B الواجهةحوارات

لقاء مع المؤرخ الباحث المجاهد الطاهر بن عيشة

 

Outgoing U.S. first lady Michelle Obama listens to incoming President Donald Trump speak during inauguration ceremonies at the U.S. Capitol in Washington

 

الطاهر بن عيشة احد رجالات الطبقة الاولى ثقافيا في الجزائر، شاءت الأقدار أن يكون شاهدا، أو فاعلا في أكثر المحطات التاريخية المفصلية منذ ستين سنة، يمتلك نفسية ثائر، لم تخفه المتابعات، ولا دجنته الاغراءات، ترك مقاعد الدراسة بتأثير حوادث ماي 45 الأليمة واندمج في صفوف النضال الوطني، عجل بانطلاق الثورة 22 يوما قبل الفاتح نوفمبر، قابل مصالي الحاج، وحكم بعدم جديته في دعم الثورة، رافق مصطفى بن بولعيد وعبد القادر العمودي وعميروش والحواس وكبار زعماء الثورة، إعلامي بارز، برامجه في الاذاعة والتلفزة لا تنافس ثراء علميا، له مواقف جريئة بحكم بصيرته النافذة، ونفسه الشهمة الأبية، قال عنه الاعلامي محمد دحو “الطاهر بن عيشه اخر الشفويين العرب” فهو خزينة علم ومعرفة، وإن اعتراه كسل الكتابة.

الانقطاع عن الدراسة والتفرغ للنضال

التحرير: انقطعتم عن الدراسة في تونس، وتجندتم مبكرا في الحزب الطليعي الوطني “حزب الشعب” منذ العام 1945 ما الدوافع؟

بن عيشة:كنت في الزيتونة بتونس، اجرينا الامتحانات مسبقا عن المعتاد، بسبب الحرب الكونية عام 1945م، وعدت بالقطار لأرض الوطن، فلما وصلنا عنابة يوم 8 ماي وصلتنا أخبار المذابح بسطيف وقالمة وخراطة، وكان الجو العام كئيبا حزينا، فلما وصلت بسكرة، وبقيت أياما أبحث على وسيلة نقل لسوف، أذكر أنني التقيت شاعرا في مجمع، قرأ بكائية من مفجوع بآلام اخوانه فعلاـ مازالت احفظ منها أربعة أبيات:

من تبسة الجميلة تلكم ما ألم بها   ـ  فتجيبها بدموع الحزن وهران

من وادي سوف إلى عنابة أفئدة  ـ   قد جرعت بكؤوس الظلم ألوان

تأثرت بها أيما تأثر لغاية الآن، بحثت عنها ولم أجدها  كاملة، ولا عرفت قائلها، لكنها أحدثت رجة في نفسي، وقلبت تفكيري، ولما وصلت قمار، قررت عدم العودة للدراسة، واتصلت بقيادة حزب الشعب في الوادي، ومنهم عبد القادر العمودي ومحمد بلحاج وأحمد ميلودي، والعروسي ميلودي والهاشمي ونيسي، ومن يومها أصبح نضالي منضبطا ضمن أطر الحزب، بمبادئه الثورية، التي على قمتها مطالبته بالاستقلال، لأنني بعد أحداث 8 ماي 1945 اقتنعت أن فرنسا لن تخرج إلا بالقوة، والجهود يجب أن تتكثف في إقناع الناس بهذه الفكرة، ما تطلب مني الانقطاع عن الدراسة، ونذرت نفسي للنضال الوطني، وللتوعية العامة بكل الوسائل.

باكورة نضاله تكوين فرقة مسرحية

التحرير: ما هي نماذج عملكم النضالي وباكورته؟

بن عيشة:حضور اجتماعات الحزب في الوادي مع صديقي عبد القادر العمودي عضو مجموعة 22 فيما بعد، وتكوين مجموعة في قمار، وكنت أناقش وأشرح توجه الحزب لنيل الاستقلال.

وكنشاط ثوري فكري، كونت فرقة مسرحية في قمار، ومن المسرحيات التي ألفتها”طارق بن زياد”ضمنتها إسقاطات على خوض الصعاب في سبيل الأهداف السامية، دون مراعاة لموازين القوة، وأن أوروبا التي تبدو لنا قوية، كانت لقرون في أعز أجزائها تحت الحكم العربي، وعرضناها في عدة أماكن بسوف.

وعرفت في حينها كمثقف في أوساط المناضلين، وبالتالي كانوا يدعونني للخطابة في تجمعات الحزب حتى خارج سوف.

التحرير:  لماذا كانوا يدعونكم حتى خارج سوف للخطابة؟

بن عيشة:تعرفون أن نسبة الأمية، وخاصة بالعربية، تكاد تكون مئة بالمئة، والمتعلمون بها عددهم لا يذكر، وخاصة من المنتمين لحزب الشعب، فأغلب المتعلمين بالعربية في جمعية العلماء ذات الطابع الاصلاحي، ولهذا كنت أخطب في سوف وبسكرة، ودعيت عام 1947 للخطابة في أريس، وحينها رفضت السلطات منحنا ترخيص التجمع في قاعة البلدية، فتجمعنا في الساحة العامة، وبالتالي أتيح لعدد أكبر حضور الخطبة، وهناك تعرفت على الشهيد مصطفى بن بولعيد، وأقمت عنده أيام تواجدي في أريس، وربطتنا علاقة الهدف النضالي.

بن عيشة وصداقته لمصطفى بن بولعيد

التحرير: هل لكم أن تحدثونا ولو بإيجاز على هذا الرجل وعلاقتكم به؟

بن عيشة:رجل ولا كل الرجال، صاحب جاه وثروة، وكبير عرش، وهي صفات عادة ما تعوق العمل الثوري، ولكن الشهيد مصطفى لم يكن يبالي بفقد مكانته ولا ثروته، ولهذا أعجبت به، وبقينا على تواصل، لأنه أيضا كان معجبا بي، ما دعاه حين ترشح في الانتخابات العامة عام 1948 لأكون مدير حملته الانتخابية، وأقمت عنده، ولازمته طوال الحملة حيث كنت أخطب في التجمعات، موضحا أهداف الحزب، وفاضحا مخازي الاستعمار.

التحرير: ماذا استفدتم نضاليا من هذه الانتخابات؟

بن عيشة:على مستوى مغنم السلطة أكيد لم نستفد شيئا، ولا أظن الحزب كان يعتقد بحصول فائدة في هذا المجال، ولكننا عرفنا حجم الحزب وجماهيريته الطاغية على كل الاحزاب المعتمدة آنذاك. وهذه الجماهيرية التي ظهرت أيام الانتخابات، شجعت الكثيرين على الانضمام لصفوفه.

وتأكدنا كمناضلين أن التفاف الجماهير حوله، إنما هي بسبب أهدافه التحررية المعلنة، ومصداقية رجاله، وهذا ما أعتقده أعطى دعما قويا لفكرة الإعداد للثورة المسلحة.

ثم أننا اغتنمنا فرصة الحملة الانتخابية لزيادة منسوب الوعي الثوري لدى الجماهير، كما أن هذا الالتفاف وحركة المناضلين قوت الروابط ، والاحساس بالقوة، وهي كلها عوامل تدعم نفسيا.

عوامل تشكيل الوعي الوطني لبن عيشة

التحرير:  هل يمكنكم وضعنا في صورة الاجواء السياسية لسنوات ما قبل الثورة التحريرية، وإرهاصاتها، وعوامل تفعيل هذه الشحنة الثورية؟

بن عيشة: بشكل عام الاستعمار هو نفسه يخلق بأعماله التعسفية روح المقاومة، وإذا حللنا الصورة تلك الفترة، يمكننا القول أنه كان لحزب فرحات عباس دور، ولجمعية العلماء دور كبير أيضا، فهي لم تكن تقود العملية الاصلاحية وحدها، ولكن تأصيل ثقافة الدين واللغة العربية مكن عددا كبيرا من الاطلاع على تراث التاريخ الجهادي، والفتوة العربية من خلال قراءاتهم،  ثم أن بعض المنتمين لجمعية العلماء كانوا يعملون في إطارها على مسار الاصلاح الديني والاخلاقي، وينتمون سياسيا لحزب الشعب، مثل الشيخ عبد العزيز الشريف وعبد القادر الياجوري، فقد كانا رغم انتمائهما هيكليا لجمعية العلماء يناضلان فعليا على ضوء مبادئ حزب الشعب.

ثم أن الحرب العالمية الثانية طورت الوعي العام لمشاركة البعض فيه، وللنقاشات التي كانت دائرة حوله، والجدال السياسي حول موقفي طرفيه: التحالف والمحور. وأحداث ماي بمجازرها المروعة أوصلت القناعة للأغلبية بأن فرنسا لا يجب أن تبقى بين ظهرانينا ، وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه بغير القوة.

وما زاد في الدفع بضرورة الثورة التغيير الثوري الذي وقع في مصر، واندلاع ثورتي المغرب وتونس، كل هذه العوامل عززت جهود التنظيم الخاص لاندلاع الثورة، وأوجد البئةالحاضنة لها، لأنها كلها ساهمت في تطوير الغليان الثوري، وجعلت الجماهير تحتضن الثورة حين اندلاعها، تماما كما توسم فيها العربي بن مهيدي،بقراءته الواعية لضمير الشعب، ومكنونات الحمية والعزة فيه.

الطاهر بن عيشة يفجر الثورة قبل اندلاعها

التحرير: هل يمكن القول أن تفاعل هذه العوامل في نفسيتكم الثائرة هي ما جعلتكم تبادرون باندلاع الثورة قبل الفاتح نوفمبر 54؟

بن عيشة:هذا صحيح، كل تلك العوامل أثرت في النفس، وأشعلتها حماسة، وكل أعضاء حزب الشعب الجزائري هم بهذا الشكل، وفي نفس الجو الذي خلقته الظروف، الموضوعية العالمية عقب الحرب العالمية الثانية، وخاصة بروز الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفياتي، واندلاع ثورتي المغرب وتونس، وسقوط الرجعية في مصر، على أيدي الضباط الوحدويين الأحرار، وما كانت تنقله لنا الإذاعات والصحافة المشرقية، كلها تتضافر، وتطرح في ضمير كل عزيز نفس، لماذا لا نثور نحن أيضا، والظلم يقع علينا أكثر من كل الذين ثاروا؟ !

وكانت تأتينا أيضا أخبار الثورات في شرق آسيا على فرنسا وبخاصة في الفيتنام.

في هذه الفترة أي منذ بداية الخمسينات كنت مقيما في الجزائر العاصمة رفقة عدد من الاخوان كالشهيد عبد الكريم هالي، وكثيرا ماكنا نناقش الاوضاع، وفي أواخر صائفة 1954 ضاقت نفوسنا ولم نعد نحتمل انتظار اندلاع العمل المسلح، خاصة وأن التنظيم السري الموكول إليه الإعداد لهذا، حل عام 1952، وتقطعت الروابط عموديا وأفقيا بين خلاياه المنتشرة عبر الوطن، فطرح علينا في أحد الجلسات الشهيد هالي أن نكون “مجموعة فدائية” نبدأ بها الثورة، ونخرج الجميع فيلتحقون بنا، وناقشنا مسألة السلاح الذي لم نكن نحتكم على أية قطعة منه، فكان القرار أن نبدأ بإحراق المؤسسات، المهم بداية المجابهة.

وأول عملية كلفت بها أنا وهالي عبد الكريم، هي إحراق مقر لاجتماع أثرياء الجالية اليهودية في (شارع لالير) يوم 8 أكتوبر 1954، هربنا بعد اشتعال النيران، ولما شعرنا أن أحدا لم يكن تفطن لنا ويلاحقنا، عدنا للمنطقة، وشاهدنا عملية إطفاء النيران، ومن فرحه بنشوة البادرة قال لي هالي عبد الكريم :”احنا انشعلوا، وفرنسا اطفي إلى أن نحصل على السلاح فنتوجه حينها لقتل جنودها، وأعمدة استعمارها، فنقتل ونقتل.

لما عدنا للاجتماع بالإخوان، اعترفنا بمحدودية فاعلية الحريق، وتأثيره على فرنسا، وإن تكرر مثله الآلاف، ولكنها البداية وتكسير حاجز الخوف، والاندماج في الفعل الثوري. وقررنا العمل على توفير السلاح، فأوفدتني المجموعة إلى فرنسا، للاتصال بالشهيد أحمد نصبه، وهو أصيل قمار، ومن أثرياء بسكرة، ومناضل ثوري، ولثقافته باللغتين انتدبه مصالي الحاج للمسؤولية على المناضلين في فرنسا، لأتزود منه بالمال الكافي لشراء الأسلحة من تونس وليبيا، ونستشف من خلاله موقف الزعيم مصالي، وإذا أمكن مقابلتنا به لنعرض عليه خطتنا لاندلاع الثورة، وبداية عملنا بالحريق الذي تحدثت عليه بعض الصحافة في اليوم الموالي.

تفاصيل لقاء بن عيشة مع مصالي الحاج

التحرير: هل ذهبتم لفرنسا، وتحققت مقابلة الزعيم؟

بن عيشة: نعم اتجهت من فوري لباريس، والتقيت بالشهيد نصبه، وعرضت عليه أهداف مهمتي، فوعدني خيرا بتوفير المال ومقابلة الزعيم متى سنحت فرصة لقائه، على أن يقدمني له كقريب عائليا، وفي أثناء حديثنا معه أطرح ماجئت في شأنه، وقبل أن يحدد الشهيد نصبه أحمد اللقاء الموعود، تعرفت على شاب من ملوزه(عيسى بركي)، على علاقة وطيدة بالزعيم، ما أن طرحت عليه أهداف زيارتي لفرنسا، حتى حدد لي موعدا في اليوم الموالي للقاء الزعيم بضواحي باريس حينها، وللشهادة السيد عيسى تشجع كثيرا لما قمنا به وفرح به، واعتقد أن مصالي سيدعمنا ماديا ومعنويا” وفعلا كان في الموعد، وكان اللقاء بالزعيم.

التحرير:  فصل لنا أجواء اللقاء؟

بن عيشة:دخلنا على الزعيم فوجدناه في وضع مريح، به الكثير من الأبهة، يقرأ مقدمة ابن خلدون، فأشعرني منذ البداية هذا الوضع المريح، والترف الفكري بقراءة المقدمة، بنوع من الصدمة، لأنني قدرت عدم اندلاع ثورة من مثل هكذا بيئة مريحة …

قدمني السيد عيسى، وطرح نيابة عني ما أردت قوله بشكل مباشر، وكان المسكين يعتقد الترحيب الفوري، بالفكرة من الزعيم، رحب بي مصالي، ولاطفني مجاملة، وأعلمني أنه قرأ على الحريق، وبخصوص رده على مهمتي بعد أن أفضت له الحديث على أهدافنا بإشعال الثورة انطلاقا من باكورة أعمالنا “الحريق” الذي اعتبرناه رمزيا، كان رده: “المفروض أنكم تريثتم قليلا، لأن الظروف الموضوعية لهكذا فعل عظيم مازالت لم تتوفر بعد …” ففهمت أنه لا ضرورة لمزيد شرح أو إلحاح.

وانتقل الحديث بعدها لخلافه مع المركزيين، واقترحت عليه فكرة الحاجة لرص الصفوف، ولو بترضيات مقبولة، فكان رده: “الشعب الجزائري خرج من يدي مرتان ورجع لي، وهذه المرة أيضا سيرجع”، ولما تأكدت من عدم الحصول على المعونة المادية، أو المعنوية لما قمنا به، ونزمع على تطويره من كفاح، غادرته متمنيا له العافية.

وبعد أيام قليلة من هذا اللقاء اندلعت ثورة التحرير المباركة. وأنا في باريس مع أحمد نصبه الذي أمهلني قليلا ليوفر مبلغا من المال يكفل شراء كمية معتبرة من الاسلحة.

التحرير:  كيف تفاجأتم باندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر، وكنتم ضمن خلايا التنظيم السري، وعلى صداقة بعبد القادر العمودي؟ !
بن عيشة:عدم معرفتنا باندلاع الثورة رغم انتمائنا السابق بالتنظيم، ومعرفتنا العميقة بعبد القادر العمودي، أمرها بسيط جدا، أولا روابط التنظيم منقطعة منذ حله في العام 1952، وعبد القادر العمودي مقيم في بسكرة، ونحن في الجزائر العاصمة، وعلى غير علاقة سابقة بتنظيمها السري، والعمودي كقيادي كبير كان عمله مع اخوانه في سرية مطلقة، ولم يعلموا إلا رؤوس العمل في المناطق المختلفة حتى لا يجهض قبل انطلاقه، وفي العاصمة لم تكن تربطنا بالمرحوم محمد المرزوقي علاقة تنظيم، ولهذا تفاجأنا ككل الشعب الجزائري، والعالم بالحدث العظيم، يوم الفاتح نوفمبر 54، ولكننا اندمجنا في صلب الثورة، وضمن هياكلها فور اندلاعها، ونلنا شرف الأسبقية بأول عملية حرق للمصالح الفرنسية، قبل اندلاع ثورة التحرير باثنين وعشرين يوما، وما قمنا به كان أكثر إيلاما من القنبلة التي رميت في “صوت الجزائر” ليلة الفاتح ولم تتفجر، وإن كان وقعها أكثر من عمليتنا بكثير لكونه متكاملا مع غيره من الأعمال تلك الليلة، التي خطط لها أن تكون شاملة لكل التراب الوطني.

مكثت في فرنسا عدة أشهر بعد اندلاع الثورة، وأذكر أنني معية الشهيد نصبه أحمد الذي فك روابطه بمصالي حين لم يلتحق بالثورة، هيأنا لمظاهرة تأييد، واعتمدنا في هذا على روابط نصبه أحمد السابقة مع مناضلي حزب الشعب، الذي كان مسؤولا عليهم، وخرجوا في جلهم من التبعية للزعيم،وانتموا لجبهة التحرير الوطني، وقدت شخصيا هذه المظاهرة في باريس يوم 16افريل 1955، والقيت فيها خطابا، ثم عدت للجزائر. ومنها اتجهت إلى تونس معية عميروش.

ذهابه لتونس مع عميروش وتأسيس الأمانة العامة

التحرير:  هل التحقتم بالوفد الخارجي، أم ماذا تفعلون في تونس، والثورة في الجزائر؟

بن عيشة: أنا لم أكن على علاقة بالوفد الخارجي، أو الزعماء الخمسة كما سموا فيما بعد، ولكن تونس محطة مهمة لعدة اعتبارات: أولها تمتعها بالاستقلال الداخلي في تلك الفترة، والحركة فيها سهلة نسبيا، وثانيها امكانية الحصول على الاسلحة لتوفرها وقد كانت مسرحا لبعض معارك الحرب العالمية الثانية في منطقة”ارمادة” وبجوارها ليبيا المستقلة آنذاك، وبها أيضا الأسلحة،لأنها كانت أيضا مسرحا لأهم معارك الألمان والطليان ضد التحالف بقيادة أمريكا، وخاصة في المنطقة الشرقية على الحدود مع مصر، وثالثها وجود جالية سوفية كبيرة يمكن الاستفادة منها في تأمين السلاح والمال، خاصة وأن جلهم عمال في المناجم، وغيرها من الاعمال، وأهمها جميعا أنها قد توفر لنا فرصة الاتصال بالإعلام، واصدار البيانات وغير ذلك من الامور المهمة للثورة.

وقبل ذهابي مع الشهيد عميروش، كان قد سبقنا عبد الكريم هالي، فلما اتصلنا به في تونس، وجدناه في طور تأسيس “الامانة العامة”، وعلمت أنها كانت تنظيما من اقتراح بورقيبة، حتى تكون للثورة هيئة يمكن التفاوض معها، حول شؤون الجزائريين لتونس أو أي شيء يمكن أن يحدث، وهي على كل هيئة تنسيق وتنظيم لشؤون الثورة والجزائريين بتونس. تشكلت الامانة العامة من 27 عضوا، تحت قيادة السعيد عبد الحي وهالي عبد الكريم، وأنا” المقرر” وإن كنت توجست منها بادئا، لأنني لا أثق في بورقيبة، وحكمي عليه أنه عميل لفرنسا طوال حياته إلى ان مات.وقد سعى الشهيدان السعيد عبد الحي وهالي عبد الكريم ضم الشهيد عميروش لهذه الهيئة، لكنه رفض، وفضل العودة للجزائر بما استطاع أن يعود به، حيث يمكنه أن يفيد الثورة أكثر.وقد استفاد الوفد الخارجي الذي يمثل القيادة السياسية للثورة، من الامانة العامة كهمزة وصل بالثوار في الحدود، وعبور قوافل السلاح من ليبيا، وعاملوها كممثلية سياسية للثورة في تونس.

مضاعفات الصراع بين رؤيتي بيان نوفمبر ومقرراتالصومام

التحرير:  لقد اندلعت ثورة التحرير تحت برنامج سياسي محدد هو بيان نوفمبر، ولكن ظهر له بديل من (فئة ما) في مؤتمر الصومام فهل يمكنكم وضعنا في صورة الخلافات التي نجمت على اختلاف الرؤى بين بياني نوفمبر ومؤتمر الصومام. ومقررات الصومام سمعت شخصيا من الرئيس علي كافي يقول: انها اكبر كارثة على الوطن خاصة بطرحها ثنائيتي المدني على العسكري، والداخلي على الخارجي، فشقوا بها الصفوف؟

بن عيشة: إذا استثنينا التنظيم العسكري الوارد في مقررات الصومام، فإني أضم صوتي للرئيس علي كافي، بل وأراه اغتصابا للثورة ومبادئها، فقد سعوا لتفريغأهداف الثورة المرسومة في بيان نوفمبر، من روحها وجوهرها ، واحدثوا شرخا بقرارتهم في صفوف الثورة، واصطدم الصراع، وكانت التصفيات الجسدية لبعض القيادات، وحرب المواقع استعدادا لتسلم السلطة في دولة الاستقلال, وشخصيا نالني نصيب من حرب المواقع هذه، حيث قبضوا علي مع أعضاء “الامانة العامة” كي نخلي مكاننا لأمانة عامة جديدة في تونس، مدعومة من جماعة مؤتمر الصومام. هذا المؤتمر الذي لم يسانده كل الزعماء التاريخيين، ولا أهم  ولايتين فاعلتين في الثورة، وفي المحصلة فإننا لغاية الأن مازلنا نتجرع كؤوس هذه المقررات المرة ، ونتأثر بتبعاتها .

التحرير:  ما هي أبرز مضاعفات مقررات الصومام؟

بن عيشة:نجدها جلية عمليا في حوادث صائفة 1962، ومالها من تأثير على المسار الوطني، ولا أرغب في الخوض بتفاصيل الأحداث، وتعيينقضايا بذاتها، عندي عليها الحجة والدليل، ولكن نتحدث فيما تجسد وشاهده الناس على أرض الواقع، كحرب الولايات، وحمل السلاح ضد الدولة الوليدة، والاختلاف في التوجه الحضاري الواجب اتخاذه مسارا، وهو ما نتج عنه ثنائيات أخرى تتعلق بالمناطقيات، والمعرب والمفرنس، وغير ذلك كثير مما لا أحب الخوض فيه، فما كل ما يعرف يقال، قبل أوانه المناسب.

وعلى العموم تعرفون أن الفصل بين تياري بياني نوفمبر والصومام وقع غداة 19 مارس 1962، وتوقيف القتال بعد نضال مرير دام 132 سنة وشهداء بالملايين، وبدل الدخول موحدين، بقوا مصرين على توجههم في مؤتمر طرابلس، حيث كانت انسحابات واستعداد للحرب الاهلية، اذا لم يقع الاستيلاء على السلطة، ولكن شعبنا بضميره الحي، رفع شعاره المشهور “سبعة سنين بركات”، ودخلنا مسار البناء الوطني في خضم هذه التجاذبات، وماتبعها من ترضيات، ربما مازالت مستمرة لغاية اليوم، على ما لها من تأثير على تقدم الوطن ورخائه.

أسباب تخلف مستوى التعليم والإبداع

التحرير:  في خضم ما سبق هل يمكنكم وضعنا في صورة الثقافة المنتهجة من دولة الاستقلال لبناء أعمدة الشخصية الوطنية؟

بن عيشة: التوجه الثقافي المنتهج في دولة الاستقلال،هو تبع للصراعات السياسية، ولأن التوجه الحضاري للعشب الجزائري يعيش تجاذبات غربا وشرقا، مع أنه محسوم عند الشعب، ويمكنك قراءة هذه التجاذبات بتتبع مسيرة التعليم ومنظوماته المتعددة، ومنظومة العلاقات الخارجية للدولة، من بيدهم مقاليد الأمور لا يجرؤون على الاعتراف بمخالفة الانتماء الحضاري للشعب، كما ورثه عن الاجداد، ولكنهم يفعلون في أرض الواقع ما يفضحهم، والامر جليا لكل ذي بصيرة.

التحرير: ما ترونه في نتاج العامل الثقافي بين التعليم العصامي والمدارس الحرة إبان الحركة الوطنية ومنتوجها من قامات كإبن باديس والابراهيمي والامين العمودي ومفدي زكريا وآل خليفة ….الخ ومدارس دولة الاستقلال؟

بن عيشة: الشعب الجزائري ولودخلاق، وعقول ابنائه مؤهلة لقيادة الحركة العلمية، والنبوغ في عالم الافكار، ولكن كما اسلفنا حينما كان الانتماء الحضاري محسوما، ظهرت هذه القامات وغيرها عشرات ممن لهم اسماء في مجالات الفكر المتنوعة، كمالك بن نبي وسعد الله والطاهر وطار…

ولكن هذه الاجيال التي تكونت في هذا الاضطراب في التوجه الثقافي، والانتماء الحضاري، وطرح فيه سؤال من نحن ؟ !! النتائج هي مانرى !!

رأي سلبي في المكتبة الوطنية والمسرح والمهرجانات الثقافية

التحرير:  أعمدة البناء الثقافي هي : المكتبة الوطنية، المسرح الوطني، الفعاليات الثقافية، هل يمكننا معرفة رأيكم فيها؟

بن عيشة: صحيح يفترض أن هذه الاشياء هي أعمدة الثقافة في كل وطن، وانعكاس لمستواه سلبا وايجابا، ويفترض الاهتمام بها، ولكنه أيضا دخلت الصراع، وخضعت للسؤال أي مكتبة وطنية، وأي مسرح، وأي فعاليات ثقافية نرغب أن تكون؟ فالمكتبة الوطنية، كالمسرح الوطني، وأي فعل ثقافي اخر، ليست هياكل وبناء، وعدد موظفين، ولكنها سياسات واهداف، ورجال مؤهلون بالعلم والكفاءة، والفعالية في هذه الميادين، فالمكتبة الوطنية مثلا أنا لا أرى غير الأمين الزاوي عبر تاريخها كان مؤهلا ممن استلموها، وسيروها، فهو مثقف وصاحب رؤية استراتيجية، ويتمتع بالحيوية اللازمة، وفعلا عرفت المكتبة الوطنية في عهدته انطلاقة كبيرة، ومبادراته نراها اليوم في الواقع ، كالمكتبة المتنقلة، ودعم المكتبات الولائية، واثراء المكتبة الوطنية، ولكن مع الأسف السلطة لم تتقبل نجاحاته، ومبادراته فكسروه، لأنهم لا يرضون إلا بمسير يقبل قوالبهم الجاهزة، وأصلا هؤلاء الذين عزلوه، ما هو وزنهم الثقافي مقارنة به؟! ونتمنى النجاح لعز الدين ميهوبي ..

التحرير:  والمسرح الوطني أين مكانته الآن، وقد كان في السبعينيات لامعا في دنيا المسرح العربي حتى أنه نال المرتبة الاولى في مهرجان دمشق سنة 1971 على مسرحية دائرة الطباشير القوقازية لما فيها من رمزية واسقاطات؟

بن عيشة: يفترض أن يلعب المسرح دوره في نشر الوعي بين الناس، ويرفع مستواهم بما يمتلكه من أدوات ادبية وتقنية، فهو أحد وسائل النضال لطرح قضايا الوطن، وما يعتمل في ساحته من صراع فكري ، أو تفشي آفات السرقة والمحسوبية والجهوية كما هو واقع، بالأساليب المبسطة، والمتتبع لتاريخ المسرح الوطني يجده قد اضطلع بهذه الرسالة، إبان النضال الوطني، وخاصة مسرح باش طارزي الذي كان قمة، ولكن المسرح الوطني بعد الاستقلال عرف صعودا وهبوطا، ليس من قلة مسرحيين أو كتاب أو مخرجين أو حتى ممثلين، ولكنها السياسات التي مازال بعض رجالاتها لم يحددوا هوية الوطن من منظورهم بعد، وبالتالي مازالوا لم يحددوا أي مسرح وطني يريدون، ومن ثم يمكننا القول، أن السؤال لم يعد مطروحا ما هو مستوى مسرحنا الآن؟ بل السؤال الوجيه هو: هل يوجد بالفعل في بلادنا مسرح ونعده وريثا لمسرح العملاق باش طارزي؟!!

التحرير:  والفعاليات الثقافية من ندوات ومهرجانات، وليالي طرب؟!

بن عيشة: في جلها استعراضات للفرجة من دون رسالة ثقافية هادفة، بل أن أغلبها ينضم فقط لتبرير صرف مبالغ لسرقة أخرى، وبعضها للترضيات أو لإثبات الذات وأننا هنا لكنها في المجمل ذات حصاد محدود، والهدف منها اثبات حركية معينة من دون استراتيجية محددة الاهداف.

قال للوزيرة تومي ما قاله المعري للمقتدر بالله العباسي

التحرير:  ما رأيكم في سياسة القطاع في عهدة السيدة خليدة تومي؟

بن عيشة: كلها مظاهر فارغة المحتوى، وجلها معدوم الحصاد، ولا أحب التعرضلأشخاص، وإن كانوا يشغلون مناصب عامة يحق لكل واحد التحدث في منجزاتهم، ولكني أفضل أن يكون رأيي ضمن دراسة موضوعية متكاملة، وليس جوابا عن السؤال في عرض مقابلة يفترض أن يكون مختصرا كما تستوجب المقابلات، ولكنني أخصكم بما قلته لها، في حفل تكريمي، وقد طلبت مني بلباقة أن أقول كلمة، فلما أجبتها أنه ليس عندي ما أقول، ألحت عني في كلمة فاستجبت، ولكن استحضرت التاريخ لإسقاطه على الواقع ولم أزد عليه شيئا، فقلت: “المقتدر بالله العباسي، لما قال لأبي علاء المعري عينتك واليا على بلدك، وظن المقتدر بالله أنه سيفرحه، وبالتالي ينال رضاه ومديحه، فكان رد أبي العلاء المعري: كنت أفضل أن تمنحني خشبة أصلب عليها، على أن أكون واليا في دولتك الطاغية” ولا أزيد في الاجابة عن سؤالكم شيئا !!!

بن عيشة ومحمد الصالح يحياوي واندلاع ثورة البوليساريو ضد الاسبان

التحرير:قبل نهاية اللقاء هل ترغبون في كشف أي من صفحاتكم النضالية المجهولة مع القضايا الانسانية العادلة؟

بن عيشة: في أثناء إحدى مهماتي الاعلامية لتغطية الاسبوع الثقافي الاقتصادي بأدرار عام 1968، التقيت (بشير والي) من الصحراء الغربية، واستنهضته بالقول: كل الشعوب ثارت ضد محتليها، ونالت استقلالها، فلماذا تخلفتم، أم رضيتم بالاحتلال؟! أجابني أنه موجود في الجزائر لهذا الغرض طلبا للمساعدة، وقد فشلنا في مساعدة المغرب. فأخذته في اليوم الموالي لقائد الناحية العسكرية الثالثة محمد الصالح يحياوي، الذي وجدنا عنده وزير النقل (محمد بيطاط)، عرض بشير والي طلبه، فوعده يحياوي بالمساعدة الكافية، شريطة رؤية الثورة في المدن والجبال، لأننا لا نساعد الجهاد في فنادق خمسة نجوم… وفعلا كانت المساعدة، وكان خروج الاسبان، فسطا المغرب على نصرهم، الذي حققوه بدمائهم واحتلهم بأسوأ من الاحتلال الاسباني.

صحافة البيانات الجاهزة وكتم الحقيقة

التحرير: ما رأيكم في الصحافة العمومية والخاصة، وإن كانت تؤدي دورها بالفاعلية المطلوبة؟

بن عيشة: باختصار هي صحافة البيانات الجاهزة، ويغني واحدها على مجموعها، فلا هي تخدم اتجاهات فكرية واضحة، ولا تعالج قضايا المجتمع بالحرفية المطلوبة، كقضايا نهب المال العام، والتهميش السياسي، والخلود في المناصب، والاختلالات الجهوية، والامتيازات الشللية، وتفشي الرشوة وغيرها من القضايا، كتدني مستوى التعليم، وسلم القيم الاخلاقية والانسانية للمجتمع، والبحث عن الاسباب والمسببات. وكنموذج صارخ قضية الطفل اسلام خوالد المحتجز ظلما في المغرب، تصوروا معي أنه كان من بلد أوروبي، أما كان سيتصدر الصفحات الأولى في كل صحافة أوروبا، وليس بلده فقط، بل وعناوين الأخبار في المحطات، والتشنيع على المجرم الذي يحتجز صبيا لابتزاز مواقف سياسية، بل وسيكون منطلق الكلام عند كل متحدث رسمي باسم وزارات الخارجية وحتى الجمهورية، أو لم يفعلوا هذا حتى بالمجرم شاليط الاسرائيلي عندما اختطفه المقاومون الفلسطينيون، واعتبروها جريمة العصر،… فهل واكبت صحافتنا قضية الطفل اسلام اعتقد أن درجة المعالجة رمادية جدا ولا تليق بصحافة وطنية.

التحرير: تمنياتكم لما تكون عليه يومية “التحرير”؟

بن عيشة: أكيد أتمنى لكم النجاح وتبوء مكانة مرموقة في عالم الصحافة، ولكن هذه المكانة لا تكون إذا لم تقفوا مع الحق، وتقولوا الحقيقة، وتناصروا القضايا العادلة، فهل أنتم قادرون على قول الحقيقة أو حتى نصف الحقيقة؟ !! أتمنى ذلك بقدر خدمتكم لها يكون نجاحكم المأمول، وقل اعملوا والله الموفق.

علي بوصبيع

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق