الرئيسية » ملفات » حوارات » حوار في الذاكرة

حوار في الذاكرة

 

بيّة عبد العزيزشاهد عيان ممن عملوا في (الخمسينات من القرن الماضي) بالقطار الرابط بين مدينة الوادي ومدينة بسكرة (1946- 1958)

حاوره/ نجيب بله باسي

 

في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي لم تكن منطقة وادي سوف سوى واحات من النخيل تسمى (الوادي الواحات) في قلب الكثبان الرملية المترامية الأطراف التي تحيطها من كل جانب فهي تنتمي إلى الصحراء الجزائرية الشديدة الحرارة في الصيف والبرودة في الشتاء . يعتمد سكانها على ثروة النخيل (التمور) وتربية المواشي والدواجن وبعض المنتوجات الزراعية المحدودة من الخضروات . وبما أن الجزائر كانت تحت وطأة الاستعمار الفرنسي آنذاك ، لقد استغل المستعمر ثروات الصحراء   بوادي سوف من تمور خاصة وغيرها ليتم تصديرها إلى ما وراء البحر (أوروبا) وينهب خيرات بلادنا على حساب سكانها “الغلابى” والمحرومين والمضطهدين .

وعليه قام بإنشاء خط للسكة الحديدية في قلب الكثبان الرملية(قطار لنقل البضائع) لتحقيق أغراضه وأطماعه الاقتصادية وذلك رغم صعوبة المهمة وشبه استحالتها نظرا لوعورة وخصائص الصحراء الرملية والمناخية.

  • أول استعمال للقطار بوادي سوف (1946-1958) الوادي- بسكرة
  • محطة القطار كانت توجد بمقر بلدية الوادي حاليا (وسط المدينة)
  • المسؤول عن محطة القطار رجل إسباني اسمهPANSE
  • القطار مخصص لنقل البضائع فقط ( خاص بالتمور) والقمح والشعير
  • يستغرق القطار لمدة 09 ساعات كاملة للوصول إلى بسكرة (220كلم)
  • في كل 10 كلم تقريبا على طول السكة الحديدية من الوادي إلى الحمراية هناك فريق خاص من العمال يفكون عليها الرمال العالقة.
  • كنا نتقاضى أجرا يقدر بـ 400 فرنك لليوم الواحد.
  • أطلب من السلطات المركزية والمحلية ومنتخبين بإنجاز خط للسكة الحديدية يربط بين مدينة الوادي وبلدية اسطيل (120كلم) فقط.

التحرير: أهلا سيدي هل تعرفوننا بنفسكم؟

الضيف: أنا اسمي بية عبد العزيز بن عبد القادر مولود خلال 1938 بالوادي متزوج وأب لـ 12 أبناء (06 ذكور- 06 بنات)ولي 47حفيدا أعمل في ميدان التجارة لمدة 50سنة. أجيد الكتابة والقراءة باللغتين العربية والفرنسية، أقيم بحي القارة العتيق (حي المنظر الجميل) (بلدية الوادي)

التحرير: كيف جاءتكم الفكرة بالعمل في أول قطار للسكة الحديدية بوادي سوف أثناء الاستعمار الفرنسي

الضيف: في الحقيقة بداية أول استعمال للقطار بوادي سوف كان من سنة 1946- 1958 (12 سنوات) وإن أول التحاق بالعمل فيه كانت في سنة 1957 إلى 1958 (سنة واحدة) وكان عمري 19 سنة

التحرير: هل وجدتم صعوبة للالتحاق بالعمل بالقطار أوان الأمور تسير بشكل عادي وطبيعي

الضيف: أجل في البداية تم رفضي وعدم قبولي لأعمل في السكة الحديدية (القطار) ولكن بفضل تدخل ابن خالي وهو سائق قديم للحافلة آنذاك المسمى ” بية معمر” المكنى معمر لورس تم قبولي والموافقة على تشغيلي.

التحرير: أين كانت توجد محطة السكة الحديدية في مدينة الوادي وما طول الخط الرابط بين الوادي وآخر محطة للقطار (المحطة النهائية)

الضيف: محطة السكة الحديدية الخاصة بمدينة الوادي توجد بمقر بلدية الوادي حاليا (وسط المدينة) وهي محطة الانطلاق ، وإن المسافة بين مدينة الوادي وآخر محطة توجد ببسكرة تقدر بـ 220 كلم (سكة حديدية)

التحرير: هل كان في المحطة مسؤولون وتقنيون وإداريون

الضيف: طبعا بالتأكيد هناك مسؤول عن المحطة وهو من جنسية اسبانية (اسباني) اسمه PANSE (بانس) رئيس الورشة (chef d’atelier) ومعه 02 مختصان في الميكانيك اسم أحدهم (GRISOU) (قريزو)  والآخر لم أتذكر اسمه

التحرير: هل كان يستعمل هذا القطار لنقل المسافرين أو للبضائع أو للاثنين معا؟

الضيف: لا هذا القطار يستعمل لنقل السلع والبضائع فقط وليس مخصصا للركاب والمسافرين على الإطلاق

التحرير: وماذا كاني هذا القطار من سلع وبضائع من وإلى بسكرة في ذلك الوقت.

الضيف: كنا ننقل عليه التمور خاصة إلى بسكرة وفي الرجوع ننقل القمح والشعير والفرينة إلى مدينة الوادي (تبادل تجاري)

التحرير: طريقة وجمع وبيع التمور من التجار كيف كانت تتم؟

الضيف: كان المسؤول عن جمع وشراء التمور من التجار هو المسمى (بو) (BAOU)  وبعد ذلك يتم شحنها في عربات القطار لتصديرها إلى مدينة بسكرة

التحرير: هل كنت الوحيد الذي يعمل في هذا القطار أو معك آخرون ؟

الضيف: أجل لقد كان معي عاملان (02) آخران وأتذكر أن أحدهما اسمه بقيطة

التحرير: كيف كان توقيت الانطلاق من وادي سوف والعودة إليه وكم تستغرق المدة للوصول إلى بسكرة؟

الضيف: ساعة الانطلاق من الوادي على الساعة السابعة (07) صباحا والوصول إلى مدينة بسكرة على الساعة الرابعة (16) مساءا (مدة 09 ساعات كاملة تقريبا)، والعودة تكون ابتداء من الساعة الخامسة (05) صباحا إلى 04 مساء من اليوم الموالي (نضطر للمبيت ليلا في محطة السكة الحديدية ببسكرة)

التحرير: وكيف تتحصلون على وجبة الغذاء والعشاء خلال هذه المدة السفرية الطويلة؟

الضيف: كنا نكتفي بتناول التمور والحليب وبعض قطع من الكسرى المنزلية، وحبات من البيض التي نحملها معنا.

التحرير: هل كان هذا القطار يزود بالوقود (بنزين- مازوت- أوماذا)

الضيف: نعم كان يشتغل بالمازوت طبعا وكان بطيئا جدا.

التحرير: هل تتعرض السكة الحديدية طول المسافة من الوادي إلى بسكرة إلى زحف الرمال ودفنها وتراكمه فوقها، وذلك بتأثير الرياح علما بأن المنطقة مكشوفة ومعرضة لدفن السكة بالرمال واستحالة سير القطار وتوقفه على السير؟

الضيف: لا لقد خصص القائمون والمسؤولون عدة ورشات وفرق من العمال وهم متواجدون ويسكنون في ثلاث مناطق او اكثر وهي منطقة لمنادي ، هبة ، والفولية إلخ … وذلك على طول خط السكةالحديدية الرابط بين الوادي والحمراية، وكل فريق يعمل على إزالة الرمال العالقة والمكدسة فوق السكة الحديدية لتسهيل مرور القطار ويتم ذلك بوسائل بدائية تقليدية (رافعات رمل يدوية) (Bale)  وليس بواسطة آلات حديثة متطورة مثل الجرافات و الكاسحات في عصرنا الحالي.

التحرير: من هم السائقون للقطار وكم عددهم؟

الضيف: هناك سائق واحد لم أتذكر اسمه

التحرير: كيف كنتم تتقاضون راتبكم وأجرتكم (يوميا أو أسبوعيا أو شهريا وهل بالدينار أو الفرنك الفرنسي؟

الضيف: آخذ راتبي كل 15 يوما بمقدار 440 فرنكا لليوم الواحد (440x 15) تساوي 6600

التحرير: وكم كان ثمن الكلغ الواحد من التمور الموجهة للبيع إلى مدينة بسكرة؟

الضيف: لا أعلم بالضبط لأن ذلك راجع إلى أشخاص معنيين بإنشاء وتحرير فواتير بخصوص الكمية والنوعية والأسعار والتكاليف.

التحرير: ماهي طريقة تعبئة التمور وكيفية وضعها لشحنها في عربات القطار (في أكياس أو صناديق أو ماذا)؟

الضيف: طبعا كانت تُعبأ التمور في صناديق صغيرة مصنوعة من اللوح الخفيف وتسد بالمسامير (تسمى صناديق الدقلة تقدر من 10-15 كلغ للصندوق الواحد.

التحرير: هل واجهتم ضغوطات أو مضايقات من طرف الاستعمار الفرنسي أو المسؤولين الاسبان على محطة القطار أو تعرضتم لسوء المعاملة؟

الضيف: لم يحدث ذلك على الطلاق لقد تلقينا منهم معاملة حسنة ولكن في إطار الاحترام والانضباط في العمل بعيدا عن الأمور السياسية والتجاذبات فمهمتنا الشغل والعمل فقط، كل فرد يعمل في مهمته وإطار عمله المخصص له.

التحرير: بما أن القطار الرابط بين الوادي وبسكرة مخصص لنقل البضائع فقط دون نقل المسافرين، فبماذا كان ينتقل الأفراد المسافرون إلى الولايات الأخرى.

الضيف: كانت في مدينة الوادي حافلتان فقط تنقل المسافرين من الوادي إلى بسكرة ذهابا وإيابا، الحافلة الأولى يقودها سائق قديم  ومعروف في المنطقة يسمى حلاسة والحافلة الثانية يقودها سائق يسمى دبليون(DABLIOUNE) وهو إيطالي ، فتنطلق الأولى من الوادي يوميا باتجاه بسكرة وتنظلق الثانية في نفس اليوم من بسكرة تجاه الوادي ويتقاطعان كل يوم في منطقة سطيل .

التحرير: وهل كان القطار يتوقف طيلة الطريق في نقاط معينة للاستراحة أو شحن البضائع أو شيئا آخر،  نظرا لطول المدة الزمنية المستغرقة المقدرة بـ 09 ساعات كاملة؟

الضيف: قليلا ما يتوقف القطار الا في منطقة سطيل لشحن بعض البضائع،إذا اقتضت الضرورة.

التحرير: كيف كنتم تتعاملون مع المسؤولين الأجانب (اسبان وفرنسيون) عن المحطة القطار،ن نظرا لاختلاف اللغة الاسبانية والفرنسية عن اللغة العربية واللهجة السوفية

الضيف: لا ليس هناك اشكالية في التواصل معهم فهم يفهمون جيدا اللغة العربية واللهجة السوفية ويتكلمون معنا بشكل عادي

التحرير: كيف ترون الفرق بين الأمس واليوم في ظل تطور وسائل النقل وازدياد الحركة التجارية بين الولايات في ظل نعمة الاستقلال والتطور الاقتصادي والثقافي والتكنولوجي، عكس ما عشتموه في عهد الاستعمار الفرنسي من فقر وحرمان وجهل وتهميش ؟

الضيف: الحمد لله على نعمة الاستقلال والحرية التي تنعم بها  الجزائر الحبيبة، طبعا فالفرق شاسع ومختلف تماما بين الأمس واليوم، فالحركة التجارية انتعشت وتطورت وسائل النقل وتعددت بشكل مذهل ومتقدم خاصة مع النمو الديمغرافيي السريع ازدادت حاجيات الإنسان ومتطلباته المادية والمالية والاجتماعية، عكس ما كانت عليه الوضعية والحالة الاقتصادية المزرية في عهد الاستدمار الغاشم، الذي نهب ثروات وخيرات بلادنا واستغل منتوجات الصحراء الجزائرية على حساب عرق وكاهل خيرة رجال وشباب ونساء وحرائر وادي سوف.

التحرير: هل أنتم راضون على المسار التجاري بالجزائر عموما وبوادي سوف خصوصا وكيف تقيمون الحركة التجارية بهذه الولاية (الوادي)؟

الضيف: فعلا أن الجزائر الآن تشهد نشاطا تجاريا وحركية متميزة نظرا لعدة عوامل أساسية ومهمة، منها الموقع الجغرافي والاستراتيجي وتزخر بمساحات زراعية معتبرة وثروات طبيعية ضخمة ومخزون مائي هائل وشبكة محترمة من خطوط النقل البرية والجوية والبحرية، وعلى رأسها شبكة السكك الحديدية (النقل) التي تربط بين ولايات الوطن.

أما فيما يخص ولاية الوادي فهي مميزة واستراتيجية فهي ولاية حدودية مع جمهورية تونس الشقيقة، وتشهد حركة تجارية واسعة ونشاطا تجاريا متميزا وملفتا، وكذلك فهي منطقة فلاحية بامتياز وتحتل منتوجاتها الفلاحية والزراعية المراتب الأولى فيالوطن وتتعدى صادراتها حتى حدود الجزائر (كما ونوعا).

التحرير: ماذا يمكنكم أن تضيفوا وتقترحوا لانتعاش التجارة أكثر في ولاية الودي؟

الضيف: إن الرجل السوفي مشهود له بالحركية وممارسة التجارة منذ القديم وله خبرة واسعة في هذا الشأن، ونظرا للامتيازات والامكانيات المتوفرة في ولاية الوادي، فإني أطلب من السلطات المركزية والمحلية،، ومنتخبين وهيئات وجمعيات ومجتمع مدني، العمل على إنجاز خط للسكة الحديدية يربط بين مدينة الوادي وبلدية اسطيل (120كلم فقط) لكي تدعم وتزدهر الحركة التجارية بين الولايات ونسترجع القطار كما كان عليه في السابق (عهد الاستعمار)، ولكن بتقنيات حديثة ومتطورة وما ذلك بعزيز ولا مستحيل في جزائر الاستقلال والحرية والعزة والكرامة.

*** تاريخ اول قطار بوادي سوف

في 04 فيفري 1946 الحاكم العام Yves chataigneau بعد دراسة متأنية للمشكلة ، قررت الحكومة الفرنسية بناء خط للسكة الحديدية يربط بين مدينة الوادي الواحات ومدينة اسطيل (اقليم تقرت) لضمان الظروف الملائمة لحركة المرور في أوت 1946 بعد الانتهاء من العمل المنقطع النظير والسريع، أول قطار سار في الخط بين سطيل والوادي. هذا الخط وضع موضع التنفيذ في اكتوبر 1946 وفي 07 نوفمبر 1946 تم افتتاحه من قبل الحاكم العام Yves chataigneau.

عن محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .