرج لتدافع عن رجل يمت إليها بصلة القرابة، إلا إن كانت مدفوعة بعاطفة حب جامح، تظل لمدة موضوع تعريض وغمر ولمز من قريناتها، ولابد أن يتزوجها هذا الرجل الذي دافعت عنه متحدية المجتمع وعاداته  مجازفة بشغلها وسمعتها في المجتمع المتزمت، وبعد تأثيرها على المدير واستجابته لطلبها تتحدى الجميع وغمزاتهم ونظراتهم المريبة  بزغرودة طويلة، وإن لم يتزوجا ذلك الرجل، تظل طول عمرها من دون زواج إذ لا يجرؤ أحد على الاقتران بها. 

 نلمح عفوية أهل القرية في الاتصال والتعارف، فأي عائلة جديدة تقطن القرية يسهل التعرف عليها ودمجها في مجتمع القرية بعفوية ، فالنسوة يقصدنها بالهدايا ، عربون محبة وألفة (ص56)،بينما يختلف ذلك في المدينة، إذ يقيم  الناس حواجز نفسية واجتماعية، وتكثر المجاملات والتحفظ، لذلك يتحفظ صالح وينصح زوجته رقية بالتزام الصمت،ويحملها مسؤولية أي تهور قد يفسد العلاقات أو يسيء الظن، وتتمسك رقية بعاداتها الريفية التي لا تعرف المواربة والمجاملات الزائدة.

تميِّز الرواية بطريقة مباشرة، بين النشأة الريفية حيث يعيش الإنسان بعفوية وبساطة دون نفاق أو خداع أو صراع مصالح ونفوذ، ويسود بين أفراد مجتمع الريف التعاون(ص60).

  وعلى الرغم من ان الأمية تسود المجتمع بسبب ظروف تاريخية معروفة، فالأطفال والشباب تحدوهم رغبة ملحة في التعليم، فلا توجد متوسطة في القرية ويضطر أطفالها إلى الذهاب إلى المدينة، اما أطفال الفقراء فيظل الحلم حبيسا في  نفوسهم يجترونه كلما شعروا بالضيق والمعاناة من ضغط العمل الشاق في غراسة النخيل ومصارعة الرمال.

  كما نلاحظ الاختلاف بين الأجيال، فالأب يوصى بان يدفن في أرض الواحة التي أنفق سنوات عمره في رعايتها وإنشائها، بينما صالح يبيع الواحة ويتبرع بقطعة الأرض التي تضم قبر أبيه إلى مقبرة القرية.

أشارت الرواية إلى التذمر الشديد  لجيل الشباب  من  العيش في القرية الصحراوية الصعبة، والقاحلة، والرملية بينما توجد أراض كثيرة في أنحاء البلاد كثيرة الخصوبة تصلح للعيش أسهل بكثير مما هم  فيه.

 على الرغم من سوداوية الوضعية الاجتماعية في المدينة، إذ نكاد نرى الشر يمشي على قدميه، فالرواية تظهر ملامح الخير في شخص بعض العمال ، وبعض الأشخاص كالأم المريضة لسونيا، سونيا التي رغم أنها منحرفة أخلاقيا، ففي نفسها استعداد لفعل الخير، كما أن كريم المدمن على الخمر في نفسه طيبه قابل لفعل الخير متى أتيحت له عوامل تساعد على ذلك وكذلك الحاج الربجي  صاحب المقهى والشاب الصحفي.

المستوى الأنثروبولوجي:

  تكتسي الجوانب السابقة، اهمية خاصة؛ نمط العيش والعادات الاجتماعية والجوانب ثقافية وهو ما سميناه بالمستويين  الأثنوغرافي والإثنولوجي  هذان المستويان  اللذان عبرت عنهما الرواية، إذ تستعرض ما استقاه الأديب من الميدان، الأمر الذي يحوّل الأديب إلى أنثروبولوجي مكتبي ، يمتلك معلومات عن الميدان ويسجلها ، لكن الأديب لا يكتفي عند هذا الحدّ، إنما يصوغها صياغة سردية تختلف في أهدافها وطروحاتها عن أهداف باحث الأنثروبولوجيا.

  ولعل هذا ما قصده الباحثان Tourrel و Gerfaud حين أكدا على ان العمل الأدبي يكتسب طبيعة أنثروبولوجية، وقراءته قراءة أنثروبولوجية تدعو إلى تعليمية أنثروبولوجية.(10p).

  تعتمد القراءة الأنثروبولوجية على التمكن التدريجي من الخطوات المقاربة النصية، تسعى هذه الخطوات إلى تحقيق نموذج أنثروبولوجي  للعمل، تعتمد على ثقافة النص ونص الثقافة، أي ثقافة المجتمع الذي استقى منه الروائي وثقافة الأديب وتصوراته التي يعمل خياله وقدراته الفنية على صياغة المعلومات الميدانية صياغة تحقق الهدف الذي يسعى إليه في تبليغ رسالة فكرية اجتماعية ،فنية، إيديولوجية…الخ.

   أشرنا في مستهل هذه الورقة، إلى أن الصراع بين الخير والشر يكتسى طابعا بسيطا، في المجتمعات التقليدية، فالشر قوي باطش لكن قوى ميتافيزيقة تدعم الخير من أجل أن ينتصر في نهاية المطاف مهما كان جبروت الشر.

  ولو نظرنا إلى الرواية بهذه النظرة المسطحة لرسمنا النموذج  لاسيما وأن الخير تعبر عنه القرية الريفية التي كانت الغاية لهذه الرحلة الشاقة في الصراع وهي تعبر عن الخير رغم قساوتها وافتقارها لكثير من مرافق العيش الكريم.

 بهذه الطريقة المسطحة يكون النموذج عبارة عن ثنائية ضدية، خير/شر،يمكن انظلاقا منها أن   يتشكل  مربع التقابلات ، وهو ما يمثل البنية الأصولية المنطقية للنص الأدبي.

فالتقابل الأول :بين الخير والشر علاقة تضاد، ومعناه أن الخير والشر لا يلتقيان معا، أو لا يصدقان معا ، وقد يكذبان معا. يمثله في الرواية ما يرمز إلى الخير المحض. والشر المحض.

التقابل الثاني: لا خير ولا شر، وتسمى علاقة ما تحت التضاد، فتفيد ان القضيتين قد تصدقان معا ولكن لا تكذبان معا،  ترمز إلى انعدام   الخير، من جهة وانعدام الشر من الجهة الثانية.

التقابل الثالث: وهو الثنائية خير /لا شر، وتسمى علاقة التكامل أو التضمن،وترمز في الرواية إلى الخير المحض، وانعدام الشر. ويفيد أن صدق الأولى يترتب عليه صدق الثانية. وكذلك الحال بين  الثنائية شر /انعدام الخير، وتسمى أيضا علاقة التكامل أو التضمن، ويفيد أن صدق الأولى يترتب عليه صدق الثانية.

التقابل الرابع والأخير:وهو بين الثنائيتين خير /لاخير، وشر/لا شر، وتسمى هذه العلاقة بالتناقض، وتفيد هذه العلاقة أن القيمتين لا يصدقان معا ولا يكذبان معا. وتسمى علاقة التناقض.

يكون الصراع متمحورا بين هاتين القيمتين، وهناك طرف يمثل الخير ويصارع لأجله، وطرف يمثل الشر ويصارع لأجله، تدخل بعض الأطراف لتساعد طرفا على حساب آخر، هناك من ساعد رشيد لتلفيق التهم لصالح، وهناك من ساعد صالح للانتقام من رشيد، هذا إن اعتبرنا أن صالح وجماعته خير مطلق ، ورشيد وجماعته شر محض، صحيح أن قيمة الخير انتصرت في نهاية المطاف، لكن هذا الانتصار لم يكن مفاجئا بتأثير قوى ميتافيزيقية كما هو الحال في الحكايات التقليدية. إنما جاء لأسباب موضوعية بعد صراع مرير، بفضل بعض الأطراف التي عملت على انتصار الخير يدفعها إلى ذلك قوة الحق الكامنة فيه .

 لكننا هنا نجد تعقيدا في  الأطراف الفاعلة، فسونيا، مثلا كانت تتآمر مع رشيد، وتفعل كل الموبقات التي تضر بالشركة أي بالمصلحة العامة ، ومع ذلك فهي متعاطفة مع صالح، وتحاول مساعدته على المستوى الشخصي وإن كانت على المستوى المؤسسة تعمل ضد صالح وضد كل من يحاول الإصلاح ومحاربة الفساد.

  كما أن صالح نفسه لم يحافظ على قيم العفة التي جاء بها من الريف، فقد أصبح على المستوى الشخصي يتعاطى الخمر ويمارس الجنس مع البغايا في بلاد الغربة ومع ذلك ظل وفيا للشركة ومصلحتها ضد الفاسدين من أمثال رشيد وعصابته، فمن هذا الجانب فهو عكس صونيا تماما. كما نجد طرفا ثالثا هو السلطة الوصية التي تتكون من طبقتين : الطبقة السفلى من الإداريين، فاسدة مثل سكريتير السفير ، نائب المدير، بينما الطبقة العليا السفير نفسه ثم الوزير، هذه الطبقة غافلة عن الشر الذي يهيمن على الإدارة.

  نجد طرفا خارجا عن الصراع في البداية، ثم يقحم فيه مثل الصحفي الذي كان يحاول لفت انتباه السلطات والرأي العام، والحاج الربجي الذي ساعد صالح على الصمود الأمر الذي يعطي انطباعا بأن المجتمع برمته معني  بهذا الصراع، وربما يعيد الاعتبار للصحافة التي توصف عادة بأنها بوق دعاية لا غير.

وأخيرا نلاحظ غلبه الصراع على المادة،الأموال الناتجة عن الفساد الإداري، وطغيان مظاهر الحياة المادية، العمارات الشاهقة المزينة بالبلور والسيارات الفاخرة والألبسة الأنيقة والمشروبات الغالية الثمن….الخ، بينما لا نكاد نلمس أثرا للثقافة كالطقوس والفن والعادات والمعتقدات.وهذا يفند النظرية التي قال بها الماركسيون من أن البنية الفوقية (الثقافة) تنبثق عن البنية التحتية ( المادة.. وسائل الانتاج ..).

بسبب طغيان المادة طغت الأخلاق الفاسدة، وغابت الثقافة فلا نكاد نلمح إلا العجوز الفانية بدعائها وصلواتها، وهي آيلة إلى الزوال وقد ماتت في منتصف مسار الرواية.

 والصورة المقابلة نجدها في الريف فهناك المسجد والكُتاب والإمام ،أي نجد مظاهر واضحة للثقافة ولو كانت غير فاعلة، تنبع منها المعاملات الحسنة والتعاطف والعفة والحب والوفاء…الخ

  لذلك كان الانتصار في نهاية المطاف للقيم الثقافية، لهذا تقررت إعادة الشركة إلى القرية لتقترب أكثر من واحات النخيل التي تهددها عوامل طبيعية مثل صعود المياه، فهي صيحة ودوية للعودة إلى الأرياف والأرض من جهة ، والقيم الثقافية الإيجابية من جهة أخرى  

 

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .