وطني

رمضان في مستغانم شهر للتضامن و التآزر بين مختلف شرائح المجتمع

11048743_893727790663215_2596457689671325099_n

 

إن الصوم في شهر رمضان طيلة شهر كامل وفضلا عن الفضائل الدينية التي انفرد بها هذا الشهر العظيم الذي أنزل فيه « القرآن الكريم» في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر، فهي فرصة للتواد والتراحم والتضامن, التكافل بين مختلف أطياف المجتمع وهذا ما نجده واقعا ملموسا ومعاشا في الحياة اليومية لسكان مستغانم سواء في الريف أو الحضر فمنذ حلول شهر رمضان تكثر مبادرات التبرعات والصدقة على العائلات التي تعاني من ويلات الحرمان والإملاق وكذا أولئك الأشخاص المسنون الذين لا عائلة لهم ولا يقدرون على التوجه إلى المطاعم الشعبية التي تسيرها الجمعيات الخيرية برخصة من طرف السلطات الولائية طيلة رمضان.

وبلغ عددها خلال هذه السنة 12 مطعما للرحمة بمساهمة من طرف المحسنين بمبلغ مالي فاق ال (700) مليون سنتيم، مما جعل المبلغ الإجمالي للتضامن على مستوى الولاية لا يقل عن 13 مليار سنتيم للتكفل بأكثر من 46 ألف عائلة معوزة ناهيك عن حالات استثنائية أخرى ويمكن أن نقول أن الفقر يأخذ عطلته في شهر رمضان ودائما يتحدث الناس هذا في مستغانم بأن الخير يكثر في رمضان وأن رمضان يأتي بخيره ويروح بخيره وعندما نتمعن مليا في ما يجري في شهر الصيام نكاد نصل إلى الأسرار الكامنة في أيام رمضان فزيادة على التماسك والتكافل الاجتماعي الغذائي يقول البعض ممن تحدثنا معهم بأنهم يشعرون بالأمن والآمان في رمضان أكثر من شهر آخر وهذا كذلك سر من أسرار هذا الشهر فلا جوع ولا خوف بالرغم من أن هناك البعض لا يقدرون هذا الشهر بل نراهم يتهورون في بعض التصرفات والمعاملات ومنها الجشع والجري وراء الربح الفاحش على حساب الرأفة والرحمة غير أن مثل تلك المعاملات الدنيئة لا تؤثر على الحياة اليومية وصور التضامن بل أصحابها لا يجنون شيئا وصيامهم مشكوك فيه لأن الصيام لا يعني الامتناع عن الأكل والشرب فقط بل كل الجوارح لا بد لها أن توظف لمهمة الصوم الحميمي الذي يقبله الله ومع الأسف هناك الكثير لا يجنون من صيامهم سوى الجوع والعطش.

ومن بين العادات التي ترجع في رمضان هي لملمة الأسرة في رمضان وقت الإفطار فالكل يجتمع على مائدة واحدة لتناول طعام الإفطار وكثيرا ما تكون للجدة أو الجد قيادة شرفية للمائدة وهذا ما حدثنا عنه سي الطاهر التيارتي الذي يقطن في مستغانم منذ 50 سنة بحي بيبينيار الراقي، وواصل يحدثنا عن أيام زمان إذ قال لنا عندما كان يأتي رمضان لا ترى بائسا أو متسولا أو عابر سبيل في الشارع قبل الإفطار ب 10 دقائق فالعائلات تتسابق على الإتيان بضيف إليها وغالبا ما يكون من المحتاجين وعند سماع الأذان يكون الاتجاه إلى أقرب مسجد بالحي وتكون المائدة منوعة بالأطباق.
وغالبا ما تفتح الشهية بحبات تمر وزلابية ثم الحريرة حريرة الفول ما ألذها يقول سي الطاهر ثم طبق الزيتون بلحم الدجاج وطبق البرقوق بلحم الخروف وكان خبز الدار المطلوع موجودا على المائدة وهذه السيدة صافية البالغة من العمر 40 سنة التقينا بها في السوق المغطاة قالت لنا مرحبا بالتحرير  على طول الخط فاني من قرائها من يوم كان في عمري 16 سنة ولا بد لها من التقدم وحدثتنا سيدة البيت عن فضائل رمضان بقولها لازم نحيي التقاليد المعروفة في المناسبات الدينية وبالأخص في رمضان وأن لا نجعله شهرا للتفنن في الأكل واللهفة وأضافت أن وجبة السحور وجبة مهمة ولها عدة مزايا وحكم وغالبا ما تكون أكلا خفيفا أو كسكسا بالسكر وشرب المياه بكثرة ونتجنب الأطعمة التي تعطشنا في النهار.
أسواق  مستغانم  عبق من التاريخ

 11203157_681611321939448_1996207301869098671_n

 

وأما عن الحركة في الأسواق, فالبعض يتبضع في الساعات الأولى من الصباح ثم يعود إلى بيته للاسترخاء أو قضاء شؤون أخرى وتكون فضاء المدارس القرآنية وجهة الكثيرين وهذا ما نلاحظه كل صباح في المدرسة القرآنية بمسجد العرصاء وبعد أن تشتد الحرارة يهرع الجميع إلى المنازل لأخذ قسط من الراحة أو الخلود إلى النوم في القيلولة وما تلبث أن تعود الحركة من جديد إلى وسط المدينةومختلف الأسواق ويكون الازدحام في كل مكان, المارة في الأرصفة والأسواق والسيارات في الطرقات والشوارع وكثيرا ما نرى مناوشات تحدث بين الصائمين ولكن بمجرد دخول الكبار والعقلاء تزول المناوشات ونلاحظ في رمضان هذه السنة قلة في محلات بيع الزلابية وكل الحلويات الشرقية وهذا يرده بعض التجار إلى الإجراءات التي اتخذتها مصالح التجارة بشأن تغيير النشاط التجاري في شهر رمضان ومن بين الأسباب الأخرى هو تراجع المبيعات عكس السنوات الماضية عندما كانت الزلابية تباع بالكلغ فقلة المردود جعل الكثير من التجار يعزفون عن صنع وبيع الزلابية خاصة وما يلفت الانتباه هو كثرة بائعات وبائعي الخبز التقليدي بالقرب من مبنى السوق المغطاة وسط المدينة وكذا في أروقة سوق العين الصفراء وسوق تجديت من كل الأنواع مثل خبز المطلوع وخبز الشعير وحتى تشيشة الحريرة تباع إلى جانب التوابل الشعبية فأين اتجهت تسمع الضجيج الكل ينادي على أهمية بضاعته والكل ينادي الزبائن. إنه لغو كبير ومزيج من البشر وتقارب في المقاصد أنه الديكور الذي يتكرر يوميا تقريبا أما في الليالي وبعد صلاة التراويح تدب الحركة من جديد إلى الأماكن العمومية والفضاءات والشوارع والمقاهي عبر المدينة وأحيائها حتى تبلغ الذروة في النشاط والازدحام وكأننا في النهار وليس في الليل وهناك البعض من الجيران يفضلون البقاء أمام منازلهم ويقضون وقتهم في لعبة الكارطة أو الديمينو بينما كبار السن من الشيوخ يجتمعون حول لعبة الدامة والقهوة والشاي يطبع جلسات الجيران وبما أن رمضان تزامن هذه السنة مع موسم الاصطياف تبقى الشواطئ ولا سيما في صابلات تستقطب المئات من الناس راغبين في التمتع بالبحر فصوت أمواج البحر المتلاطمة من جهة وضجيج الأمواج البشرية كبارا وصغارا بل وحتى النساء يكون ضمن العائلة التي تترك البيوت وصخب المدينة وتهرب إلى الشواطئ لإفراغ هموم ومتاعب يوم كامل وهناك تحتضنهم فضاءات الشاطئ من أجل الاستجمام بدل السباحة وطيلة هذا الشهر لا تهدأ الحركة إلا في الساعات الأولى من الصباح قبل موعد أذان السحور.

 أمس في أحد الأسواق الشعبية بمدينة مغنية، أين التقت السيدة “فضيلة” من الجزائر العاصمة والتي اعتادت، رفقة أسرتها، زيارة هذه المدينة كل سنة، لقضاء أيام من الراحة في شواطئها الجميلة واقتناء لوازم رمضان، لها ولجميع أفراد عائلتها، التي ألفت لمسة لالة مغنية في طوابق رمضان، “فحتى الأواني الفخارية التقليدية نقتنيها من هذه المنطقة التي لا تزال محافظة على العديد من التقاليد العريقة التي افتقدناها ففي مناطق أخرى.” كما ذكرت السيدة سمية، وهي مغتربة من بلجيكا، أن ظروف عملها لن تسمح لها هذه المرّة بقضاء رمضان رفقة العائلة، لكنها ستنقل معها “ريحة البلاد” إلى بلجيكا، ولن يكون هذا إلا من خلال توابل مغنية، التي قصدتها خصّيصا لهذا الغرض.


توابل وأطباق شهية طيلة أيام الشهر الفضيل

 11204951_769979476455541_1192275666072794578_n

وفي مستغانم  عامة، تلجأ العديد من العائلات إلى طحن التوابل ودقّها في المهراس، حفاظا على عبق الماضي وسيرا على خطوات الأمهات والجدّات.
تشهد محلات بيع المواد الغذائية في مستغانم  إقبالا منقطع النظير للعائلات، وما يصنع الاستثناء في هذه المنطقة هو الطلب الكبير على اقتناء العسل الذي يستعمل في تزيين طبق “البغرير” ( وهو نوع من الفطائر التقليدية المدهونة بالزبدة والعسل) التي يتم تحضيرها في مثل هذه الفترة. وهي عادة متجذرة ورثها أهل المنطقة أبا عن جدّ تفاؤلا بطعم رمضان الحلو، الذي تميزه أطباق خاصة بهذه المنطقة، وعلى رأسها الشربة المحضرة بالخضر والفول المجفف، طاجين اللسان، الزلوف والعصبان.

تميز مستغانم  وولايات الغرب بعادات خاصة, تميّزها عن الولايات الأخرى حيث تحرص العائلات على الاستمتاع بعطلتها الصيفية في سهرات رمضان حيث تتلألأ الأضواء بالشوارع، ومن ضمن العادات الغريبة بتلك المنطقة هو أن بعض العائلات المستغانمية تحرص على وضع موائدها الرمضانية على شواطئ البحر مع إشعال الشموع.هذا ما كشفت عنه هوارية المنحدرة من مستغانم  حيث حدثتنا عن أهم الأطباق الرمضانية التي تتميز بها منطقتها ومن بينها “الحريرة” التي تصنع من أنواع كثيرة من التوابل كالكروية والتوابل الحارة، إضافة إلى الدقيق والخميرة كما يستبدل الفريك بالتشيشة وهي عبارة عن شعير أو قمح مطحون.
وتحرص العائلات على تجفيف التوابل المتنوعة عند بداية شهر شعبان لتطحن بعد ذلك وتكون جاهزة باقتراب رمضان، كما تحضر النساء أحد الأطباق السهلة التي تتناسب مع وضعية المرأة العاملة وتتمثل في طاجين الزيتون المكّون من اللحم أو الدجاج والزيتون بالمرق الأحمر. البلعباسيون بدورهم يحرصون على تحضير طبق “المعقودة” وعن الحلويات فتقول ذات المتحدثة إنها تتمثل في “الڤريوش” المحضر بالمنازل، إضافة إلى البقلاوة المصنوعة من أنواع مختلفة من المكسّرات.الدوبارة البسكرية والمرشومة على رأس أطباق الجنوب.

روبورتاج : بن سعدية ع

اظهر المزيد

محرر 4

كاتب بجريدة التحرير الجزائرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق