B الواجهةحوارات

رفع “منحة السفر”إلى 1000 أورو ومنحها بـ “الدولار”يقضي على 60% من سوق السكوار

نور الدين جوادي لـ ” التحرير”:

رفع “منحة السفر”إلى 1000 أورو ومنحها بـ “الدولار”يقضي على 60% من سوق السكوار

لا يوجد أي مبرر اقتصادي لسقف 120 أورو، وكل المعطيات تعزز فكرة رفعها

وحجة نزيف العملة الصعبة للخارج لا أساس لها من الصحة

والأفضل تعميم منحها بالدولار ووفق بلد الوجهة ومعدل القدرة الشرائية فيه، وعلى أساس سبب السفر ومدة الإقامة المصرح بها

■ والفكرة مرهونة بإعادة هيكلة البنية التحتية والقانونية للنظام المالي والبنكي للدولة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ما بين 110 إلى 130 أورو هي منحة سفر سنوية يتسولها المواطن الجزائري من نظامه البنكي لينفقها أثناء سفره للخارج، وهو مبلغ بالكاد يغطي تكلفة استئجار سيارة للتنقل من المطار إلى مكان الإقامة في بعض الدول الأوروبية، ما يضطره للتعامل داخل السوق الموازية للعملة. وهو مبلغ ثابت بغض النظر على المكانة الاجتماعية أو الوظيفية…الخ له، ودون أي اعتبار لوجهة السفر، إلى أوروبا كانت أو تجاه أفقر دول العالم.ولم يتغير منذ حوالي 20 عاماً، عندما حددته التعليمة رقم 08-97 للعام 1997 المتعلقة بحقوق الصرف للسفر إلى الخارج، بما يعادل 15 ألف دينار بالعملة الصعبة.

في حين تتجاوز هذه المنحة حدود 2000 أورو في أقرب دول الجوار كتونس والمغرب، وتصل إلى عتبة 10 آلاف دولار أمريكي في بعض الدول الأخرى كالصين، ويتم تحديد قيمتها وفق البلد الوجهة ومعدل القدرة الشرائية فيه، وعلى أساس سبب السفر (سياحة، علاج، بعثة علمية…الخ)، ومدة الإقامة المصرح بها.

واقتصادياً، لا توجد أي مرجعية نظرية أو أساس حسابي تبرران هذا السقف (120 أورو)، بل العكس من ذلك، كل معطيات الاقتصاد الجزائريتعزز مطلب رفع قيمتها إلى حدود ما بين 400 إلى 1000 دولار.وإعادة النظر في نظام منحها، وفق معيار البلد الوجهة ومعدل القدرة الشرائية فيه، وعلى أساس سبب السفر (سياحة، علاج، بعثة علمية…الخ)، ومدة الإقامة المصرح بها.

فمعطيات السوق الموازية للعلمة الصعبة (أو ما يعرف بالسكوار) مثلاً، والتي ترهق كاهل الاقتصاد الوطني، ويُتداول فيها حجم هائل من العملة الصعبة خارج النظام المصرفي والمالي الرسمي يتجاوز 2 مليار دولار، من أكبر الدوافع التي تفرض التعجيل في إعادة النظر في قيمة منحة السفر تلك، خاصة وأنه هنالك توافق تام بين الخبراء الاقتصاديين على أن رفع المنحة سيساهم في القضاء مباشرة على تلك السوق الموازية للعملة بما لا يقل عن 40 إلى 60%بفعل المنافسة التي ستشتد بين البنوك الرسمية والعاملين في تلك السوق الموازية في ظل تقارب أسعار الصرف، والذي سوف يكون في صالح البنوك الرسمية لما تمتلكه من ضمانات تغري المواطن، أهمها التأكد من عدم تزوير العملة.وأن تحرير الصرف والتعجيل بفتح “مكاتب الصرف” سوف يفني ما تبقى تلكم السوق الموازية.

كما أن تعميم وتسهيل منح تلك منحة السفر تلك بالدولار الأمريكي، يعتبر قرار مكمل مهم جدًا، خاصة وأن المصدر الأساسي للعملة الصعبة للدولة الجزائرية هو السوق النفطية التي يتعامل فيها بالدولار الأمريكي. وأيضا لأن أهم الوجهات السياحية للفرد الجزائري، هي دول إما منفتحة من حيث سعر الصرف، ولا فرق عندها بين اليورو والدولار، أو أنها دول تميل للدولار أكثر منه لليورو، فالعام 2016 أكثر من 400 ألف جزائري سافرو إلى السعودية وتركيا ودول الخليج عموماً، وهي دول يتعامل فيها بالدولار بشكل أوسع من اليورو. كما أن حوالي 1.8 مليون جزائري زارو تونس العام 2016، والتي يعتبر نظامها المصرفي جد سلسل في التعامل مع العملات الأجنبية ولا فرق فيه بين الدولار واليورو، والأمر كذلك بالنسبة للمغرب التي زارها قرابة 65 ألف جزائري، وفرنسا واسبانيا اللتين استقبلتا ما يفوق 600 ألف جزائري.

وعموماً، يبلغ عدد المواطنين المغادرين عبر الحدود سنوياً قرابة 3 مليون جزائري بحسب احصائيات وزارة السياحة. ولو افترضنا رفع قيمة المنحة إلى 1000 دولار، فإجمالي ما سوف يخرج من العملة الصعبة لن يتجاوز 3 مليار دولار، وهو مبلغ ومهمل مقارنة بحجم العملة الصعبة التي تتداول داخل النظام المالي الرسمي الجزائري أو التي تمتلكها الحكومة الجزائرية عموماً. فمداخيل العام 2016 وحدها من العملة الصعبة بلغت حدود 27 مليار دولار، أما الاحتياطي النقدي الأجنبي للبنك المركزي فيتجاوز 114 مليار دولار.وهذه الأرقام، تفند حجة نزيف العملة الصعبة التي يحتج بها البعض من غير الاقتصاديين ممن يروجون أنه لا يجب رفع قيمة منحة السفر، أو إعادة النظر في طريقة منحها، تفاديا لخروج العملة الصعبة وتهريبها للخارج.

كما أن ذلك الرقم مهمل أيضا مقارنة بالحجم الهائل من العملة الصعبة التي يتم تهريبها عبر بقية الطرق الأخرى، فبعض أرقام تتحدث عن تهريب أكثر من 100 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية عبر شركات الاستيراد والتصدير التي تلجأ إلى تضخيم فواتير مختلف السلع التي تستوردها من مختلف مناطق العالم، فضلا عن عمليات التهريب على مستوى المطارات والموانئ الجزائرية.

ويبقى هذا المقترح مرهون بالبنية التحتية والقانونية للنظام المالي والبنكي الجزائري، فأولا يجب الرقمنة الكلية والعاجلة للمنظومة المالية والبنكية من أبسط عملياتها إلى أعقدها وبأحدث التكنولوجيات وثانيا، يجب تدعيم البنية التحتية للنظام المالي بترسانة من الوسائل الماديةواللوجستيكية، والمرافق والهياكل المالية والنقدية كمثل “مكاتب الصرف” وشركات “نقل النقود” وحمايتها، فالكثير من البنوك بفعل هزالة تلك البنية التحتية تعجز اليوم على تلبية طلبات منحة السفر بقيمتها الحالية، فما بالك برفعها إلى حدود 1000 دولار أي بحوالي 10 مرات. وثالثاً، يجب إصدار قوانين وتشريعات أكثر شمولية ودقة لتنظيم عمل مؤسسات النظام المالي ومرتاديه، وإلا تحولت الوضعية إلى حالة أكثر كارثية. لتبقى في الأخير، الإرادة السياسية هي العصا السحرية لتطوير المنظومة المالية والبنكية، وتعزيز التنمية الاقتصادية في الدولة الجزائرية.

نور الدين جوادي

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق