حوارات

عاشوراء من الموروث الديني إلى التراث الشعبي الطقوس التي نمارسها في عاشوراء غير إسلامية بل معظمها وثنية

أسطورة ايزيس في العراق والنساء اللاتي يندبنه على نهر الفرات كانت معروفة وبعد أن جاء الإسلام غطى هذه الأساطير المتعلقة بمعتقدات قديمة وبمجرد أن مات الحسين أعيد احياؤها ..
الدكتور أحمد زغب استاذ فلكلور و أنثروبولوجيا و الأدب الشعبي في جامعة الوادي ،يشغل منصب أستاذ جامعي في الجامعة منذ 15 عاما حيث في البداية كان أستاذ في اللغويات التطبيقية ثم أستاذ علم الدلالة سيمياء ثم بعد ذلك تحول إلى الأدب الشعبي و الفلكلور و الأنثروبولوجيا و كل العناصر التي تدخل ضمن الثقافة الشعبية عموما . استضافت التحرير الاستاذ احمد زغب بمناسبة ذكرى عاشوراء فكان لنا معه هذا الحوارالشيق..
– أستاذ طبعا لديك مسيرة طويلة وتخصص متميزفي مجال الفلكلور و الأنثروبولوجيا و الادب الشعبي ،فمنذ سنوات كانت لديك حصص في الاذاعة المحلية كذلك لديك عدة مؤلفات و منشورات في هذا المجال ؟
– نعم بالنسبة للحصة الاذاعية كانت تسمى” البيداء و القلم” و كنت أتناول شاعرا في كل أسبوع لمدة قاريت ثماني سنوات، ولذلك غطيت عدد كبيرا جدا من الشعراء الذين جمعت أسماءهم فيما بعد في كتاب من أربع اجزاء بعنوان” أعلام الشعر الملحون في منطقة سوف”. أما فيما يتعلق بمسيرتي العلمية فيوجد عندي مداخلات عديدة و كثيرة جدا سواء داخل الوطن أو خارجه في ملتقيات وطنية ودولية ومعظمها في الثقافة الشعبية و الأدب الشعبي ، كذلك يوجد عندي مجموعة من المؤلفات أهمها “أعلام الشعر الملحون” الذي ذكرته منذ قليل و” الشعر الشفاهي من الاصلاح إلى الثورة ” ، “ديوان إبراهيم بن سمينة” ،”ديوان فاطمة منصوري” ،”ديوان الهادي جاب الله “،” ديوان أحمد بن عطاالله”، و كذلك “سيمياء الشعر الشفاهي” و مؤخرا صدر لي كتاب عن “الغزوة الشفاهية” وأدوارها الاجتماعية و الثقافية و السياسية. وتناولت في الغزوات خاصة المرحومين “العيد نوبلي” بشكل مركز و”قدور بوحباكة “،وهما معروفان ومن الروات الشفاهيين للغزوة الشعبية باستعمال آلة الربابة الشعبية في الأسواق. ولقد اختفت تلك التظاهرة منذ الثمانينيات من القرن الماضي و لكن لاتزال راكنة في الأذهان و في ذاكرة الكثير..وبالمناسبة لدي عدة كتب في الفلكلورمنها” الفلكلور من الدراسة النظرية إلى المنهجية التطبيقية” صدر في سنة 2014 م، وكتاب”عمود الدخان” يتطرق للموضوع الذي سنتحدث عنه وهو موضوع عاشوراء الذي يتطرق اليه الكتاب من منظور أنثروبولوجي .
قبل ان نتطرق إلى موضوعنا حول ذكرى عاشوراء المصادف للعاشر من المحرم، أستاذ أحمد أنت كمختص في التراث الشعبي كيف ترى قيمة التراث من حيث تشكيل الخلفية اللاشعورية في الحراك الاجتماعي الواعي والغير واعي على حد سواء؟؟
– في الحقيقة التراث هو العمق الفكري و الثقافي الجمعي لللأمة اللاشعوري- الواعي و اللاواعي- في نفس الوقت، ولايعنى فقط بالأمور التي يعترف بها المجتمع أولا تعترف بها الثقافة المهيمنة انما فيه الكثير من القطع الأثرية مما توارثناه من ثقافات سابقة. و لذلك فالاهتمام بالفلكلورأو الثقافة الشعبية ،هو اهتمام بكل ما هو موروث- أعترف به رسميا أو لم يعترف به – فكل ما يحتضنه الوعي الجمعي يدخل في صميم الفلكلور من عادات و تقاليد و ميول اجتماعية ،و كذلك سلوكات و أداب عامة و أغاني و رقص و ممارسات طقوسية سواء أكانت دينية أو سحرية أو كانت طقوسية دينية مختلطة ، كلها تندرج ضمن التراث و أكثر من ذلك بكثير. و جميع ما تفرزه القريحة الاجتماعية بتفاعل مع الطبيعة ، كلها تعتبر ثقافة و لكن هناك الثقافة النخبوية الرسمية التي تتبناها الدولة في القديم طبعا -عندما كانت الدولة منفصلة عن عامة الشعب- وبين الثقافة الشعبية التي ينتجها البسطاء من الناس في مزارعهم وواحاتهم و في باديتهم وفي المراعي والورش حيث صناعة الخزف و صناعة السعف و صناعة الصوف، أما الثقافة الرسمية فكانت هي التي كانت تتبناها الهيئات السياسية الحاكمة أوالنخبة المحيطة بها وتدور في فلكها.
بصدد حديثك عن التراث فهناك من يعده أيضا جزءا من التاريخ ،و التاريخ عنصرمن عناصر الهوية. وعندما نتحدث عن هوية أمة أوشعب لاشك أن الحديث سيجرنا إلى تراثه و عاداته و تقاليده،والسؤال المطروح الان ماهي العلاقة بين التراث و الهوية ؟
– نستطيع أن نقول الثقافة عبارة عن انتماء لا واعي، فالناس يمارسون الثقافة دون أن يميزوا بين ثقافة معينة و ثقافة أخرى. بينما الهوية تتكون من عناصر تمييزية واعية، بحيث كل انسان يستطيع أن يعي بأنه يتكلم اللغة العربية فهو يختلف عن من يتكلم لغة أخرى كاللغة الفرنسية مثلا ، ولأنه أسمر البشرة فهويختلف عن من هو أسود البشرة. وهناك عناصرتميز أخرى منها الاختلاف في لبس الثياب و بطريقة الأكل، يعني هناك عناصر تميزشعب عن آخر تلك العناصر هي التي نطلق عليها مفهوم الهوية ،و هي كما ذكرت عناصر تمييزية واعية يعيها الانسان الفرد داخل المجتمع .أما بالنسبة للثقافة فيميزها الشخص دون أن يعي إن كانت ثقافته الاصلية والتي يعترف بها رسميا ام كانت ثقافة واردة أو وافدة.. لذلك فالثقافة عبارة عن فسيفساء ،صحيح انه هناك ثقافة مهيمنة يعترف بها الجميع و خاصة النخبة و هناك ثقافة تدخل بطريقة لا واعية وتمارس بطريقة لا واعية على الرغم من أننا لو نقلناها إلى الوعي لرفضناها ، ولقلنا أن الإسلام مثلا يمجها أو ينفر منها أو يحرمها حتى.. ,ومع ذلك فنحن نصر على ممارستها كالسحر وأشياء كثيرة تدخل طقوسنا، وهي في الحقيقة تختلف عن الثقافة المهيمنة التي ترفضها، بينما هي موجودة في لا وعينا وفي لا شعورنا وتظهر في ممارستنا السلوكية .

بصدد حديثنا عن الثقافة، لأي حد أنت تتفق مع مالك بن نبي في قوله أن الثقافة هي نظرية في السلوك قبل أن تكون نظرية في المعرفة.
– الثقافة عبارة عن أسلوب حياة فلكل مجتمع ثقافته مهما كان موغلا في البداوة،ولذلك فالثقافة لا تعني التمدن إنما تعني مجموعة من النظم التي تميزأسلوب معيشة وإستجابة الإنسان للحاجيات الأساسية وهي حفظ الذات وحفظ النوع والعلاقة بما وراء الطبيعة أو بالمقدس ،هذه الإستجابات الثلاثة يشترك فيها البشرمهما كانت ثقافتهم، ولهذا نجد في السطح تمايزات ثقافية بين المجتمعات وإختلاف الأساليب بينما في العمق نجد التشابه حيث نجد أن لكل مجتمع له علاقة بالمقدس. لكل مجتمع طريقته في تناول الطعام وله طريقته في المأوى والملبس والمسكن ،وفي إنجاب الأطفال وفي علاقات القرابة ….إلخ , لذلك فالثقافة هي أسلوب تعامل أو إستجابة الإنسان لحاجياته الأساسية الضرورية ،وهي حفظ الذات وحفظ النوع والعلاقة بما وراء الطبيعة .

حتى نختم هذا المدخل عن الثقافة والتراث الشعبي، في الأخيرنحن ندرك بأن التراث يقف وراء السلوك الإجتماعي والفردي بطريقة أو بأخرى، لكن الآن نرى بأن هناك بما يسمى كما ذكرت الثقافة المهيمنة وثقافة النخبة الموجودة في الكتب أوالتي نتلقاها في المدارس،وهناك من جهة أخرى تراث شعبي زاخر، بين هذا وذاك ماذا يقول الدكتور أحمد زغب ؟

-على كل حال الثقافة في الحقيقة كما قلت قبل قليل عبارة عن فسيفساء , الثقافة في كل فضاء جغرافي معين كما في شمال إفريقيا مثلا، تعاقبت عليها عدد كبير من الثقافات عبر القرون وعبر العصورمن الوندال إلى الفينيقيين والرومان إلى غاية الأمازيغ والعرب …الثقافة في الحقيقة لا تموت وتمحى تماما وتنعدم إنما تنهزم أمام ثقافة غالبة وطاغية و لكنها لا تموت أوتنمحي تماما إنما تترك آثارها في الثقافة المهيمنة أوالثقافة الغالبة. وهذا ما حدث لنا نحن الآن عندما نقول بأننا ننتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية، فإذا بنا نجد الكثير من الآثارتنتمي إلى الثقافة الفرعونية والثقافة العربية الجاهلية والونداية والفينيقية والأمازيغية وحتى الزنجية …. وذلك لأن الثقافة لديها طرق في التحايل على الثقافة المهيمنة وتجد الطريق للتكيف بمظهر الثقافة المهيمنة. وهذا ما يجرنا إلى الحديث عن عاشوراء والإحتفالات بها ،فمعظم الطقوس التي نمارسها في الإحتفالات بعاشوراء هي في الحقيقة غير إسلامية تماما وإنما هي طقوس معظمها وثنية. فصراع الآلهة حاضرفي مسرحية طقوسية هي في أصلها كانت طقوس في العالم القديم ولكنها الآن اصبحت مجرد مسرحية هزلية. وقديما كانت الطقوس عبارة عن إحياء لأسطورة، وعندما نقول أسطورة فمعنى ذلك لها إرتباط بمعتقدات دينية تنتمي إلى مجتمعات قديمة وموغلة في القدم.ولذلك فالثقافة الرسمية تتواجد في جسد الثقافة المهيمنة وحتى تكون مقبولة ولا ترفض تغلف نفسها بغلاف مقبول. فأسطورة ايزيس في العراق المعروفة والنساء اللاتي يندبن ايزيس على نهر الفرات لقرون طويلة بل لآلاف السنين ،بعد أن جاء الإسلام غطى هذه الأساطير المتعلقة بمعتقدات قديمة وبمجرد أن مات الحسين أعيدت نفس هذه الطقوس بنفس الطريقة التي كانت تمارس في القديم ولكن بغطاء جديد وهو الحزن على سيدنا الحسين. و مانجده في عاشوراء من صراخ وعويل وطريقة ضرب الصدور والندب كلها تتماشى مع الطقوس التي مارسها البابليون قديما والبابليات خاصة بكائهن على الاله ايزيس . وبالمناسبة نجد أن دكتورة في المعهد الوطني للبحث والانثروبولوجيا والتراث ما قبل التاريخ وهي زميلة لنا تسمى “مريم بوزيد”، قد كتبت منذ سنوات كتابا عن الإحتفال بعيد عاشوراء في التوارق الأزجر, كشفت فيه أن هذا الإحتفال وخاصة هذه المسرحية وهذا الرقص عبارة عن عادات كانت في القديم طقوس دينية تمارس اعتمادا على أسطورة دينية، وهي أن إله الخير والنماء والخصوبة يأتي جديدا ويموت الإله القديم الذي يمثل الجذب والجفاف ..فبداية كل عام يحيون هذه الطقوس احتفالا بالإله الجديد الشاب وتوديعا للإله القديم الذي يمثل العام المنقضي. وعندما جاءت عاشوراء وسط المجتمع الإسلامي وهيمنت الثقافة الإسلامية لا يستطيع أحد من المسلمين أن يقول نحن نحتفل بإله جديد وآخر مات؟؟ فالثقافة المهيمنة ترفض هذا المعتقد ولذلك جاءوا بهذه الطقوس التي يسمونها طقوس عاشوراء وطبعا هي امتداد لإحتفالات معروفة في العالم القديم..

نتبين من كلامك أن هناك عامل مشترك بين جميع الشعوب والثقافات،نتيجة تداخل الدورات الحضارية وهناك تأثير للموروث الاجتماعي من جيل إلى جيل ومن مجتمع إلى مجتمع حتى في الجانب الديني والجانب الرسمي . لكن عندما نقف عند عاشوراء، فبعضهم يعتبرونها عيدا والبعض الآخريعتبرها حزن ومأتم -كما ذكرت- وتقام فيه طقوس ومنادب وبكائيات …

-على كل حال بالنسبة لعاشوراءهي عيد بالنسبة لنا ، فبداية السنة الهجرية -أول محرم-هي مفصل تاريخي لبداية الإسلام حيث بدأ ينتشرويقوى ابتداء من التحول من مكة إلى المدينة.وفي العاشر من شهر محرم وصل الرسول (ص)إلى المدينة ، وكان هناك احتفال باستقباله وصام يوم العاشر وقال لوعشت إلى العام القادم لأصومن التاسع والعاشر، وقيل له أن بني اسرائيل يصومونه لأن سيدنا موسى(ع) نجاه الله وذكرت في كثير من المناسبات منها أن سيدنا يونس (ع)أخرجه الله من بطن الحوت وأشياء كثيرة جدا قيلت حول هذا اليوم … الوعي الاسلامي الجديد يريد أن يصبغ صبغةخاصة بعد مقتل الحسين على هذا اليوم تميل إلى القداسة أكثر، فاغتنموا الفرصة كما قلنا لكي يبرزوا ثقافات بائدة أومندثرة كانت موجودة في لاوعيهم الجمعي.

أستاذي الفاضل أنت تعرف أن يوم العاشر من محرم تاريخيا وقعت فيه مجزرة مقتل الحسين ومجموعة من أهل البيت، ربما القراءات كثيرة للأحداث والأسئلة مازالت مطروحة لماذا خرج الحسين، ولماذا طالبوا بقدومه للعراق ثم انقلبوا عليه ولماذا قاتلوه، ومن المسؤول عن قتله وهو ابن بنت رسول الله(ص).. والذي نشترك فيه نحن كمسلمين على مختلف مشاربنا سنة أو شيعة أن مقتل الحسين في حد ذاته و آل البيت جريمة كبيرة، أم هذا من خصوصيات التراث الشيعي فقط؟؟

عبد الله بن الزبير قتل أيضا، وإذا كان الحسين قتل وقطع رأسه وحمل الى الشام من
العراق فعبد الله بن الزبير أنت تعلم المأساة وكيف قتل وأنه شنق وعلق وبقي مصلوبا لأيام عديدة. فلم يقتصر القتل والتنكيل على الحسين ، لكن ربما خصوصية الحسين وأن جده الرسول صلى الله عليه وسلم لها وزن،وعبد الله بن الزبير أيضا ليس بعيدا عن الرسول من حيث القرابة كما أن أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق.فالحادثتان وقعتا في عصر بني أمية والصراع سياسي ولا علاقة له بالدين اطلاقا. وأنا في رأيي أرجح أن كل الأحاديث التي رويت وتستبق الأحداث حول مقتل الحسين قبل مقتله بنحو 50 عاما، سواء وجدت في الصحاح أو لم توجد لا تثبت من الناحية العلمية، والإنسان عندما يفكرعلميا ويترك المعتقدات حتى لو كانت تتعلق بصحيحي البخاري ومسلم – رغم أنها كلها صحيحة ولا شك فيها دينيا – لا يعتمد الاعلى معطيات محسوسة وملموسة ، أما المعتقدات فيستبعدها جانبا.. العقل لا يخضع للدين ،والدين يخضع للأسطورة والمعتقد ولا يخضع للعقل ، في الدين أشياء كثيرة لا يقبلها العقل ، فجميع الأساطير المذكورة في القرآن لا يقبلها العقل؛ مثلا مجموعة من الناس يدخلون الكهف فينامون فيه ثلاثة قرون هذا لا يقبله العلم اطلاقا أي العلم الحسي التجريبي؟؟

ولكن هناك كتب كتبت في هذا المجال حول قصة أهل الكهف ومعاينة الباحثين في الآثار والتراث تثبت القصة بل هناك تأكيدات علمية حول وجود الكهف وأصحابه في مكان ما.
هناك دلائل ومنطلقات دينية محضة نحن نؤمن بها،وكثيرممن يسمونهم مستشرقين وعلمانيين يطرحون هذه الرؤية،فما هو تعليقك؟؟
-الجريدة تستطلع رأي الضيف وتصنيفه علماني أو مستشرق هذا ليس من اختصاصها ، تعرف وجهة نظرك في الموضوع والجريدة مفتوحة للضيف و للقراء ،أما من وجهة نظري فإن هناك جدل بين ما هو علمي وما هو ديني أنا شخصيا علماني ، كل إنسان حر في وجهة نظره . يوجد محك يطرح إلى أي حد الجانب الديني يتقاطع مع العلم وأين يشترك معه وأين يختلف معه هذي هي النقطة. الدين منطلقه القلب والشعور والوجدان والمعتقد أما العلم فمنطلقه العقل المتجدد باستمراروالذي يعيد نفسه .الدين عبارة عن ثوابت لا شك فيها من الناحية الدينية فهي أموراعتقادية والمعتقد لغة القلب والوجدان ، أما العلم فهو يتجدد باستمرار. النظرية التي يثبتها العلم اليوم غدا يكذبها يعني متغير ،والعلم ليس فيه ثوابت معتقدية والدين فيه ثوابت ، العلم لا يصلح أن يكون قاعدة للترجيح ،اليوم قد نقولوا كلاما وغدا يتبدل من الناحية العلمية . أما ما يقوله الدين فهوصحيح من الناحية الدينية بدون أن نعيد فيه النظر ،و ما يقوله العلم فهو صحيح إلى أن يثبت العكس ،وعقل الإنسان دائما يتجدد ولاحظنا كثير من الناس يأتون بنظرية علمية ويقولون أنها موجودة في القرآن فهم يستدلون بالعلم على صحة القرآن ،بمعنى أنهم يصصحون الدين بالعلم ،وهذا من الناحية المنطقية غير مقبول ويعتبرمغالطة .من ذلك مثلا أن الأرض كروية” والأرض بعد ذلك دحاها”-الآية- وربمايثبت العلم غدا أو بعد سنوات فيؤكدأنها ليست كروية ؟؟ هل من المعقول أن الشيء الغير ثابت-العلم- يحكم على ماهو ثابت-الدين-،و حتى العلماء أنفسهم يقرون ذلك بأن علمهم دائما ناقصا ويحتاج إلى تصحيح، أما الدين فعندما نعتقد أن أهل الكهف ناموا ثلاث قرون فهو شيء معتقد ولا مجال للشك فيه إطلاقا.

لكن الآية ” ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا” نص صريح وقاطع؟؟

على كل حال هناك تأويلات أخرى نتحدث عن نص صريح لغوي، ونحن باعتبارنا مسلمين نعتقد في صحة هذا النص الصريح اعتقادا دينيا، أما عندما نعرضه على محك العلم التجريبي فلا يقبل هذا الكلام. ومن ثم نقول أن العلم والدين في خطين متوازيين ،لأن العلم التجريبي متغير ويخضع للتجربة ، والاعجاز من الناحية العلمية هي المصادرة للمطلوب وتشكل خروجا عن المنطق الصوري أو المنطق العقلي. ومعلوم أن قوانين العقل الكبرى التي يرتكز عليها هي قانون عدم التناقض وقانون الية وقانون الثالث المرفوع ،وهي ما تشكل أسس المنطق الأرسطي. وعندما نلحظ الآية ” لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله …”، فهذا من الناحية المنطقية مصادرةعلى المطلوب ،لأننا لا نتستطيع أن نثبت أنه لم يأتي أحد بمثل القرآن حتى الآن..

أنت تذكرني بطه حسين وماأحدثه من جدل بشأن كتابه الشعر الجاهلي..
ما كتبه طه حسين في كتابه الشعر الجاهلي الذي أحدث ضجة وجدلا كبيرا- المطبعة التونسية علمانية لم تحذف منه أي فقرة حتى الفقرة الي وقع فيها الجدل- عندما قال:” فلتحدثنا التوراة عن ابراهيم وعن اسماعيل وليحدثنا القرآن أيضا، ولاشك أن ورود هذين الاسمين في التوراة والانجيل والقرآن لا يعتبر دليلا على صحة وجود هذين الشخصين -اسماعيل وابراهيم- في التاريخ فضلا عن قصة بنائهما الكعبة وحفرهما بئر زمزم”، فقول طه حسين هنا يحكي من ناحية علمية وضعية بل من ناحية تاريخية،لأن اسماعيل وابراهيم وردا فقط في كتب دينية ولم يردا في أي مخطوط أونقوش حجرية ولا أي جانب من جوانب التاريخ .هذا في حين شخص جلجامش تحدثت عنه المصادرالتاريخية الملموسة ،وعندما نقول جلجامش فهناك أدلة تاريخية على وجوده في التاريخ من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد..

حتى نختم هذا الفصل أنت كأستاذ في الأنثروبولوجيا، أين تضع الوحي وهل يمكن للعلم أن يؤمن بالوحي على رأي المقولة الشهيرة :”آمن كي تعقل”.؟

– والله في الحقيقة ليس عندي ما أضيفه لما قاله أركون في احدى كتبه حول الخطاب الديني في القرآن حيث خصص فصلا كاملا للوحي، ونظر اليه من منظور بسيكولوجي وحداثي.أنا أعتقد في الوحي من الناحية الدينية ولكن بعيد كل البعد عن الجانب العلمي، فالوحي ظاهرة دينية محضة خالصة متعالية عن العقل وليس للعقل أن يخوض فيها..

إذن أنت مع كانط حين يرى أن المعتقدات والغيبيات لا يثبتها العقل ولاينفيها؟؟

– مع العقل الخطاب الديني يضع نفسه متعاليا،والقرآن إذا كنا ندرسه لأننا نؤمن بقداسته فيجب أن نبتعد عن منطق العقل لأنه نص مقدس،أما إذا درسهناه دراسة عقلية فهنا نزيح عنه القداسة ونعتبره خطابا لغويا كأي خطاب آخر.ومن ثم العقل يضع نفسه في الخط الموازي مع الوحي لأن الخطاب الديني يتعالى عليه.

لوعدنا للحديث عن عاشوراء في التراث الشعبي والمحلي، ماذا تقول..

-عندي مقالين اثنين في كتاب “عمود الدخان” مقال عن -ارفع لوكاس-عن العرجون ومقال عن -شايب عاشوراء- والقناع الذي يلبسه، -فارفع لوكاس- هي عبارةعن دعاء بمناسبة دينية بأن يرفع الله الغبن وكل الآفات التي يمكن أن تحلق بالمجتمع عن هؤلاء الناس. أما الممارسة الطقوسية فهي ممارسة لا علاقة لها بالإسلام وإنما تعود إلى ثقافات وحضارات سابقة واستبدلت ،على أنه في جزيرة قبرص مثلا يأخذون أيضا الأطفال اغصان اشجار من شجرة اسمها التبوويطوفون في المنازل وربات البيوت يأخذن قطعة من القماش ويربطنها في الغصن وفي آخريوم يقمن احتفال كبير ويضعن كل هذه الاغصان في مكان خارج القرية ثم يحرقنه وهن يرقصن ويهللن مع أن هؤلاء الناس غير مسلمين بل هم مسيحيون،فإلى ماذا يرمز غصن الشجرة وإلى ماذا ترمز قطعة القماش والرمي خارج العمران.. فهذا يستدعي تفكيك الرموز لكي تدل على ثقافة تعبرعن استجابة الانسان للقوة المسيطرة على الكون وما وراء الطبيعة، وأسميها أنا في ثقافتنا العربية الاسلامية الله عز وجل وهم يسمونها بأسماء اخرى مختلفة.
وكلنا نؤمن بأن هناك قوة ميتافيزيقية ماورائية مسيطرة على الانسان والكون وتقرر مصيرهما، وهناك اشياء كثيرة لا يستطيع الانسان الضعيف أن يتحكم فيها كالزرع والمطر والآفات والزوابع والفياضانات ولذلك ليس له إلا سبيل واحد وهو اللجوء إلى هذه القوة العظمى التي يدعوها أن ترفع الاوكاس ..
وعن الرأس الذي يقصد بالسب أو اللعن في عبارة “بوهراس” ، نلاحظ أن هناك من خلال هذه الطقوس يوجد رافدان؛ رافد يهلل ويعتبره عيد وفرحة وهناك رافد فيه ألم وحزن وشجن؟
-هذه كلها موروثات قديمة تعود إلى ثقافات ما قبل الاسلام، والدليل وجدناها عند التوارق والقبائل وجدناها في جزيرة السومترا وقبرص وفي مناطق متعددة و متباعدة من العالم وفي ثقافات مختلفة اختلافا كثيرا مما يدل على ان العقل البشري كله مرتبط في تراث انساني مشترك بهذه القوة ما فوق الطبيعية المسيطرة على الانسان والكون وتتحكم في المصير سواء أكانت آلهة متعددة أو اله واحد فالأمر متشابه جدا ،فكلها قوة غيبية غير مرئية يلجأ إليها الانسان عند الضرورة وحينما تفلت من بين يديه الأمور يلجأ إليها لكي يتقرب منها بواسطة الطقوس، وبإحياء بعض الاساطير لإعادة تجديدها كما نجدد نحن كل عيد ذبح شاة سيدنا ابراهيم. طبعا نحن نجدد هذه الاسطورة ونعيد احيائها كل سنة مرة ونحن نبتهل إلى الله عز وجل أن يتقبلها منا وأن ينفعنا بها.
في حديثك عن عاشوراء كنت قد ذكرت لنا طقسا وأنت تحدثت في كتابك عن طقسين.
طقس الثاني “الشايب عاشوراء”وهو عبارة عن تمثيلية شبه مسرحية أوما يسمى بما قبل المسرح طقوس،فمن المعروف أن المسرح في أصله لم يكن بهذا الشكل المعروف عند الرومان بل كان عبارة عن طقوس دينية. والمسرح في نشأته بدأ في المعابد الدينية حيث كان تمثيل للآلهة وتشخيص لها وحواربينها من أجل ايصال رسالة إلى المتعبدين أوالمؤمنين ثم تحولت هذه الطقوس تح إلى المسرح . و “شايب عاشوراء” مازالت عبارة عن طقوس لكن كل ما هناك أن الاسطورة اذا انهارالنظام الديني الذي يحتضنها تتحول إلى ما يشبه حدث للتسلية وللترويح ولتأدية وظائف دنيوية، وبالتالي تصبح نوع من الفلكلور وعندما نقول “فلكلور” فهي تؤدي وظائف دنيوية لاعلاقة لها بالدين.
“فشايب عاشوراء” هي فرصة في توارق الأزجر كما تقول الباحثة مريم بوزيد ،هي فرصة لكي يحتفلوا ويجتمعوا ويوطدوا العلاقات فيما بينهم وينقلوا خباراتهم بين بعضهم البعض لأنهم يجتمعون في مكان واحد ويأتون من أماكن متباعدة، فهي فرصة لكي يجددوا اعتقادهم في نسبتهم الى الجد الأعلى والمؤسس الأول للقبيلة. ولذلك هذه الطقوس قديمة وانما البست فقط بلباس عاشوراء الديني لكي لا تكون مرفوضة ومنبوذة في الثقافة المهيمنة..فهم ينظرون لعاشوراء باعتبارها العام الجديد والذي لم يكن “محرم” وإنما السنة الأمازيغية أو السنة الزنجية ،وعندما دخلت تلك الشعوب الاسلام اندمجت بالثقافة الاسلامية وأصبحت تسمى احتفالات عاشوراء.
ومن الناحية الانثروبولوجية فكل تجمع لعدد كبير من الناس من أجل اقامة أحداث مكررة في كل مرة سواء أكانت فرحا أم حزنا فهو احتفال. الاحتفال يعني تجمع من الناس يؤدون فيه أشياء متفق عليها سلفا ويمليها عليهم الوعي الجمعي ،وهذا هو المعنى للاحتفال.
بالنسبة للبعض يعتبر أن طقوس عاشوراء في التراث الشيعي تتمثل في ضرب الجسد وخروج الدم ،فما هي دلالة التأليم والتعذيب وهل كانت هكذا في الوثنية؟
قلت من البداية أنها طقوس وثنية كانت هكذا قبل الاسلام ،والمجتمع العراقي لم يحول فيها إلا القشرة السطحية فقط وهي طقوس وثنية خالصة عبارة عن بكاء وعويل. ولعلمك أن الاله” اوزيريس” تقام له على نهر النيل طقوس ليس فيها الندب والبكاء، ولحد الآن يحتفلون بالعروسة وشجرة الجناز ويلبسونها ملابسا يأخذونها ويرمونها في نهرالنيل، وربما يغلفونها بغلاف ينسجم مع الثقافة الدينية الاسلامية..
شكرا أستاذ أحمد زغب على هذه الافاضة، هل من كلمة أخيرة بمناسبة عاشوراء.
– الثقافة تنبع من الوعي الجمعي ولا علاقة للأفراد بها ، فالانسان يولد فيجد ثقافة وينخرط فيها من غير وعي منه ،وعليه أن يخضع لها وكل خروج عن ما اتفق عليه الوعي الجمعي يواجه مباشرة بالعقاب المادي أوالمعنوي.
في ثقافات أخرى غير دينية وثنية أو علمانية الموروث الاجتماعي له قيمة كبيرة أيضا.
التراث أينما كان له قيمة مقدسة ،كل مافي الأمرأن هناك بعض المجتمعات تعلمنت جزئيا كالمجتمع الانجليزي أو الفرنسي والنخبة فقط هي التي تعلمنت وأصبحت لا تؤمن بالدين، ومع ذلك فالقاعدة الاجتماعية أنهم يتزوجون في الكنسية رغم أن الدين أصبح تأثيره ضعيف جدا عندهم. ويبقى الدين عنصر أساسي انثروبولوجي لا تخلو منه ثقافة، والدين دائما هو المقوم الاساسي القاعدي في كل المجتمعات مهما كانت موغلة في البدائية أو في أرقى درجات المدنية والتحضر،ومن الجدير بالذكر أن الفنون والمسرح و الغناء و الموسيقى والفن التشكيلي والثقافة بجميع أشكالها عند معظم علماء الانثربوولوجية نابع من الدين..

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق