أما بعد...

ما الذي ينتظر الوزير؟ بقلم/ رئيسة التحرير روزالسوف

صادف كتابتي لهذا المقال وجودي بمدينة صفاقس التونسية وتحديدا بمصحة ابن النفيس ، وأنا أرافق والدتي لإجراء عملية جراحية رفضت أن تجريها في الوادي أو في أي مكان آخر بالجزائر، وأصرت على اجرائها في تونس.

هذا الاصرار لم يأت جزافا أو من عدم ، وانما كان نتيجة واقع مأساوي تعيشه أغلب عيادتنا العمومية والخاصة في الجزائر، ابتداء من انعدام النظافة ، الى قلة الاهمام و الامبالاة ، الى التكشير والمعاملة السيئة التي تعتبر تقليدا جزائريا متوارثا جيلا بعد جيل، وصولا الى الاخطاء الطبية الكارثية التي لاتعد ولا تحصى في قطاع انساني من المفترض أن يسعى فيه القائمون عليه الى الجدية و”تحصيل الأجر” كما يقولون، خصوصا ونحن نعيش في مجتمع يتباهى فيه أهله بالسعي للتقرب الى الله …!

ولتسليط الضوء على ما شاهدناه وعايشناه في مصحة “ابن النفيس” التونسية “ذات الخمس نجوم” – من وجهة نظري – كان شيئا خياليا، فبالرغم من ارتفاع تكاليف الاقامة والعلاج والعملية ، الا أن الشفاء من الأسقام هنا مضمون تقريبا مائة بالمائة، الا لمن حضر أجله.. ابتداء من تحضير المريض نفسيا ومعاملته معاملة اخلاقية وانسانية بطريقة يعجز القلم عن تصويرها بكليمات..

المنظفة في عيادة ابن النفيس تتقاسم عملها مع زميلتها عن طريق المداومة 24 ساعة على 24 ساعة ، وقد شاهدت بأم عيني ، كيف أنهن يعملن في الصباح كما في المساء كما في أوقات الفجر ، ولا تسمع منهن الا عبارات المجاملة واللطف مع المرضى من مثل: “وشنية أحوالك ياحاجة.. باهية؟.”..

ولهذا تجد المصحة في أبهى حلة قد تتصورها عن النظافة وأكثر

الممرضون جنود في النهار وبالليل كذلك ، يتفقدون المرضى كل نصف ساعة تقريبا ليطمئنوا على صحتهم، يعاملونهم بمنتهى اللطف ، ويقبلون بصدر رحب كل مايصدر عنهم، حتى أنني تساءلت مع نفسي بأنهم يتلقون تعليمات صارمة في معاملة المرضى، خصوصا اذا كانوا جزائريين أو ليبيين …

قبل التحاقنا بمصحة ابن النفيس ، كنا قد التجأنا الى الطبيب المعالج في عيادته بـ”دار الطبيب ” في قلب صفاقس ، رحب بنا وقبل أن يسأل والدتي عن موضوع مرضها قال لها : هل سبق لك يا حاجة أن زرت تونس ورأيت البحر؟. فقالت له : هذه زيارتي الأولى. فقام من مكانه وقادها الى حيث نافذة مكتبه الكبيرة المطلة على البحر ،وقال لها: قومي لكي أريك من هنا البحر وجزيرة قرقنة البيضاء..

الطبيب لم يفاتحها في موضوع مرضها الا بعد أن سألها عن الجزائر وعلاقتها بتونس، وشيئا فشيئا الى أن أوصلها الى ما جاءت من أجله.

هكذا نريد أن يكون أطباؤنا وممرضونا في الجزائر، ولكن ما نأسف له هو أن العلاقة مابين المريض والقائمين على متابعته بدور الصحة عموما ، علاقة لاتتسم بالأدب والهدوء.. حتى أن المريض يخشى من الاستفسار عن صحته حتى لا يتعرض لوابل من الردود الاستفزازية والصادمة ، واذكر بالمناسبة أن احدى المتعرضات للتعنيف في القطاع جاءت لجريدة التحرير وهي تقول أن ممرضة طردتها لمجرد أن رأتها مع قريبتها المريضة وقالت لها:” اخرجي برا ، شكون اللي دخلك هنا” مع أنا الشاكية قالت بأن الباب كان مفتوحا والحاجب سمح لها بالدخول والكل كان في حركية الدخول والخروج.. و تذكرت أيضا ما قالته لي مريضة باتت ليلة في مستشفى ممرضيه نيام ، وعندما احتاجت أحدهم ، جاءتها ممرضة مرهقة من النوم وصرخت في وجهها بالقول: “واش تحتاجي يامرا نص الليل ..وجعتينا راسنا” ..!

وأما عن المنظفة بعياداتنا فالحديث يطول، لأنها تتصدر المشهد بالتبجح والتطاول على المرضى وذويهم ، وتقوم بدور الطبيب والممرضة والحارس معا، الا عملها في التنظيف فهو آخر شيء يعنيها ، لهذا تجد مستشفياتنا في وضعية كارثية وحرجة يعرفها الجميع ..

 

الانسانية في قطاع الصحة بالجزائر متوقفة فقط على شخصية المريض ، ومن يكون؟ ، فاذا كان من أصحاب المعارف أو الأثرياء أو أولائك الذين تم التوصية عليهم بالهاتف أو مع فلان الذي يشتغل في المكان الفلاني لكي يتبادلوا معه المصلحة ..فهناك تتجوهر انسانيتهم “وتفيض” وما عدا ذلك فالكل يعاني ..!

مانريد قوله أخيرا ، وهو أن تونس الصغيرة بحجمها وسكانها وامكانياتها، تفوقت ليس على الجزائر فحسب ، وانما هي في الترتيب الأول كأفضل دولة عربية في المجال الصحي .. وبيننا وبينها سنوات ضوئية ، ولهذا نتساءل عن السبب : ماذا فعلت تونس وما الذي لم نفعله نحن ؟ ، وهل التطوير يبدأ من الامكانيات المادية ويتوقف، أم من الطاقات البشرية أولا ، وتأهيل الموظف أخلاقيا وانسانيا في دورات تكوينية كل حسب تخصصه ، وتطهير القطاع من كل من تسول له نفسه العبث بصحة المرضى أو اهانتهم ، وهذه تحديات كبرى تنتظر الوزير بوضياف..

اظهر المزيد

محرر

كاتبة بجريدة التحرير الجزائريه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق