ثقافة و أدب

مقال : همِيسي … السُّوفِي الذي صَوَّف الرِّواية

زُفَّت يومَ الثلاثاء الماضي الواقع في 20 ديسمبر 2016 رواية ” ما تَشتَهِيه الروح ” لصاحبها الأستاذ عبد الرشيد هميسي أصيل ولاية الوادي عروسا في المسابقة الوطنية للرواية القصيرة والتي أقامتها الرابطة الولائية للفكر والإبداع .

ولقد وجدتُنِي وأنا أقرأها أمام نَصِ ماكِر بدأ هادئا مألوفا ثم مالبِثَ غير قليل حَتّى كشَفَ عن بناء سردي جميل يَأْسِرُ روحَك ويملأ جوانحَك ، أمام فَجْأَة أحْدَاثة ، وغَرَابة أشْخَاصه ، يُعَلِّقُك بين واقعٍ تَعْلَمُهُ ، ولا يَخْفَى عَنْكَ ، وبَين حُلْمِ بَطَلِ القِصَّة تَعِيشُهُ مَعَهُ وكَأَنّكَ هُوْ.

ولقد خَدَعَنا صَاحِبُ النَّصِ مرتين ، كانت الأولى حينما بدأ نَصَّه بذلك الهدوء وبتلك البساطة ، وقد كان يخبئ للقارئ عَالَمًا جميلا من السَّرد واللغة الشاعرة المحَلِّقة ، وعالَمًا آخر أجْمَلَ هو ما يفيض في جوانبها من الحكمة والعِظَة ، وأما الأخرى فحينما بدأ نصّه بالحديث عن مُجون بَطَلِه ” حَسَن شَرْقي ” وزندقته ولهوه مع صديقه ” مسعود الضَّبَع” فأظهره لنا سِكِيرا مُدْمِنا زانيا ، يتقلب في المعاصي ، ثم طَرحَ ذلك العَفَنَ الذي يرتعُ فيه أغلبُ الروائيين حتى كاد أن يُكَرِّرَ بعضُهم بَعْضًا ، لينتشله فجأة من وسخ البساتين المملوءة عُهْرا وخمرا ورذيلة بحلم أَلَحَّ عليه مرة من بعد أخرى ، فعاوده حتى اشتكاه إلى من تَوَسَّم فيهم التقوى والإيمان ” بلَّغ إسْلَام المُرَادي : كلّ شيء في حينه ، الله لا يُهْمِل أحدا …” إلى أن وصل إلى ” الشيخ عباسي ” فتبيّن أن الحلم ما هو إلا رؤيا وَجَبَ عليه أن يحملها في جيبه ، وأن يسافر بعيدا عن وادي سوف إلى العاصمة ليبحث عن ” إسلام المرادي ” ، وكأن ظهور الشيخ عباسي بما يحمله من رمزية  كان إعلان طَلَاق مع فَصْلِ المجون الذي أخذه إليه ” مسعود الضبع ” وبوَابَةً للدخول إلى  عالم جديد تَسْحَبه إليه شخصية ” إسلام المرادي ” والتي لم تكن إلا امرأة في ” الحَرَّاش ” ترعى دار أيتام لكنها مُتَبَتِّلَة صادقة تقية ،  ولينطلقَ بذلك حِوَارٌ شَيِّقٌ من السُّمُو ، فيجذبنا إلى صَوْمَعةٍ من الرهبنة والتَّصَوُّف والرقي الروحي، وكأنك في حضرة ابن عربي والحَلَّاج ، وليضع المتلقي  في مواجهة مباشرة مع المتحاورين ( حسن وإسلام )

فتشعُرُ فيه بالحياة المتحركة التي تنتقل من موقف إلى موقف ومن جو إلى جو، وتندمج في القصة فإذا بشخوصها يتحركون أمامك في أدوارهم وأوضاعهم كما لو كنت حاضرا معهم ، ولن يقتصر الموقف على الكلمات التي تنطلق منهم ، بل يمتد الشعور معك إلى إحساسك بالجو الذي يخيم على الموقف، وبالمعاني الخفية التي تختفي وراء الكلمات ، كما لو كان البطل يتحدث إليك حيث تندمج معه بالإيحاء مع الكلمة،وبالإحساس الخفي مع الحركة .

ولقد هُنْدِسَت تلك المواضع التي أرادها الروائي هندسة عجيبة تتنزّل على القارئ وكأنها السِّحْر ، إنه باختصار كلام عرفاني صُوفي ، لا تكاد تقرأ الجملة وتغادرها حتى تعود إليها تَتبعها حرفا حرفا لعلك تكتشف في بنيتها شيئا جديدا ، ثم تتركها وقد سَرَحت تبحث في نفسك ، و تُسَائِل ذاتك وما تشعر إلا وكأن يدًا تنتشلك لتعْرُج بك في مدارج السالكين تُصْخِي السمع  لتراتيل هي من وحي  عبارات المتَصَوِّفة والعرفانيين.

” …وإن السذّج من الناس يقنعون بالأشياء وظواهرها وهم كُثر، أما أهل البصيرة فلا يقتنعون إلا بما وراء الأشياء وهم قلة ” ص33

” كان ( الله ) يصبر على حماقاتي وأشيائي التافهة يستمع إليّ في صمتي حتى أنهي كلّ شيء ، ويؤنسني حين عدمتُ المؤنس حتّى فرّط فيّ الحال يوما فصحت : راك روعة ..” ص37

” الله يا سي حسن جميل جدا وكريم جدا …العيب فينا ؛ يهبنا غرائز صافية وفطرة نقية، ونحن من يشوّهها ويدنّسها ، كأنه لا يحلو لنا إلا أن نعيش مشوّهين “ص 39

” مادام الموت لا يبعدني عن الله فلم الخوف؟ أخاف فقط من شيء يبعدني عن ربي “ص42

” كل ما في الأمر أني أحب القرآن ، وأنا أشعر أنّه كلامُ من أُحِب وأنه قادم من عوالم أزلية ليستقرّ على شفتي وحينما أقرأه يحضر في بالي أن الله مصغ إليّ ، وأنّ وراء كلّ كلمة أقرأها سرا فأستنطقه وأحل ّ عقدته …القرآن ياسي حسن وجود من نور من دخله أمِنَ وسعدَ وعرف ” ص44

” قلوب الأطفال لا تميل إلا لمن فيه شيء من رائحة الله .. ” ص50

” أخذني الله لنفسه ثم أعادني ” ص54

وعليه فالكاتب لم يفعل كما يفعل أكثر الروائيين حينما يؤثّثون نصوصهم بحديث العشق المباح والممنوع ، وإنما صَنَعَ الاستثناء بتلك المصارحة والمكاشفة الروحانية ، وهو يوزع بين ثنايا السرد تلك العِظات والحكم ، متأثرا بمنهج القصة القرآنية.

وإن كنتُ أعيب عليه أنه أرهَقَ بطله كثيرا فقد تجوّل به في كل زاوية من زوايا الرواية ،ولم يترك له فرصة ليسترد أنفاسه ، بأن يخلق فيها تلك المنعرجات التي تَتَمَوْقع على حبل السرد أحيانا ، كما أنه أسْرَف في استدعاء بعض التعابير العامية المأخوذة من لهجة سوف حتى كاد يغلق على نفسه في دائرة بيئة معينة هي بيئة تلك الجماعة اللغوية ، وإن كان قد جَبَرَ ذلك بتوضيح  تلك العبارات بالفصحى ، إلا أنه ما مِنْ قارئ يرغب في قَطْعِ تواتر القَصِّ ليبحث في حواشي الصَحَائف عن معنى تلك الألفاظ العامية .

ومع ذلك فإن الدَّهْشَة والفَجْأَة لتَتَمَلَّكُ القارئ ، وهو يقطع تلك الأشواط من وادي سوف إلى العاصمة لاهثا مع البطل وراء تفسير حُلُمٍ  أدخله عالم التصوف ، يترنّح معه بين ذلك السخاء المعرفي الراقي ، وبين رغبة ملحة في أن يعرف لذلك الحلم تفسيرا ، ولذلك البحث المضني نهاية ، ومن الجميل أن كل ذلك يأتي ملفوفا في حكاية عشق نضجت على نار هادئة ما صرّح به الكاتب ولا جَرَّ إليه  المتلقي غَصْبًا.

ذلك أنه لم يكن عشقا يخرج من الأرض ليتَّسِخ بأدرَانها ويتلطخ بشرورها ، ثم يحاول أهلُه أن يدفعوا به إلى السماء ليَتَطَهَّر ، وإنما هو عشق تنزّل من السماء رؤيا عنيدة غَاَلبَت صاحبَها حتى سعى نحوها ” كل شيء في حينه  ، الله لا يهمل أحدا ، حان حين القدر ، جفّت الأقلام وطويت الصحف ” وماتركه حتى صارا واقعا رائعا صادقا صُنِعَ على عين الله يمشي على الأرض ” أخبرتك أني كنتُ أناجي الله ، وأتدلّل عليه ، وذات مرّة تدللت عليه بشيء  فقد طلبتُ منه أن يزوجني برجل يكون تائها في معاصيه ومخازيه فيهْدَى على يديّ ، وقد كنتُ استبطأتُ ذلك فردّ عليّ معاتبا في المنام الذي رأيتَه أنت ” كلُّ شيء في حينه ، الله لا يهمل أحدا ، حان حين القدر…” …أنت إذن الرّجل الذي اختاره الله لي من زَخَم الرجال ، لاشيء أجمل من أن يختار الله لَكَ ، أمّا الرمل فبلّغه أنِّي قادمة إليه ”

   الدكتور : قويدر قيطون* جامعة الوادي

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق