الرئيسية » أعمدة »   الذكاء المعرفي

  الذكاء المعرفي

عمود : تحت المجهر .

  الذكاء المعرفي.

بقلم : بيزيد يوسف .

لسنوات متتالية كانت ولا تزال جامعاتنا تتعرّض لهزّات متعاقبة لتبقى رهينة حسابات دقيقة عادة ما تقودها مصالح ضيّقة تتقاذفها حساسيات سياسية تارة وتتبناها تجاذبات تارة أخرى، إلاّ أنّه بالمقابل يبقى التساؤل دوما عن مدى الجدوى من مؤسسات تعتبر هي قوام الأمّة بأسرها مقارنة بالنّزر اليسير مما تقدّمه من إنتاج علمي حقيقي ومدى مساهمتها في التّنمية الاقتصادية للدولة ومستوى ارتباطها بعصب الحياة الاقتصادية ؟، لم تسلم جامعاتنا لمدّة عقود متعاقبة من الإضرابات، وهو طبعا حقّ دستوري، نتيجة مطالب عديدة منها المهنية والاجتماعية وأحيانا كثيرة سياسيّة تحت أغطية عديدة، لكن نادرا ما يتمّ الحديث عن المطالب البيداغوجية أو العلمية المتعلّقة بصميم البحث العلمي في حدّ ذاته، فلا يكاد أي طالب مرّ بجامعاتنا لا يتذكّر الاضرابات التي تهدّد أحيانا بالسنة البيضاء، من ثمّ يصبح التحصيل العلمي أكثر صعوبة  نظرا لما يتطلبه من بيئة مواتية، دون ريب، هذا هو أحد عوامل تدنّي المستويات وليس كلّها، فقد أثبتت آخر التقارير من مراكز بحثية متخصّصة في نهاية سنة  2017 حول ترتيب الجامعات العربية ومنها الجزائرية انّ أغلبها في ذيل الترتيب من حيث جودة التعليم والبحث والإنتاج العلمي، على الرّغم من أن الدولة وفّرت الهياكل والمؤسسات الضخمة وصرفت ملايير الدولارات، وللأسف لم تستطع الكثير من الجامعات العربية وبطبيعة الحال منها الجزائرية أن تصل إلى مستوى نقل وترجمة المعارف، فما بالكم بالوصول إلى مرحلة الهندسة العكسية ؟

بينما استطاعت البلدان الغربية أن تجسّد النّظريات الإنسانية والمعارف التجريبية على أرض الواقع وأن تعمل على تطويرها ميدانيا وتحوّلت المعرفة العلمية فيها إلى معرفة تقوم على البرهان كما أنّ إنتاجها يتمّ بشكل جماعي، تنافسي  وهادف ، حيث لا يكون إنتاج العلم مزاجيا ولا الاستراتيجيات البحثية عبثية، فالنماذج والحلول المطروحة تخضع دائما لتقويم من طرف أفراد آخرين يقيّمون ويقوّمون أهدافها، استطاع العالم الغربي أن يشكل مجتمع المعرفة المؤسساتي عبر الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي وأن ينتقل إلى مرحلة الذّكاء المعرفي  بعيدا عن البهرجة السياسية والمهاتراتالدوغمائية الفارغة  والحساسيّات الضّيقة، لتصبح الجامعة ذات جدوى اقتصادية وفعالية كبيرة في عجلة التطوّر كما تحتل جامعاتهم حسب ذات الأرقام والمؤشرات المراتب الريادية.

في حين أن الكثير من بلدان العالم الثالث لا تزال تتخبط في متاهات لا حصر لها، نتيجة التخلّف المزمن الذي يضرب بأطنابه في هياكلها وروحها. بل من المؤسف أن تتحول الجامعات ومعاهد البحث عندنا احيانا إلى فلكلور سياسي فارغ من محتواه ليصبح البعض من رجال العلم كما طلبته عبارة عن بوق سياسي منتهي الصلاحية تهزه رنات “الزرنةوالبارود ” في حين ينسى بعضهم أو يتناسى بحجة التماشي مع الواقع أن هدفه أسمى هو البحث العلمي لأنّ رقي الأمم بيد العلماء لا السّاسة والنّجاح لا يأتّي إلا بعد المعاناة ولربما الفشل أحياناـ

 كما أنّ انتشار ظاهرة الندوات والملتقيات والمحاضرات التي لا تخاطب المتلقّي وتغوص في أعماقه لن تؤتي ثمارها وستبقى حبرا على ورق لا تتجاوز عقل منتجها أو صاحب الفكر، إذ هي اجترار لأفكار مستلهكة وتضييع للوقت، ولربما يتحول  ذلك إلى هدر للمال العام وفساد العقول وهذا هو الخطر الأكبر، وهكذا تبقى العديد من جامعاتنا المستهلك الأكبر للمعرفة السطحية في غياب استراتيجية واضحة ورؤية بعيدة المدى تقود إلى تحويل الجامعات إلى مؤسسات منتجة للأفكار و التكنولوجيا التي هي سرّ تطور الأمم اليوم ومن ثمّ تصبح منتجة وتدخل معترك التنافس المعرفي و التجاري  .

 و الإشكالية الجوهرية تتمثل في عدم إدراك وفهم وفقه الواقع  وحتمية التغيير     وسيرورته دون غياب أوتغييب المعرفة به، للأسف أصبح العديد من الطّلبة          والأستاذة والدكاترة  ورجال العلم والمثقفين كما العديد من فاعليات المجتمع وعلى رأسهم البعض من رجال السياسة صورة نمطية واحدة وأدوات ودواليب تسير على وقع إيقاع الحياة بسلبياته أكثر من ايجابياته،  لا عبارة عن آليات تدرك أهمية        وضرورة التغيير وفهم الأشياء والعمل على تكوين عقل مفكر، مدبر، مخطّط ومبدع   يستطيع أن يبني ويرسم الإيديولوجيات والرؤى والاستراتيجيات، أي لم يتحوّل  الإنسان بَعدُ من موضوع معرفة إلى ذات عارفة بل وأصبحت الذّات استهلاكية ليس فقط للمنتوجات المادية إنما كذلك للأفكار والمعارف دون غربلة نتيجة زخم التكنولوجيا والانترنت وكمحصلة لا يمكن إدراك معادلة ” أن التغيير السياسي لا يتم إلا بتغيير الذهنيات والعقول ” كمحصّلة حتمية لتحولات اجتماعية    واقتصادية وثقافية، في حين هناك دول أخرى تخطّت هذه المرحلة إلى ما يطلق عليه بالهندسة العكسية القائمة على معادلة : تقليد –إنتاج – إبداع .

 

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية