أما بعد...

وللحرية الحمراء باب.. بقلم/ رئيسة التحرير روزالسوف

من أروع القصص التاريخية البطولية التي عرضت خلال رمضان ، قصة ملكة جانسي التي تحكي حياة فتاة ثورية هندية جُبلت على الشهامة والإباء والوطنية ، هي واحدة من أبرز الشخصيات الرائدة في التمرد الهندي ضد الاحتلال البريطاني في منتصف القرن التاسع عشر.

القصة باختصار شديد ، هي لمانيكارنيكا (مانو) ، طفلة في سن الـ 14 تعيش مع والدها موروبانت  تامبي الذي يعمل في بلاط الملك بيشوا باجي راو الثاني في  بيتهور تدربت على فنون القتال والحرب على طريقة الأبطال، تكره رؤية البريطانيين وهم يحكمون بلدها ، ويتحكمون في رقاب الناس ويستعبدونهم ، وكانت تتنكر بزي الفارس لتتصدى لهم ولظلمهم .

عندما زف اليها والدها خبر خطبتها من ملك جانسي توجست خيفة ورفضت الطلب بقوة واعتبرته استفزازا ، في الوقت الذي كانت فيه  بنات جيلها يتمنين أن يَكن جواري في القصر، رفضت لأنها ظنت أن الملك أداة في يد البريطانيين  وسوف يضمها الى بقية خدمه وحشمه ، وهي سيدة نفسها ، امرأة تحررية تتربص بالإنجليز وتطاردهم في كل مكان، ولما أقنعتها مربيتها بأن الملك سوف يتخذ منها زوجة ملكة ، معززة مكرمة وافقت ، وتحولت فيما بعد من الطفلة مانو الثورية الى الملكة لاكشمي باي الثورية ، وهو الاسم الجديد الذي أطلقه عليها الملك. وبهذه الخطوة الذكية عقدت مانو صفقة رابحة مع السلطة  وقدرها ، وأدركت أن ثوريتها وهي “مكسورة الجناح ” لاتحرر وطنا،  وستكون في ظل السلطة أقوى ومواقفها أكثر تأثيرا ، مثلما كانت تخطط ..

كانت لاكشمي باي  الصغيرة في النهار ملكة جانسي الهادئة الوديعة  الماكثة بقصر الملك لا تغادره ، وبالليل تتحول الى زعيمة للثورة ، ترتدي زي الفارس وتمتطي جوادها لتترقب أحوال الرعية مع ظلم الانجليز. وانتهت  القصة بطردها للإنجليز من مملكتها بفضل بطولاتها وتضحياتها .

القصة تقدم لنا نموذجا فريدا من نماذج النضال الانساني ، وشخصية ثورية مغمورة من ثوار العالم التواقين  للتحرر والعدالة…أمثال نيلسون مانديلا الزعيم المناهض لنظام الفصل العنصري في بلاده  جنوب أفريقيا، وفيديل كاسترو الصامد في مواجهة الإمبريالية الأمريكية. وتشي غيفارا الأسطورة المحرض على الثورات في أمريكا اللاتينية، وأوغو تشافيز صاحب مشروع “البديل البوليفاري” و”اشتراكية القرن الحادي والعشرين” ضد أمريكا ..  فعلى الرغم من بعد الرقعة الجغرافية والتاريخية الا أن هؤلاء الثوريين  يشتركون جميعهم بمحبة فلسطين ويؤمنون بقضية  الشعب الفلسطيني ويجاهرون بدعمه ،  وهو ما لم يجرؤ عليه الى اليوم أي حاكم عربي عدا جمال عبد الناصر وهواري بومدين .

القامات الثورية الوطنية التي تصل الى السلطة مدفوعة من الجماهير ليست كتلك التي تغتصب السلطة وتعيث في الأرض فسادا وتدوس على كرامة الوطن والمواطن..  فالتاريخ الانساني يستذكر تلك القامات التي عبرت بشجاعة عن الضمير الانساني ، من دون قيود أو حدود ، فيضعها تحت العدسة مباشرة لتنهل البشرية من عطاءاتها وتستفيد من مواقفها الخالدة، بينما يسقط الآخرون الى الدرك الأسفل..

القصة التاريخية – بحسب الرواية الهندية- تحاكي الواقع السياسي المناهض للاستعمار القديم  والحديث  ، فبعد أن اسدل الستار على زمن الاحتلال والحروب، حل محلهما اليوم  استعمار جديد أشرس وأعتى  ، تدار فيه حروب خفية توسعية، أداتها الآلة الامبريالية ، التي أسست لما بعد مفهوم الاستعمار التقليدي.. استعمار تقوده أمريكا ودول الاحتلال الأوروبي قائم على دعامتين أساسيتين وهما : الرأسمالية المتوحشة والايديولوجية الصهيونية الخالصة ..

ولهذا يعلمنا الثوريون العظام  من دروس مواعظهم الخالدة أن العدو الأساس والمعروف بالاسم ، هو ذلك الذي طرد من الأرض وبقيت سياساته وايديولوجياته جاثمة على صدور الشعوب الى اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق