ثقافة و أدب

حضارة عريقة وتاريخ كبير عنابة من حاضنة القس أوغسطين إلى جوهرة الشرق

يعود تأسيس المدينة إلى عهد الفينيقيين والنوميديين حوالي القرن 12 قبل الميلاد، وعرفت في البداية باسم «هيبون» لكن الرومان سموها في وقت لاحق هيبو ريجيوس، وبعد أن تحالفت هيبو مع قرطاج أصبحت من المدن المهمة، لكن المدينة احتلت من طرف الملك غايا ملك قبيلة الماسيلي التابعة للنوميديين، وذلك خلال الحرب البونيقية الأولى ما بين 264 و241 قبل الميلاد، لكن القرطاجيين استعادوها بعد ذلك، ليصبح اسمها «ريجيوس».
أصبحت المدينة من أغنى المدن الافريقية التي يسيطر عليها الرومان، وذلك في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد، وتحولت إلى مركز للفكر المسيحي، ولذلك عاش فيها واحد من أكبر الشخصيات في الفكر الديني المسيحي وهو القديس أوغسطين، الذي ولد في مدينة سوق أهراس، التي كانت تسمى «طاغست» وكان أسقفا في مدينة عنابة.
لم يكن أوغسطين هو القديس الوحيد الذي اشتهرت به مدينة عنابة، إذ يوجد قديسون آخرون، بينهم ليونتيوس فاليريوس، وثيوجينس، وفيدينتيوس، بالإضافة إلى أوغسطين، الذي وجدت في عهده ثلاثة أديرة مسيحية.
تعرضت مدينة هيبو إلى هجوم من الوندال سنة 431 قاده ملك الوندال جينسرك، وسقطت في أيدي المهاجمين، بعد أن تعرضت لحصار دام 14 شهرا، وتعرضت إلى دمار شبه كامل، لم تنج منه إلا كاتدرائية أوغسطين ومكتبته، حتى وإن كانتا قد تعرضتا إلى أضرار، ثم أصبحت المدينة بيزنطية بعد أن عوض هؤلاء الوندال عام 533، واستمرت كذلك إلى غاية الفتح الإسلامي سنة 679 لتحصل على اسم جديد وهو عنابة، وتعود التسمية لكون المدينة غنية بأشجار العناب، وقد سقطت كغيرها في يد الاستعمار الفرنسي سنة 1830، لكن تم تحريرها مؤقتا من طرف سكانها والحامية العثمانية، لكنها احتلت من جديد سنة 1832.
كان للمدينة دور في حرب التحرير الجزائرية، فقد ولد فيها عمار بن عودة أحد أعضاء مجموعة الـ22 التاريخية التي خططت وقررت تفجير ثورة التحرير الجزائرية في أول تشرين الثاني/نوفمبر 1954. كما أن المدينة كانت منطقة عبور للتراب التونسي، وواحدة من مدن الشمال القسنيطيني، وتبقى شاهدة على بطولات جيش التحرير، الذي كانت قواته تمر فيها لتخريب خط موريس، وهو عبارة عن سياج كهربائي يبلغ ارتفاعه 2.5 متر على مسافة تصل إلى 460 كيلومترا مع تونس، ويسري في هذا السياج تيار كهربائي بقوة 5000 فولت، بالإضافة إلى حقل من الألغام، والذي كان الهدف من إنشائه مع خط شال في الجهة الغربية، هو منع الجنود الجزائريين الدخول إلى التراب التونسي وإلى المغرب، وقطع التموين بالأسلحة والذخائر عن الثورة الجزائرية، ولكن جنود الثورة نجحوا في عديد المرات من اختراق هذا الخط الشائك وتخريبه، ودفع المئات من الثوار حياتهم ثمنا لاختراق هذين الخطين.

كما تحتوي مدينة عنابة على عدة آثار مختلفة، تعود إلى عصور مختلفة، مثل مسجد أبي مروان الذي تم بناؤه سنة 425 ميلادي، وبالتحديد في عهد الدولة الزيرية، خلال عهد المعز بن باديس الصنهاجي. وقد بني المسجد بطراز أندلسي وعلى ركائز أسطوانية، كما استخدمت في بنائه أعمدة من الآثار الرومانية، وقد سمي بمسجد أبي مروان نسبة إلى عبد الملك بن مروان بن علي الأزدري الذي ولد بمدينة إشبيلية، وكان المسجد منارة علمية ودينية، كما كان حصنا لرد الهجمات القادمة من شمال البحر الأبيض المتوسط، وكان يضم حديقة الرباط، وهي عبارة عن ناد لضباط البحرية، وقد حُوّل بعد الاستعمار الفرنسي إلى مستشفى، ليعاد ترميمه بعد استقلال الجزائر.
ومن الآثار التي تبقى شاهدة على التواجد الروماني في هذه المدينة، نجد آثار هيبون، أو التي تعرف باسم «لالة بونة»، التي تقع بين تلال المنطقة الجنوبية للمدينة، وتضم آثارا رومانية مختلفة، مثل مساحة الفوروم، التي تضم بقايا مسرح ومدرجات أوكسترا، وكذا قبور وتماثيل مختلفة، مثل تمثال القديس أوغسطين، وهاكيوس، واسكولاب، وأفروديت، وتوجد أيضا كنسية كاثوليكية تعود إلى فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، تحمل اسم «السلام» تأسست سنة 1842 بتشجيع من أسقف الجزائر لافيجري، الذي أمر بنقل بعض رفات القديس أوغسطين لدفنها هناك، وجرى أول قداس في هذه الكنيسة سنة 1886.
يوجد في عنابة حي القصبة الذي يشبه القصبة الموجودة في العاصمة، ويحتوي على عدد من البيوت. توجد فيها حدائق وقاعات واسعة، تبقى شاهدة على الطراز المعماري العثماني، وتنتشر فيها أيضا الصناعات التقليدية الغنية، مثل الألبسة التقليدية والخزف والجلود والطرابيش والزرابي والنقش على الخشب، ويعتبر هذا الحي من الأمكنة التي يحرس الزوار على التجوال بين أزقته وبيوته المتلاصقة ببعضها.
أما متحف هيبون فيعتبر من أهم المعالم الأثرية والتاريخية في المدينة، ويحتوي على عدد من الآثار القديمة التي تبقى شاهدة على عصور وحضارات سابقة، وتوجد فيه أوانٍ  فضية ونحاسية مختلفة، وآثار أخرى.

و تعتبر مدينة عنابة من أجمل المدن الجزائرية، وتزخر بإمكانيات سياحية طبيعية كبيرة، تؤهلها لأن تكون وجهة سياحية من الطراز الأول، لكن شأنها شأن المدن الجزائرية الأخرى تعاني من عدم وجود سياسة سياحية حقيقية. فالجزائر، رغم ما يقوله الخطاب الرسمي، لم تستثمر بما فيه الكفاية لتطوير السياحة، بل إنها تشجع السياحة إلى دول مجاورة، مثلما فعلت السلطات الصيف الماضي تضامنا مع تونس، لتجد نفسها في هذا الصيف بأمس حاجة إلى مداخيل مالية، بسبب تراجع أسعار النفط، وكان بإمكان السياحة أن تعوضها. ويكفي أن نقول إن العديد من شركات السياحة في تونس، تضم زيارة كاتدرائية القديس أوغسطين ضمن البرنامج الذي تسطره إلى السياح الذين يأتون إلى تونس، وتدخلهم إلى التراب الجزائري عن طريق البر، لزيارة الكاتدرائية، ثم تعود بهم إلى تونس.
وتمتد الشواطئ التي تزخر بها عنابة على مسافة تبلغ 80 كيلومترا، وهي من أجمل شواطئ الشرق الجزائري، وتمتد من شاطئ القطارة إلى غاية رأس الحمراء، وتشتهر بعدة شواطئ مثل «سانكلو» و»البوني» و»جنان الباي». وتشتهر المدينة أيضا بمنطقة سرايدي، وهي منطقة جبلية وغابية ترتفع عن مستوى البحر بأكثر من 800 متر، وتعتبر مقصدا بالنسبة لسكان المدينة وزوارها، إذ تطل سرايدي على المدينة وعلى شواطئها الساحرة، وتمنح مناظر خلابة يتمازج فيها اللونان الأخضر والأزرق ما بين الغابة والبحر، ويوجد فيها مستشفى لمعالجة المصابين بأمراض صدرية، وخاصة الربو، لما توفره المنطقة من مناخ يساعد على شفاء المصابين بهذا المرض.
ورغم الإمكانيات المتواضعة، من حيث الفنادق وهياكل الاستقبال، إلا أن المدينة تشهد إقبالا خلال فصل الصيف، فأكثر من 1.5 مليون مصطاف يحجون إلى شواطئها، لكن الرقم هذا يمكن أن يتضاعف أكثر لو توفرت الفنادق والمرافق السياحية مثل ما هو موجود في تونس مثلا.

مدينة عنابة كغيرها من المدن الجزائرية تزخر بعادات وتقاليد خاصة بها، وتظهر أكثر في الأعراس، إذ تعتبر حفلات الزفاف التي تطبق فيها هذه التقاليد مكلفة للغاية، فالعروس ترتدي جبة «القشابية» في اليوم الذي توضع لها فيه الحناء، وهي لباس تقليدي مطرز، والمرأة العنابية ترتديه مرة واحدة في العمر، وإذا ارتدته ثانية يعتبر ذلك نذير شؤم، وتحتفظ به العروس ضمن ألبستها بعد انتهاء حفل الزفاف، ولا تهديه لأحد، ولو كانت أختها، وترتدي المرأة خلال حفل زواجها ما لا يقل عن عشرة ألبسة تقليدية مختلفة، يدفع ثمنها أهل الزوج، مثل لباس «الدلالة»وهو لباس تقليدي أزرق اللون مصنوع بـ»الفتلة» الذهبية ومطرز، بالإضافة إلى المجوهرات التي تلبسها العروس، وتضع المرأة على رأسها «اللفة» مرفقة بقبعة أو كما تسمى «الشاشية» مرصعة بالذهب، أما بالنسبة للحناء، فإن العروس تضعها على أصابعها فقط، ويسمى ذلك «عشق وفريد»، أما الزوج فيضع الحناء ليلة العرس في منتصف الليل، وتتكفل بهذه المهمة أربع فتيات غير متزوجات وغير مخطوبات وسط أهازيج وزغاريد وطلقات البارود.
لما تخرج العروس من بيت والدها ترتدي الفستان الأبيض وفوقه برونس تقليدي، وفي اليوم التالي أي صباح العروس، ترتدي اللون الوردي، وتضع اللفة فوق رأسها، ثم تلبس الأبيض وبعدها الأزرق، ثم يأتي طفل صغير يضع لها حزاما، حتى تصبح سيدة بعد ذلك.

وفاء.ب

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق