ثقافة و أدبحوارات

“الفن الذي أُبدِعه.. يعيد صياغة شخصيتي كلما حاولتُ أن آتي بالجديد”

الفنان التشكيلي، الموسيقي والكاتب الروائي.. امحمد بن ديدة لـ “التّحرير” :     

“الفن الذي أُبدِعه.. يعيد صياغة شخصيتي كلما حاولتُ أن آتي بالجديد”

 

ضضيعتبر الفنّان التّشكيليّ، الموسيقيّ والكاتب الرّوائي بن ديدة امحمّد أحد المبدعين الشّباب المدريسي النّاشط بدار الشّباب الشّهيد-منصور احسن- ، والمبتكر للوحات فنيّة رائعة يحاكي فيها الفترة الاستعمارية والتّجارب النّووية على الشّعب الجزائريّ في الصّحراء، بالإضافة إلى إشرافه على تعليم الموسيقى والنّشاط المسرحي الهادف. كما عمل الفنّان-بن ديدة-على تأسيس جمعية علمية أسماها “حياة العقول” تعنى بإقامة المعارض، تنظيم مناظرات ومناقشات علمية لمختلف المشارب الّتي تزخر بها مدينة مدريسة المشهورة بنشاطها العلمي، الرّياضي والثّقافي.

وقد أكد امحمد بن ديدة للجريدة، أن الفنّ ونفسية الفنان، متلازمان، وجودية تصنع كيانا مستقلا بذاته، قد يتجسد في لوحة تشكيلية، أو في مقطوعة موسيقية أو رواية، فتسلخ هذه الوجودية الجديدة من الفنان طبيعته الباطنية، بما احتوت عليه من تراكيب الأحلام وتداعيات الكبت والرؤى الخارجة عن المألوف، لتحولها إلى جسر عبور للآخرين، من أجل أن يكتشفوا أنفسهم من خلال عوالم الفنان وأعماله!..

 

التّحرير:  كيف ومتى اكتشف الفنّان بن ديدة نفسه في نفسك  بذرة الفن؟.

بن ديدة: كانت طفولتي الحائرة، وأنا أسميها كذلك، لسبب واحد وهو التمرد عن مقدسات الأسرة،. لأنني بالفعل كنت طفلا غريب السّلوك، استمدّت نفسي  تقاطع قدرها مع الفن في أسرة ميسورة الحال، تعيش في بلدية مدريسة، جنوب ولاية تيارت، لها شيء قليل من الذوق الفني، يستمع أغلب أفرادها إلى أغاني أم كلثوم وفريد الأطرش، وأسمهان. و كان ذلك مع نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات، إذ كان عمري حينها لا يتجاوز العشر سنين إلا بقليل. صقل إخوتي الكبار شيئا من ملكة الذوق لدي، وصرت أستمع إلى تلك الموسيقى والأغاني، وهم يمجدون في خيالي أهمية الموسيقى، وللعلم، فالموسيقى هي الّتي جعلت من الفزيائيّ إنشتاين عبقريا، ومن أسمهان الأطرش ظاهرة متميزة، ومن فيروز شخصية العصر المثالية.

وبالرّغم من أن إخوتي لم تكن مراجعهم العلمية والثقافية سوى مطالعات بسيطة هنا وهناك في مجلات ثقافية، أذكر منها مجلة الجيل التي كانت تقتحم البيت كل شهر، والعربي ومجلة صباح الخير،  تزاحمت تلك الخيالات في ذهني الصغير، لكنّه شيء  ما، بداخلي كان يدفعني إلى الاهتمام بالانزواء خارج جو الأسرة والبيت، والابتعاد عن الذوق الفني العام للأسرة الذي كنت أرى فيه قيدا مقدسا محتوما في نظام الأسرة، هروبي من البيت لأوقات طويلة من اليوم كانت تكلفني عقاب الإخوة الكبار  في مرّات كثيرة، عندما أرجع  إلى البيت في وقت متأخر.إن أغلب الوقت ضاع مني، في جمع الصّخور وخامات الطبيعة، لآتي بها، وأتأمل ألوانها المختلطة وأحاول أن أقلدها بالرسم، بالرغم من أن ملكتي كانت طفولية، لكنني اكتسبت من مطالعة الصخور الإحساس بالحجم واللون والشّكل، وأظنّ بأنّها الانطلاقة الحقيقية والفعلية لي في عالم الفن التّشكيلي، كما أنّ تأمّلي أصوات الطّيور في البرية، الّتي كنت أجدها في نفسي مدعاة لانقطاعي عن تقاليد البيت المتزمتة ولّد لدي ملكة السماع الموسيقي، وعمري لا يكاد يتعدى الثالثة عشر.

 

الّتحرير: ما هي علاقتك بالموسيقى؟.

بن ديدة: الموسيقى بالنسبة إليّ عضو جسدي أتنفس به، ووسيلة روحية أفكر بها، ومن خلال اكتشافي لأسرار الإيقاعات.، أصبحت أرى في كل شيء يتحرك من حولي موسيقى، كما أنني أتعامل مع الموسيقى من وجهة نظر مزدوجة، نظرة علمية ونظرة فنية ذوقية من خلال عزفي على آلة القيتار والعود. أما اهتمامي العلمي بالموسيقى فهو أساس بحوثي الذي أنوي نشره  قريبا في المكتبة العربية، وهو بحث متوسّع في مختلف الدراسات حول موسيقى الحامض النووي، والعلاج الطبي السيكوزوماتيكي بالموسيقى، وغير ذلك مما له علاقة بالموضوع. كما أنّني متأثّر ومنجذب جدا إلى فهم الموسيقى من وجهة نظر علمية على ما أتاحه علماء الرياضيات، مثلا في بحث موسيقى الأعداد الأولية، أو كما يقول-إدوارد ويتن-عالم الرياضيات الأمريكي:” إن أجمل ما في معادلات إنشتاين أنها تشبه في جمالها الموسيقى، فقد تعلمنا في القرن العشرين أن المعادلات الرياضية الناجحة هي تلك التي تمتلك تناغما داخليا“،  أو كما قال إنشتاين نفسه :”الموسيقى هي الرياضيات والرياضيات هي الموسيقى” من هكذا منطلقات وبهذه الفلسفة أتعامل مع الموسيقى.

التحرير:  أي من الشخصيات الموسيقية البارزة الذي يؤثر فيك؟.

بن ديدة: عازف العود العالمي أنور إبراهيم.

التّحرير: ما هي المدرسة الفنية التي تنتمي إليها؟.

بن ديدة: في الحقيقة لا أجد في نفسي انتماء أو ولاء لأية مدرسة فنية، فقد درستها جميعها بشكل عميق، وجرّبتُ ممارسة أساليبها في مختلف أعمالي التشكيلية والموسيقية والأدبية، لأجد في النهاية بأن الفنان يستطيع دمج أسلوبين أو ثلاثة، وأن موضة الانتماء إلى مدرسة بعينها قد انتهى زمنه. فالإنسان يعيش عالما واقعيا في يقظته وآخر سريالي في منامه، لكن الاثنين حقيقة ثابتة في وجوده وغير منفصلة. كما أن السّامع اليوم لموسيقى أنور إبراهيم مثلا، يجده يُدمج بين موسيقى الجاز والمقام العربي في تناغم ساحر رائع، ولدي في تجربتي مع  فعل كهذا فيما ألفته من موسيقى على سبيل المثال، مقطوعة على آلة القيتار بعنوانتعويذة مغربية، فيها من الإيحاء السريالي وموسيقى الفوندو الشيء الكثير، والمعروف عن موسيقى الفوندو أن مبتكرها هو علة البشاري.. وهي مزيج بين الموسيقى العربية ومقام بانتاتونيك الأفريقي. إنّ النّاظر إلى أعمالي في الفنّ التّشكيليّ سيجد ربّما حيرة في تصنيفها إن كان ناقدا منغلقَ النّظر على حدود التّعريف الضيق لتيّار فنيّ بعينه.

التّحرير: ما هو تخصصك، ولماذا؟.

بن ديدة: الكتابة الروائية تجعلني أكاديميا من حيث تتبّع الدقّة في العمل، فأنا لا أخرج عن المقاييس الأكاديمية لكتابة النص الروائي، لأنني لا أبيح لنفسي حرية الانفلات عن القاعدة كما أبيحها لنفسي ربما في تخصصات أخرى.. وهذا ما أعتبره تخصصي. فلديّ على سبيل المثال لا الحصر، نصّا روائيّا متميّزا بشهادة خبراء بعنوان أشباح ومفاتيح، يُعالج بعدا صوفيا ممزوجا بالغرابة، أثار ضجة لدى لجنة التحكيم في دار الشهاب للنشر وقد تحفّظ هؤلاء عن نشره ولم يبرروا لي سبب ذلك منذ سنة مرت عليه!. و بالرّغم من أنّه نصّ مبدع من جميع الجوانب. كما أنّني أعتبر تخصّصي في الفنّ التشكيلي هو أسلوب الإلصاق.

التّحرير: ما هي أهم مشاركاتك، ومعارضك حاليا؟.

بن ديدة: على المستوى الوطني، مجموعة هامة من المعارض في الفن التشكيلي، منها معرض تحت رعاية وزارة المجاهدين، أقيم بمناسبة تتعلق بحظر الأسلحة الكيماوية، في معرض الذاكرة 13ـ 06 ـ 2015 افتتحته المجاهدة الكبيرة، رفقة الفنان العالمي بابلو بيكاسو، السيدة لويزة إغيل آحريز، وقد تأثرت كثيرا إلى درجة أنها أذرفت دمعا عند مشاهدتها لإحدى لوحاتي بعنوان الأغواط تحترق، تجسد محرقة 1852. ومعرض آخر لأول مرة يُجسد موضوعه فنيّا حول التفجيرات النووية الفرنسية بصحراء الجزائر، تحت رعاية جمعية تاوريرت لضحايا التفجيرات النووية بالأهقار، تمنراست.. تحت إشراف عالم الفيزياء النووية وخبير البيوتكنولوجيا العراقي البروفيسور كاظم العبودي. وفي المسرح مشاركة دولية في الهيئة العربية للمسرح 2014 في الشارقة، بنص مسرحي يحمل عنوان : حياة ثانية لوجه ميت، أخذ في قائمة النصوص المحترفة من بين 134 نصّا مشاركا دوليا. وفي ألمانيا 2015 إنتاج ألبوم مشترك بين المسرحيCharles Aceval  وبين ما افتتحته بمقطوعة موسيقية  لي بعنوان : طلاسم الظلّ.

 

التحرير: ما هي أمنيتك؟.

بن ديدة: أن تعتني الأجيال القادمة بما أتركه بعد رحيلي؟. 

التحرير: آخر كلمة لديك.

بن ديدة: أن نعتني نحن العرب بالعلم، كما أننا اليوم نؤسس في بلدتنا مدريسة جمعية علمية تحمل اسم حياة العقول، وبصفتي رئيسها ونيابة عن زملائي الأعضاء المؤسسين، أدعو  أهل مدريسة إلى الاهتمام بمشاريع هذه الجمعية، فهي تحضّر لما ينفعهم وتعدهم بالكثير، وأن يقتربوا منها اقتراب ترحيب، وأن يسعوا للتعاون معها.

و تجدر الإشارة أنّ الفنان امحمد بن ديدة يتميّز عن غيره بأسلوبه الخاص في الفن التشكيلي والكتابة الروائية والمسرحية، و أعماله الموسيقية، والّتي اكتشفنا بعضا من رموزها وسميائياتها الدلالية من خلال محاورتنا له حول رصيده الفني المتنوع من حيث التقنيات، التي ابتكرها بذاته العصامية، وكذا ما تحمله أعماله من أبعاد فلسفية عميقة القصد.

 

حاوره: كمال الدين صغير

 

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق